الخميس - 4 شوال 1438 هـ - 29 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14093
نسخة اليوم
نسخة اليوم  29-06-2017
loading..

أنيس باسويدان... حاكم كبرى عواصم العالم الإسلامية

أنيس باسويدان... حاكم كبرى عواصم العالم الإسلامية

هل بدأ الوزير السابق العربي الأصل مسيرته نحو الرئاسة في إندونيسيا؟
السبت - 25 رجب 1438 هـ - 22 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14025]
نسخة للطباعة Send by email
لندن: «الشرق الأوسط»
فاز الدكتور أنيس باسويدان، وزير التعليم والثقافة السابق في إندونيسيا، بمنصب رئيس بلدية العاصمة الإندونيسية جاكارتا، كبرى عواصم العالم الإسلامية من حيث عدد السكان، متغلباً في انتخابات حاسمة على الحاكم الحالي المثير باسوكي تجاهاجا بورناما، المعروف بلقب «أهوك». وكان الأخير - وهو مسيحي متحدّر من أصول صينية - قد أثار ضجة في الآونة الأخيرة واتهم بالتجديف وازدراء الإسلام، وتسبب هذا الأمر في حالة استقطاب وتشنّج شديدين في الشارع الإندونيسي. ولقد نظر كثيرون إلى هذا المفصل الانتخابي على أنه يشكل مؤشراً للاصطفافات السياسية في كبرى الدول الإسلامية في العالم قبل انتخاباتها الرئاسية المقرّرة عام 2019؛ نظرًا للأهمية الكبيرة لجاكارتا بصفتها عاصمة البلاد ومركزها التجاري الرئيسي.
الحاكم الجديد للعاصمة الإندونيسية جاكارتا، وزير التعليم والثقافة السابق الدكتور أنيس باسويدان، ابن عائلة سياسية وعلمية، يمنية عربية عريقة تعود أصولها إلى حضرموت. وكانت أسَر حضرمية كثيرة قد بدأت منذ قرون هجرة إلى منطقة جنوب شرقي آسيا، حيث استقرت في أرخبيل جزر الهند الشرقية الذي تشكل جزءه الأكبر اليوم جمهورية إندونيسيا، بجانب جزء من ماليزيا (التي تشكل نواتها الكبرى شبه جزيرة الملايو) وسلطنة بروناي وسنغافورة وتيمور الشرقية. ومعلوم أن المهاجرين الحضارم أسهموا إسهاماً عظيماً في الحياة الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية في هذه المنطقة من العالم، وبرزت منهم أسر كآل الكاف وآل السقاف وآل العطاس وآل الجنيد وغيرها.
الدكتور باسويدان، حظي بدعم الجنرال المحافظ المتقاعد برابو سوبيانتو (يمين) الذي خسر أمام رئيس الجمهورية الحالي جوكو ويدودو (يسار الوسط) في انتخابات الرئاسة عام 2014 وقد ينافسه مجدّدًا على الرئاسة. ولقد حصل في انتخابات جاكارتا - التي يسكنها أكثر من 10 ملايين نسمة - على 58 في المائة من الأصوات مقابل 42 في المائة لبورناما، المدعوم من ويدودو، وذلك استنادًا إلى «مسح سريع» غير رسمي لجميع الأصوات التي أدلي بها، أجرته مؤسسة «إنديكايتور بوليتيك». ولقد أظهرت مؤسسات أخرى لاستطلاعات الرأي نتائج مشابهة بعد إحصاء 99 في المائة من الأصوات، مع الإشارة إلى أن اللجنة الوطنية للانتخابات ستعلن النتائج الرسمية في مطلع مايو (أيار) المقبل.

حملة انتخابية قاسية
الحملة الانتخابية في جاكارتا كانت قاسية وشهدت استقطاباً حاداً، وأعرب مراقبون غربيون عن خشيتهم من تزايد قوة الجماعات الإسلامية التي يصفونها بـ«المحافظة» خلال السنوات الأخيرة. ومنذ البداية واجهت محاولة بورناما الفوز بفترة ثانية، صعوبات، بسبب تورطه في قضية تجديف بشأن تلاوته القرآن الكريم في تجمع انتخابي وإطلاقه كلاماً اعتبر ازدراء بالإسلام. ومما قاله بورناما، أو نسب إليه، إن ثمة أشخاصاً خدعوا الناخبين المسلمين بدفعهم إلى الاعتقاد بأن القرآن يأمرهم بعدم التصويت لليهود والمسيحيين. وعلى الأثر اندلعت احتجاجات واسعة النطاق قادتها حركات إسلامية خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) الماضيين. ومن ثم، اتهم بالتجديف، وهي تهمة تعرض من يدان بها لعقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات. إلا أن بورناما اعتذر، مدعياً أنه إنما كان يشير بكلامه إلى أولئك الذين يسيئون استخدام الدين لتحقيق مكاسب سياسية.

