تُرى أي ترامب سيرى العالم؟

تُرى أي ترامب سيرى العالم؟

الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13907]

أحد أهم مرتكزات الحملة الانتخابية لدونالد ترامب كانت الترويج لفكرة أن ثمار الولايات المتحدة تذهب لغيرها، وأن إدارة ترامب سوف تعمل على تقليل العجز في ميزاننا التجاري. غير أن سياسات الموازنة التي يقترحها ترامب الآن تتناقض بشكل صارخ مع الهدف منها، إذ إن ترامب بتأييده لإعداد موازنة ضخمة من خلال تخفيضات ضريبية وإنفاق في البنى التحتية سوف يسهم في تقليص المدخرات الوطنية وسوف يدفع بالدولار الأميركي للأعلى، مما يخلق مناخًا لزيادة العجز في الميزان التجاري، بدلاً من التقليص.
يبدو أن ترامب يجهل قواعد الحساب الأساسية، فالميزان التجاري لأي دولة يعني الفارق بين صادرات الدولة ووارداتها، وأيضًا يعنى الفارق بين مدخراتها واستثماراتها في ضوء إجمالي متطلبات الدولة. فإن كانت الدولة تدخر أكثر مما تستثمر، فسوف يكون لديها فائض في الميزان التجاري، وعلى العكس، فالدولة التي تدخر أقل مما تستثمر سوف يكون لديها عجز في ميزانها التجاري.
ووفق تلك القاعدة الحسابية الأساسية، يقترح ترامب تخفيضات غير ممولة بعيدة المدى في ضرائب الشركات، وكذلك المستقطعة من الأفراد. الأسوأ من هذا هو أنه يقترح في نفس الوقت زيادة كبيرة في البنية التحتية للدولة والإنفاق العسكري.
الغريب أنه يفعل هذا وكله أمل غير حقيقي في أن هذه السياسات سوف تسرع من وتيرة الاقتصاد وترفع معدل النمو من نسبة 2 في المائة الحالية إلى 3 أو 4 في المائة، ويعتمد على تسارع النمو في إيجاد مزيد من العائدات الضريبية.
لكن في حال لم يتحقق هذا النمو الاقتصادي، فإن التأثير الدقيق لتلك التخفيضات الضريبية وفي سياسات الإنفاق العام سوف يؤدي بكل تأكيد إلى زيادة عجز الموازنة وإلى تراجع مماثل في المدخرات العامة. وفي المقابل، وفي جميع الاحتمالات، فإن ذلك سوف يقود إلى زيادة كبيرة في عجز الموازنة مع تراجع لإجمالي مدخرات الدولة.
أحد ملامح الضعف الظاهرة في مقترح ترامب بشأن الموازنة هو أنها سوف تزيد من حدة الضغط على الاقتصاد في الوقت الذي اقترب بل وصل فيه إلى حد التخمة الوظيفية. وسيزيد مقترح ترامب المخاوف من التضخم ومن الدفع ببنك الاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة سعر الفائدة أكثر مما هي عليه الآن، كي تتواءم مع واقع التضخم.
إحدى السمات المميزة للاقتصاد العالمي الآن هي تباين السياسات المالية المتبعة في البنوك المركزية الكبرى على مستوى العالم.
فقد شرع بنك الاحتياطي الفيدرالي حاليًا في زيادة سعر الفائدة في الوقت الذي ما زال فيه البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان يشاركان في جولات شاقة من التسهيلات الكمية، في محاولة لإنعاش اقتصادهم المحتضر.
فإجبار بنك الاحتياطي الفيدرالي على رفع سعر الفائدة بوتيرة أسرع مما هي عليه الآن لن يؤدي إلا إلى توسيع الفارق بينه وبين غيره من البنوك المركزية الكبرى، وسوف يتسبب ذلك في مزيد من الضغط على الدولار.
ومنذ انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ارتفع الدولار قليلاً ليبلغ أعلى مستوياته في الأربعة عشر عامًا الماضية. فآخر ما تحتاجه البلاد إن أرادت تخفيض عجز الميزان التجاري هو أن تستمر في رفع قيمه الدولار، إذ إن هذا الارتفاع من شأنه أن يرفع من أسعار صادراتنا في أسواق العالم وسوف يجعل منتجاتنا أرخص من حيث كمية الدولارات الأميركية التي سنجنيها، ولذلك من الصعب أن نقول إن هذا سيقلل من العجز في ميزاننا التجاري.
فالخوف الحقيقي يكمن في أنه مع اتساع العجز الخارجي في موازنة الولايات المتحدة بسبب سياسات الموازنة الرعناء، فسوف يضاعف ترامب من تدخله واتجاهه لفرض الحمائية على التجارة. فكما شاهدنا في تدخله الأخير في عمل شركة «كارير»، فغالبًا سوف يكون هذا أسلوبه المفضل في التعامل مع الشؤون التجارية. إن استمر في السير على هذا النهج، فسوف يغامر بعلاقات بلادنا التجارية مع شركائنا، مما سيجلب أضرارًا كبيرة على الاقتصاد العالمي، حيث سيعيد للعالم السياسة القديمة المقيتة التي سادت في الثلاثينات من القرن الماضي عندما كان السبيل الوحيد للدولة كي تعالج اقتصادها العليل هو أن تضر باقتصادات غيرها من الدول. على ترامب أن يعلم أن الحروب التجارية ليست حلاً.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو