طه عبد الرحمن: شرف الإنسانية في الإبقاء على ألبستها المعنوية

دهرانيون تملصوا من الدين ومن بعدهم تملصوا من الأخلاق جملة وتفصيلاً

غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
TT

طه عبد الرحمن: شرف الإنسانية في الإبقاء على ألبستها المعنوية

غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»

باتت معالم مشروع المفكر طه عبد الرحمن، تتضح شيئا فشيئا، خاصة بعد صدور كتابيه النقديين لمنظومة التفكير الغربية، هذه المنظومة التي تجمع في لفظة واحدة هي الحداثة، باعتبارها مفهوما يجمع مجمل نسق التصورات الذي أنجز في الغرب خلال الخمسة قرون المنصرمة. فكان عنوان الكتاب الأول «بؤس الدهرانية»، الصادر سنة 2014، والثاني «شرود ما بعد الدهرانية»، الصادر سنة 2016. ويقصد طه عبد الرحمن بلفظة الدهرانية، صفة ينعت بها نمط التفكير الحداثي، الذي يرى أنه قد بلغ مع رموزه الفكرية (روسو، كانط، دوركايم، لوك فيري) مستوى من المروق. إذ كان سعي هؤلاء حثيثا للخروج من الدين ومحاولة حشره في زوايا ضيقة. هذا المروق أدى من وجهة نظر طه عبد الرحمن إلى الشرود، أي الخروج من الأخلاق مع رموز أخرى، وهم: نيتشه، باطاي، الماركيز دو ساد، فرويد، ولاكان. وينعت طه عبد الرحمن هؤلاء الشاردين، بما بعد الدهرانيين. إذن، يقسم طه الحداثيين إلى صنفين: دهرانيون تملصوا من الدين، وما بعد دهرانيين تملصوا من الأخلاق جملة وتفصيلا.
يعبر الدهرانيون المارقون، الخارجون عن الدين المنزل، بحسب طه عبد الرحمن، عن بؤس في التصور، لأنهم بالغوا وتمادوا في إسناد الألوهية إلى الإنسان، وجعلوه مركزا، منه الأمر والقرار، ومنه الشاهد والحكم، من غير «استحياء ولا أدنى ارتياب»، بتعبير عبد الرحمن نفسه. يقول عبد الرحمن عن لفظة البؤس المختارة في العنوان، إنها مستخدمة حتى عند الدهرانيين أنفسهم في كتبهم، فنسمع عن «بؤس التاريخانية»، و«بؤس الفلسفة»، و«بؤس العالم».
ويؤكد طه عبد الرحمن، على تلازم كتاب «البؤس» وكتاب «الشرود»، لأن الأول، يناقش خروج الإنسان من الدين، وما ترتب عن ذلك من ضياع، رغم مجهودات الدهرانيين في وضع أخلاق دنيوية، أي أخلاق أرضية (مثلا أخلاق الواجب التي بلورها الفيلسوف الألماني كانط)، والتي اعتبروها قادرة على تعويض الدين، ومن ثم طرده من الشأن العام وجعله في المتحف. هذه الأخلاق اللائكية المصطنعة، يرى طه عبد الرحمن، أنها لا تفي مطلقا بالغرض الروحي، الذي لا ينفصل عنده عن الأخلاق أبدا.
أما الكتاب الثاني، فيعالج خروج الإنسان من الأخلاق، وما يتبع ذلك من أخطار. وهو ما سيصنع لنا ما بعد الدهرانيين الأشد وطأة من الدهرانيين، حيث إن بؤسهم مضاعف.
إن منطلق طه عبد الرحمن واضح، وهو أنه لا يمكن فصل الأخلاق عن الدين أبدا، إذ يقول: «الخروج عن الدين يفضي، حتما، إلى الخروج عن الأخلاق نفسها». وهذا بالضبط، مكمن الخلاف بين أطروحته والأطروحة الحداثية، الداعية إلى إمكانية أن يكون المرء أخلاقيا، من دون الحاجة إلى الدين المنزل. بل أكثر من ذلك، نجد أن التفكير الحداثي قام بأكبر عملية تفكيك وعزل للدين عن كل قطاعات الحياة. وهو ما يراه طه عبد الرحمن وبالا وضياعا للبشرية، وإسقاطا لها في المروق المؤدي إلى الشرود. ولعل الحجة الرئيسية التي يقدمها طه عبد الرحمن، لعدم إمكانية استقلال الأخلاق عن الدين، هي أن الإنسان لا يمكن أن يكون كما تدعي الحداثة، (هنا نتذكر أطروحة الفيلسوف كانط دائما)، هو المشرع وهو الحكم والشاهد على نفسه. بل يحتاج ضرورة، إلى كائن متعال عنه، تعطى له صلاحيات الشاهدية. كائن لا يمكن أن يكون إلا الله وحده بوحيه المنزل.
من تعرية الإنسان إلى كسائه
يسير طه عبد الرحمن عكس تيار الحداثة تماما. فما عليك إلى أن تقوم بجرد مبادئ الحداثة ومرتكزاتها. ثم قم بعد ذلك، بالبحث عن أضدادها. فأنت تكون قد عثرت، آنذاك، على طه عبد الرحمن. فالفصل والعزل الذي قامت به الحداثة للدين عن كل قطاعات الحياة، وأهمها قطاع الأخلاق، يريد طه عبد الرحمن أن يجعله وصلا ودمجا. فمشروعه الأساسي، هو رد اللحمة المفقودة والعودة إلى الأصل الأول للأخلاق. فالنواهي والقيم والجوانب المعنوية، درس تعلمه الإنسان منذ البداية مع الدين.