إرث سوكارنو
الحقيقة أن الاعتدال السياسي في إندونيسيا، التي يشكل المسلمون نسبة تربو على 80 في المائة من مجموع سكانها، ارتبط لفترة طويلة في مرحلة الاستقلال بإرث النضال التحرّري ضد الاستعمار الهولندي. وكان الرئيس الاستقلالي أحمد سوكارنو محسوباً في مسرح السياسة الدولية بين القيادات المناوئة للنفوذ الغربي في العالم الثالث، وكان يحظى بعلاقات جيدة مع قوى اليسار في إندونيسيا. وقبل تأسيس «حركة عدم الانحياز» لعبت إندونيسيا دوراً بارزاً مهّد عملياً لظهورها عندما استضافت مدينة باندونغ، إحدى كبرى مدن البلاد وجزيرة جاوة، أول مؤتمر عالمي لقادة دول آسيا وأفريقيا، وبمشاركة الصين الشعبية، خلال شهر أبريل (نيسان) 1955.
وظلت إندونيسيا طيلة حكم سوكارنو (1945 - 1967)، محسوبة على المعسكر غير المنحاز، بل أقرب إلى اليسار، وظل الحزب الشيوعي فيها قوياً، قبل الحركة العسكرية التي اختطف وقتل فيها عدد من الجنرالات اليمينيين على أيدي جنرالات آخرين من اليساريين عام 1965. ويومذاك ادعى الضباط اليساريين أنهم قاموا بحركتهم الاستباقية لقطع الطريق على انقلاب تدعمه الاستخبارات الأميركية. ولكن في الحصيلة النهائية، تحققت الغلبة لليمين، وسيطر الجنرال سوهارتو على مقدرات السلطة الفعلية في البلاد. وبدأت عملية تصفيات واسعة ضد الشيوعيين والقوى اليسارية المتعاطفة معهم، ومعها العد التنازلي لنهاية سوكارنو وبدء ديكتاتورية سوهارتو التي استمرت 30 سنة بين 1968 و1998. ولكن، بعد سقوط حكم سوهارتو، عاد التوازن بين قوى اليسار المعتدل واليمين المعتدل، المسلم وغير المسلم. بل وتولت الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية ميغاواتي سوكارنوبوتري، ابنة الرئيس سوكارنو، بين 2001 و2004.
حالياً يرى المراقبون أن التيار الإسلامي أو الإسلاموي يميل أكثر فأكثر نحو التشدد. وتوقع أحد المحللين السياسيين المتابعين لأوضاع إندونيسيا «أن السياسة المتأثرة بالدين ستمثل قوة هائلة في المستقبل». والحقيقة، أن فوز باسويدان بفارق نسبي كبير يشهد على هذا التحوّل، مع العلم أن استطلاعات الرأي قبل يوم الاقتراع بينت أن المنافسة حامية والفرص متقاربة. ثم إن بورناما كان متقدما في الجولة الأولى من الاقتراع في فبراير (شباط) الماضي، إذ تصدر بورناما نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التي خاض غمارها ثلاثة متنافسين بحصوله على 43 في المائة من الأصوات، وجاء باسويدان في المركز الثاني بنسبة 40 في المائة. غير أنه عاد فخسر في الجولة الثانية الحاسمة بفارق كبير (42 في المائة مقابل 58 في المائة لباسويدان). وكما سبقت الإشارة، خرجت مئات الآلاف من المسلمين الإندونيسيين إلى الشوارع في أواخر العام الماضي احتجاجاً على بورناما، وما اعتبروه ازدراء منه بالإسلام، وطالبوا بإقالته، كما ناشدوا الناخبين الامتناع عن انتخاب زعيم غير مسلم. وبعد انزلاق المظاهرات السلمية إلى العنف قتل شخص وأصيب أكثر من ألف بجروح.

