باريس تنجح في إقناع واشنطن باستكمال حرب «داعش» في الرقة بعد الموصل

كارتر: سنلاحق الإرهابيين في كل مكان.. ولو دريان يؤكد أنه لن تكون هنالك عاصمة بديلة للمتطرفين

أعضاء التحالف للحرب ضد داعش خلال اجتماعهم في باريس أمس (رويترز)
أعضاء التحالف للحرب ضد داعش خلال اجتماعهم في باريس أمس (رويترز)
TT

باريس تنجح في إقناع واشنطن باستكمال حرب «داعش» في الرقة بعد الموصل

أعضاء التحالف للحرب ضد داعش خلال اجتماعهم في باريس أمس (رويترز)
أعضاء التحالف للحرب ضد داعش خلال اجتماعهم في باريس أمس (رويترز)

نجحت باريس في دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى الإعلان عن موقف واضح من موضوع استكمال محاربة تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل التي بدأت معركتها قبل عشرة أيام. وقال وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، بعد انتهاء اجتماع وزراء الدفاع في 13 بلدا منخرطا في التحالف الدولي إن معركة الموصل لن تكون معزولة عن معركة الرقة بل إن «تداخلا» سيقوم بين المعركتين. ولمزيد من الإيضاح أضاف كارتر الذي كان يتحدث في مؤتمر صحافي في مقر وزارة الدفاع الفرنسية وإلى جانبه نظيره الفرنسي جان إيف لو دريان أن «الاستعدادات لعزل الرقة قد بدأت» وأن «هدف التحالف الدولي بقيادة واشنطن بعد معركة تحرير الموصل من تنظيم داعش، هي الرقة السورية».
وردا على سؤال حول هوية القوات التي ستتولى المهمة، اكتفى الوزير الأميركي بالقول إنه «بشأن مسألة القوة التي سنستخدمها لتحرير الرقة، يجب أن أقول إن استراتيجيتنا ستعتمد على قوات محلية من السوريين تعرف الأرض جيدًا ويمكننا دعمها». غير أنه امتنع عن تحديد هوية هذه القوات وما إذا كان يعني «قوات سوريا الديمقراطية» أم قوات الجيش السوري الحر التي تتمتع بدعم من تركيا، علما بأن هاتين القوتين تتواجهان في محافظة حلب وقد حصلت بينهما معارك حامية الأسبوع الماضي لم تتوقف إلا بعد ضغوط أميركية على الجانب التركي. وكان لافتا أن الوزير الأميركي أشاد بالجهود التركية في محاربة تنظيم «داعش» بمناطق شمال غربي سوريا.
لمزيد من الوضوح خصوصا لتبيان مدى الالتزام الأميركي بمحاربة «داعش»، أكد الوزير كارتر أنه «حتى بعد أن يتم القضاء على (داعش) في العراق وسوريا سنتابع حربنا على الإرهاب وعلى الشبكات المتبقية لـ(داعش)».
يأتي هذا التوجه الأميركي الجديد الذي يمكن اعتباره النتيجة الرئيسية للاجتماع الوزاري في باريس (الثاني من نوعه هذا العام) ليثلج قلب العاصمة الفرنسية. وحتى أول من أمس كانت مصادرها تبدي تخوفات واضحة من أن تعتبر إدارة الرئيس أوباما أن الحرب على «داعش» ستنتهي بانتهاء تحرير الموصل وما تبقى من الأراضي العراقية الخاضعة لـ«داعش»، وأن التزام واشنطن ومعها التحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش في سوريا لن يذهب أبعد مما ذهب إليه حتى الآن، أي منذ انطلاق التحالف الدولي قبل عامين. وقالت مصادر رسمية فرنسية لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري الخميس الماضي لوزراء خارجية وممثلين لعشرين دولة من دول التحالف بينها الدول العربية، إن مخاوفها تنبع من أن تتحول الرقة إلى «العاصمة» البديلة لـ«داعش» بعد سقوط الموصل عاصمتها المعلنة منذ يونيو (حزيران) من عام 2016. ولذا، فإن الوزير لو دريان اعتبر أن «الرقة ستكون هدفا استراتيجيا لنا» مستعيدا ما قاله الرئيس فرنسوا هولاند لدى افتتاحه الاجتماع بعد ظهر أمس، بقوله إنه «يتعين علينا أن نتصرف بحيث نتوصل إلى تدمير داعش وجبهة النصرة في أي مكان كان».