وبالعودة إلى المنظومة الحداثية، ينبغي أن نتذكر أنها تقوم على أساس منهجي، هو التحليل والتفكيك والكشف، وفضح المخفي، وإماطة اللثام عن الخفي، وذلك قصد بلوغ الجذور التي يتقوم بها الإنسان. فالحداثة تكسير وهدم ومعاول موجهة لكل الطبقات التي تكسو الإنسان وتغطيه، والمتمثلة طبعا، في الجوانب الميتافيزيقية، والقيم، والأبعاد الروحية، التي ما هي إلا زيف وكذب وخداع وجب التخلص منه. وبعد طول تقشير للكساء المغطي للإنسان، ماذا كانت النتيجة يا ترى؟ الإنسان مجرد حيوان. فهو كائن منغمس في الطبيعة ومتجذر فيها. وهنا نتذكر صرخات داروين ونيتشه وفرويد وغيرهم، ممن كان سعيهم حثيثا لإبراز أن الإنسان كائن غريزي ليس أكثر. وهذا طبعا، ضرب لكبريائه وكرامته في الصميم. إذ هو لا شيء إلا كونه حلقة متطورة من بقية الكائنات الأخرى. وهذا ما تقبله الحداثة بصدر رحب، على الرغم مما به من إهانة وجرح. لكن طه عبد الرحمن، يرفضه جملة وتفصيلا.
إن هذه الألبسة التي تغطي الإنسان، والتي سعت الحداثة إلى كشفها، يرى فيها طه عبد الرحمن ضمانا للإنسانية، التي لن تتحقق إلا بالحفاظ عليها. فهي لا ينبغي أن تكشف، بل يجب أن تظل كسترة.
إن الحداثة، وهي تعمل معاولها لهدم القشور المعنوية التي تغطي سوءة الإنسان، ترى أن في الأمر بحث عن الحقيقة. فهذه الألبسة هي أغلفة يمكن أن تستغل، بسهولة، من أجل الخداع والتدليس، وخدمة مصالح جهات على حساب جهات أخرى. إنها كالمساحيق التي يموه بها الإنسان أخاه الإنسان، الأمر الذي يستدعي عدم السكوت والعمل بجهد للتعرية والكشف، بل الهدم إن تطلب الأمر ذلك. وهنا نتذكر مرة أخرى مطرقة الفيلسوف نيتشه.
لقد قامت الحداثة بعمل جبار لكي يعيش الإنسان، من دون زيف أو تضليل، في كل القطاعات، بدءا من الطبيعة، التي تخدعنا كل يوم لأنها تبرز وجها غير حقيقي. فالشمس والأرض نشاهدهما بطريقة يكذبها العلم، فالأولى تبدو متحركة والثانية ثابتة. فإن صدقت حواسك والمعطى كما هو جاهز، فأنت لا محالة ساذج. فالأمر يسير بشكل عكسي تماما عن كل الاستنتاجات العفوية والتلقائية التي نحصل عليها. وقس على ذلك كل المنجزات العلمية. فهي تصنع صناعة بعد الكشف وإماطة اللثام عن خفيها. فالطبيعة هي أيضا مكسوة بألبسة، يرى العالم أنه لا بد من إزالتها بحثا عن الحقيقة. والأمر نفسه يقال أيضا، عن السياسة والاقتصاد والأخلاق. فهي أيضا، قضايا مغلفة بألبسة تحتاج العمل والجهد قصد كشفها، والربح الدائم كما تدعي الحداثة، هو العيش بأقل التضليل والزيف الممكنين.
يرى طه عبد الرحمن في كل هذا المنجز الحداثي العملاق، بمنهجه الكاشف، دمارا وزيغا عن جادة الصواب. إنه تشويه ومسخ للإنسانية الحقة، التي لن تتحقق إلا بالحفاظ على الألبسة والأغطية الساترة. ففيها ضمان حقيقي لسلامته، وصون له من المروق والشرود، ومن ثم الشقاء والضياع. بل صون حتى للطبيعة التي تمت استباحتها، في تملك شنيع يهدد الوجود ومستقبل الأجيال اللاحقة. وهو ما بلوره طه في كتاب سابق له، بعنوان «الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري»، حيث دافع عن أولوية النظرة الملكوتية للعالم، المرتبطة عنده بالآيات على حساب النظر الملكي المرتكز على الظاهر من الطبيعة. ولنقل إن طه عبد الرحمن، يعطي الأسبقية «للمعنى»، والمقصود بذلك، الحكمة التي وجب العمل بها. فإذا ما أخدنا «ظاهرة سقوط المطر» مثالا، فهي تصبح آية، إذا ما جرى النظر إليها من جهة ما تختزنه من معان: كمعنى الحياة، أو البعث، أو الرحمة، أو النعمة، مصداقا لقوله تعالى، في سورة الأعراف 185: «أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء». بكلمة أخرى، هناك قراءتان للعالم: قراءة الأشياء وقراءة الآيات. وإن شئنا تماشيا مع موضوع مقالنا، نقول إن عزل العلم للنظرة الملكوتية وإبعادها، كان كشفا للباس الطبيعة وتعريتها، ما كان سببا في تدمير الطبيعة وهتكها.
نخلص إلى أن الألبسة المعنوية والروحية التي تغطي سواء الطبيعة أو الإنسان، والتي تراها منظومة التفكير الحداثية زيفا ومساحيق مضللة وجب التجرد منها، هي بالنسبة لطه عبد الرحمن، شرف للإنسان، وسمو به إلى مستوى الإنسانية الحقة، التي ينبغي أن تحافظ على فطريتها ما أمكن. فما العمل إذن؟ هل نجرد الإنسان ألبسته طمعا في الحقيقة؟ أم نتركها تغطيه سترا لسوءته؟



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».