الجوز أول شجر مثمر عرفه الإنسان

يحمي من السرطان والسكري وزيادة الوزن

الجوز أول شجر مثمر عرفه الإنسان
TT

الجوز أول شجر مثمر عرفه الإنسان

الجوز أول شجر مثمر عرفه الإنسان

قليل من الناس الذين يعرفون الجوز، شجره وثماره اللذيذة والطيبة، أو يعرفون صعوبة التخلص من الدباغ الأسود الذي تتركه حباته البيضاوية الخضراء النيئة، أو طعم الجوز الحليبي الكريمي قبل أن ينضج ويجف. وقليل من الناس أيضاً من تمتعوا بمحاولة إسقاط والتقاط حبات من شجراته الكبيرة والعالية بعد ضربها بعصا طويل. ففي صيد الجوز ما يذكر بعالم الطفولة البريء، وبعوالم العلاقات الأولى بين الفرد والشجر الضخم والمعطاء. فالشجرة في طبيعتها شجرة ضخمة توفر للناس دوحة كاملة يمكن التمتع بها أيام القيظ وشجرة خيرة تمنح الناس واحدة من أكثر الثمار فائدة للإنسان.
تؤكد الموسوعة الحرة، أن الجوز نباتياً من الفصيلة الجوزية وقطاع كاسيات البذور، وأن «هناك نوعين رئيسيين مختلفين من الجوز يزرعان ببذورهما - الجوز الإنجليزي والجوز الأسود. الجوز الإنجليزي - ج ريغيا (J. regia) ومنشأه في إيران، والجوز الأسود - ج نيجرا (J. nigra) ويستوطن في شرق أميركا الشمالية. ويتميز الجوز الأسود بنكهته الواضحة، ولكنه لا يزرع لإنتاج الجوز للسوق التجارية بسبب قشرته الصلبة.... وتقريباً كل الأنواع التي تنتج للسوق التجارية عبارة عن هجين من الجوز الإنجليزي.... تشتمل الفصائل الأخرى على جوز كاليفورنيا (جوز كاليفورنيا الأسود) غالباً يستخدم كأصل للسلالات التجارية من الجوز الملكي)، والجوز الرمادي (جوز أرمد)، وجوز ميجور، الجوز الأريزوني... تحتوي القشرة الصلبة للجوز على عصارة قد تلطخ أي شيء تلامسه، وتستخدم كصبغة للقماش».
للجوز الذي يسميه البعض «عين الجمل» تاريخ قديم وغني في العالم ويعود إلى آلاف السنين، ويؤكد بعض المؤرخين أن شجرة الجوز أولى الشجرات المثمرة التي عرفها الإنسان، وفيما يعود تاريخ بقايا الجوز الذي تم العثور عليها في جنوب فرنسا إلى 17 ألف سنة، فقد زرع الناس الجوز منذ أكثر من 7 آلاف عام، أي من العصر الحجري الحديث. لكن عمليات الزرع في منطقة البحر الأبيض المتوسط لم تكن على نطاق واسع إلا في العصرين اليوناني والروماني القديمين. ويقال إن عوامل اقتصادية رئيسية هي التي ساهمت في انتشار زراعته في أوروبا وبعض مناطق العالم الشمالي. وعثر المكتشفون على الكثير من السفن الرومانية الغارقة في «المتوسط» والمحملة بالجوز. وكرس الرومان الجوز للإله جوبيتر (المشتري)، ولذا أطلقوا عليه اسم «غدد جوبيتر» glands of Jupiter الذي تكثف لاحقاً وأصبح مختصراً بـ«جوغلانز ريجيا» Juglans regia، أي «جوز المشتري الملكي». ولا يزال يستخدم الاسم الروماني على أساس أنه الاسم العلمي لنوع الجوز حتى الآن.
تشير المعلومات المتوفرة إلى أن التاريخ المبكر لشجرة الجوز الإنجليزي الذي نستخدمه هذه الأيام جاء من بلاد فارس القديمة، حيث كانت ثمارا خاصة بالملوك.
وقبل الرومان، ساهم تجار طريق الحرير التاريخي والطويل الذي يربط الصين بـ«المتوسط»، في انتشار الجوز وشعبيته في آسيا وحول العالم بشكل لم يسبق له مثيل. وبعد ذلك ساهم البحارة والتجار الإنجليز أيضاً في انتشاره بعدما نقلوا الجوز وتاجروا به في الكثير من مرافئ العالم القديم، ولهذا يعرف الجوز حاليا بـ«الجوز الإنجليزي»، رغم أنه لا يزرع في إنجلترا لغايات تجارية. وقد ساهمت قشور الجوز التي تحميه وتحمي نوعيته في قيمته التجارية، ويعتبر جوز ولاية كاليفورنيا من أجود الأنواع في العالم حالياً.