وتطرح المصادر الغربية مجموعة أسئلة حول كيفية تعاطي عناصر «داعش» مع لمعركة الحقيقية في الموصل بعد أن تنتهي العمليات التمهيدية. ووفق هذه المصادر، فإن «داعش» استقدم نحو مائتي مقاتل من سوريا لتعزيز مواقعه في الموصل. لكن الخبراء العسكريين يرجحون أن ينجح عناصر من «داعش» في الانتقال من الموصل والعراق بشكل عام إلى سوريا وتحديا إلى الرقة، الأمر الذي يفسر كلمة الوزير الأميركي بخصوص رغبة التحالف في «عزل» هذه المدينة بمعنى منع وصول المقاتلين إليها من العراق. بيد أن باريس ومعها البلدان الأوروبية التي عانت من الإرهاب لا تعتبر أن الحرب على «داعش» ستنتهي بسقوط الموصل التي قال عنها الرئيس هولاند إنها «ليست الغاية»، بل إن الهدف وفق هولاند هو «تدمير (داعش) في كل مكان» بما في ذلك ليبيا وبلدان الساحل الأفريقي.
في اجتماع أمس، كان هناك توافق على أن المعارك في الموصل ومنطقتها تسير بشكل جيد وأن داعش سوف يهزم. واعتبر لو دريان أن تنظيم «داعش» أصبح في موقع «دفاعي»، وأن استعادة الموصل ستمثل «خسارة رمزية كبيرة» للتنظيم. وأضاف الوزير الفرنسي أن التنظيم سيكون أضعف بعد استعادة الموصل، في العراق وسوريا. بيد أن هذا التقدير لا يقلل من مستوى التهديدات الأمنية التي يمثلها التنظيم بالنسبة للمنطقة وكذلك بالنسبة لأوروبا. مؤكدا أن تهديدات التنظيم تبقى مرتفعة. وتفيد المصادر الفرنسية بأن عدد المتشددين الفرنسيين الموجودين في العراق وسوريا يصل إلى 600 شخص وأن عودة هؤلاء إلى الأراضي الفرنسية ستكون بمثابة «تحد كبير» للسلطات الأمنية الفرنسية.
ينبع الحرص الفرنسي الذي كرره الرئيس هولاند اليوم من أن العمليات الإرهابية التي ضربت باريس ومناطق فرنسية أخرى منذ شهر يناير (كانون الثاني) الماضي تم التخطيط لها في الرقة وأن أحد كبار «مشغلي» الإرهابيين الفرنسيين واسمه رشيد قاسم موجود في الرقة. وفي الأشهر الأخيرة، أرسلت وزارة الدفاع الفرنسية مجموعة كوماندوز إلى سوريا إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية» لغرض «تصيد» المتشددين الفرنسيين. وفي الكتاب الصادر حديثا تحت عنوان «رئيس الجمهورية يتعين عليه ألا يتحدث بهذه الطريقة» لصحافيين معروفين يعملان في جريدة «لو موند» المستقلة، اعترف هولاند بأن القوات الخاصة الفرنسية قامت لأربع مرات بالقضاء على من تسبب بعمليات إرهابية في فرنسا.
في كلمته الافتتاحية، حدد الرئيس فرنسوا هولاند المحاور الأساسية الثلاثة للاجتماع، التي تتمثل بالتحديات السياسية والأمنية والإنسانية. وكان لافتا في كلمة الرئيس الفرنسي التنبيه المبطن الذي وجهه للسلطات العراقية بشأن كيفية إدارة الموصل بعد تحريرها من «داعش»، وتأكيدها على الحاجة إلى «استباق» هذه المرحلة والتنبه لما قد تأتي به من نتائج لجهة تسرب الداعشيين إلى مناطق أخرى، مشددا على الحاجة للنظر في «المستقبل السياسي» للموصل ولمنطقتها وللعراق. وطالب هولاند بأن تكون كل المكونات الإثنية والدينية ممثلة في الإدارة المقبلة للموصل، مما يعكس المخاوف الكامنة من أن تتكرر في هذه المدينة ومنطقتها التجاوزات التي عرفتها مناطق أخرى من العراق بعد تحريرها من «داعش»، الأمر الذي نددت به الأمم المتحدة رسميا في تقاريرها. كذلك نبه هولاند إلى ضرورة التعاطي بحذر مع الجانب الإنساني بحيث «لا يتكرر في الموصل ما يحصل في حلب» في إشارة واضحة لعمليات القصف التي يقوم بها طيران النظام والطيران الروسي التي من نتائجها سقوط عدد كبير من الضحايا من بين صفوف المدنيين.
أما الجانب الأمني البحت فعنوانه منع الداعشيين من الاندساس في صفوف اللاجئين والمدنيين أو تسرب الإرهابيين باتجاه الرقة. وطالب الرئيس الفرنسي بضرورة وجود تعاون وتنسيق بين أجهزة المخابرات لتلافي هذه المخاطر.
يبقى سؤال لا بد من أن يطرح، وهو يتناول المغزى الكامن وراء غياب الطرف المعني الأول وهو العراق، وكذلك غياب الأطراف الإقليمية؛ أكانت السعودية والأردن، أم تركيا وإيران. واكتفى مصدر فرنسي بالرد على هذا التساؤل بالقول إن هذه الصيغة «اعتمدت منذ البداية، ولم نر سببا في تغييرها في هذا الاجتماع».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.