باسويدان في سطور
ولد أنيس بن رشيد بن عبد الرحمن باسويدان يوم 7 مايو 1969 في بلدة كونينغان بغرب جزيرة جاوة، أكبر جزر الأرخبيل الإندونيسي من حيث عدد السكان، وهو يتحدر من عائلة حضرمية تعود أصولها إلى مدينة شبام. وهو حفيد عبد الرحمن باسويدان (1908 - 1986) أحد ألمع المناضلين الوطنيين في إندونيسيا ومن أبرز زعماء الاستقلال ووزير الإعلام في العهد الاستقلالي. وهو متزوج وأب لأربعة أولاد.
الحفيد أنيس على خطى جده في المعترك السياسي، لكنه برز في المجال الأكاديمي وتولى رئاسة جامعة بارامادينا في جاكارتا، وهو اليوم يعتبر من أبرز المتخصصين في العلوم السياسية بالبلاد. ووفق سيرته الذاتية، نشط أنيس منذ فتوته في الحركات السياسية الطلابية إبان رئاسة سوهارتو. ولقد تخرج في جامعة غادجا مادا بمدينة يوغياكارتا في جاوة بدرجة بكالوريوس في إدارة الأعمال، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة واستفاد من منح دراسية وفرت له فرصة الدراسة المتقدمة في الولايات المتحدة. وفعلاً حصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة ماريلاند بضواحي العاصمة الأميركية واشنطن. ثم حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية - السياسة العامة من جامعة نورذرن إيلينوي.
آيديولوجياً وحزبياً لا يحسب باسويدان على أي تيار سياسي محدد في إندونيسيا، وليست له خصومات حادة مع أي طرف. ولهذا اختير عام 2009 ليدير أول مناظرة انتخابية رئاسية في تاريخ البلاد. ثم اختير عضواً في «مجموعة الثمانية» التي شكلها الرئيس السابق سوسيلو بامبانغ يودويونو للتحقيق بتهم فساد وجهت إلى مفوضين في لجنة مكافحة الفساد. وفي أواخر عام 2011 عينه الرئيس يودونو في عضوية فريق اختيار اللجنة الانتخابية الوطنية. ولقد تولى باسويدان رئاسة جامعة بارامادينا بين عامي 2007 و2015، وعين وزيراً للتعليم والثقافة بين 2014 و2016.
أما عن تاريخ أسرة باسويدان فتشير مصادر تاريخية إلى أنه في أواخر القرن الثالث عشر الهجري سافر الأخوان علي وعمر ابنا الشيخ أبو بكر بن محمد باسويدان (1222 هـ - 1281 هـ) من مدينة شبام في وادي حضرموت متوجهين إلى جزيرة جاوة لمزاولة التجارة. وهناك في الجزيرة التي يسكنها أكثر من نصف مجموع سكان إندونيسيا، طاب لهم المقام. ثم في عام 1316 هـ توفي الشيخ علي بن أبي بكر مخلفاً خمسة من الأبناء هم سالم وعبد الله وإبراهيم وأبو بكر وعوض. أما شقيقه الشيخ عمر بن أبي بكر فتوفي عام 1329 هـ وله ستة أبناء هم عبد الله وعلي وأبو بكر وعوض وأحمد وسالم. وآل باسويدان اليوم في إندونيسيا من ذرية هذين الأخوين وهم يقيمون في عدة مدن منها جاكارتا وسورابايا وسيمارانغ وغيرها.

إلى أين الآن؟
فيما يخص مستقبل باسويدان السياسي، يرى البعض أنه ربما يكون قد بدأ مرحلة جديدة في مسيرته السياسية قد تنتهي برئاسة الجمهورية. إلا أن الأشهر المقبلة ستكون حساسة بالنسبة لوضع البلاد، ولا سيما بالنسبة لكيفية التعامل مع وضع بورناما الذي سيسلم منصبه رسمياً عندما تنتهي مدة حكمه رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ولعل الأمور ستهدأ الآن بعد فوز باسويدان، وبعد طلب الادعاء الحكم على بورناما بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة سنتين، ما يعني تجنب إدخال الحاكم السابق السجن. مع الإشارة إلى أنه يتوقع صدور الحكم في مايو المقبل، وهو الشهر الذي ستعلن فيه النتيجة رسمياً.