وقد كتب المؤرخ الروماني بليني الأكبر في كتابه «التاريخ الطبيعي» في القرن الأول، كتباً مطولة عن الجوز، مؤكداً أن أهل اليونان القديم تلقوا الشجرة أصلاً من بلاد فارس. وذكر بليني إلى جانب الكثير من مؤرخي العالم القديم أن الناس كانوا ينثرون الجوز بين الشباب أثناء الأعراس وهم يغنّون أغاني فاحشة. وحسب بليني فقد كان الجوز يستخدم قديما لصباغة الصوف، وكان يُصنع منه خليط للحماية من جميع أنواع السموم، ولطالما نصح بليني بتناول الجوز لتحسين وتنقية رائحة الفم وخصوصا بعد تناول مواد قوية مثل البصل والثوم. وبعد موت بليني بعد اندلاع بركان فيسوفيوس عام 79 قبل الميلاد، عثر على بقايا الجوز المفحم، بالإضافة إلى جداريات تحمل صور شجر الجوز الجميل.
ويقول الكاتب الأميركي المعروف في عالم الطعام آندرو سميث إن الفيلسوف والمؤرخ اليوناني - الروماني بلوتارخس، ذكر أن شجرة الجوز كانت مخدرة أو منومة، وكانت ترسل «روحاً ثقيلة ومنعسة تؤثر على رؤوس من ينام تحتها». ومع أنه لا يوجد أي إثبات علمي على قدرة الشجرة في هذا الإطار، فإن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الجوز يحتوي على مادة الميلاتونين التي تنظم دورة النوم - اليقظة أو ما يعرف بالساعة البيولوجية عند الأفراد، ولهذا يؤمن الكثير من البحاثة أن تناول الجوز يساعد على التخلص من السهاد.
وهنا لا بد من ذكر فوائد الجوز الصحية؛ إذ إن الجوز كان من أكثر المواد فائدة للصحة في «عالم المتوسط» القديم، وقد جاءت فوائده الطبية الكثيرة مفصلة ومشرحة في الكتابات الطبية في العالمين اليوناني والروماني، وعلى رأس ذلك كتبات الطبيب اليوناني ديسقوريدوس في القرن الأول للميلاد. وكان هذا الطبيب المعروف بـ«كتاب الحشائش والأدوية» (de Materia Medica) طبيباً عسكرياً في الجيش الروماني أيام الإمبراطور نيرون. وذكر ديسقوريدوس وصفات للجوز الملبس في الولائم، وبعض أنواع الخبز الذي يمكن أن يصنع منه، بالإضافة إلى الكثير من الوصفات الطبية التي تعتمد على الجوز في العلاج. ومن هذه الوصفات وصفات التخلص من الصلع وإنبات الشعر، والقضاء على الغنغرين، ورضوض الجسم وأهميته للمعدة.
وكان أهل اليونان يطلقون على الجوز آنذاك اسم «كاريون»، أي «رأس» لشبه القشرة بالرأس والجوز بالمخ.
وكالكاتب والطبيب اليوناني غالين الذي عاش في روما، أعاد ابن سينا الذي كتب عن فوائد الجوز في كتاب قانون الطب، الكثير من مقولات ديسقوريدوس في موسوعته المعروفة في القرن الثاني عشر، وخصوصاً طلي الجوز بالسكر لحفظه لفترة طويلة.
وبسبب فوائده الطبية الجمة، انتشر الجوز بكثرة في أوروبا خلال القرون الوسطى، وشملت مدرسة ساليرنو الإيطالية المعروفة الجوز في نظامها الطبي. وجاءت هذه الفوائد في الكثير من الأدبيات الطبية الأوروبية في القرن الثاني عشر، ومنها الألمانية التي ذكرت أن الجوز يعالج العقم.
وفي القرن السادس عشر جاء ذكر استخدام الجوز في كتاب الإنجليزي توماس دوسون عن الطبخ، وفي عصر النهضة واصل أهل الطب أمثال دانييل سارنيت في القرن السابع عشر والفرنسي تشارلز استيان والألماني جوهانيس شرودر، تكرار المقولات القديمة ووصفات ديسقوريدوس الخاصة بالجوز.
حديثاً، يعرف الجوز على أنه مفيد جداً للوقاية من أمراض القلب؛ لاحتوائه على كمية كبيرة من الأوميغا - 3 ألفا، ومن أكسدة الكولسترول في الشرايين لاحتوائه على فيتامين إي، بالإضافة إلى تحسين الدورة الدموية والهضم.
وبشكل عام ولأنه يحمي الشرايين والقلب ويحسن الدورة الدموية، فإنه يحمي من داء السكري، كما تؤكد أبحاث جامعة ييل الأميركية. كما يحمي الجوز من حصول مرض السرطان والجذور الحرة ويدمر الخلايا السرطانية أيضاً، والأهم من هذا كله أنه يمنع السمنة ويساعد على التخلص من الشحوم وزيادة الوزن ويمنح الإحساس بالشبع. وتشير عدة دراسات إلى أن الجوز الغني بفيتامين إي يحسن عمل الدماغ وينشطه، وبالتالي القدرة على التعلم عند الأطفال، بالإضافة إلى تحسين السلوك عندهم. إضافة إلى كل ذلك يساعد الجوز على التخلص من السهاد، وينظم الدورة البيولوجية للجسم عند الأفراد، ويساعد الناس على النوم كما سبق وذكرنا. كما أن للجوز فوائد في تحسين القدرة الجنسية عند الفرد، ومعالجة أمراض الجلد وتحسن البشرة.



مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