السيناريو الأسوأ في اليمن بالانتظار!

السيناريو الأسوأ في اليمن بالانتظار!

السبت - 3 ذو القعدة 1437 هـ - 06 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [13766]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.
في أبريل (نيسان) من هذا العام نشر كاتب هذه السطور دراسة مطولة حول أزمة اليمن وسيناريوهات تطور أحداثها، ورغم أنني لا أحبذ في الغالب أن يعود الكاتب إلى ما كتب في السابق، فإنني أستأذن القارئ وأستشهد ببضعة أسطر تشي عن محاولة قراءة أحداث اليمن على حقيقتها، فقد كان العنوان الفرعي لما نشر «السيناريو الأسوأ» يقول: «سوف يقع اليمن في مأزق يعرف منهجيًا بالصراع منخفض الكثافة، ويصبح اليمن (دولة منسية وفاشلة) تنهش في أجزائها المختلفة الصراع على السلطة، وتتوزع القوة بين (أمراء حرب) بأسماء قبلية أو فئوية أو مناطقية مختلفة ومتناقضة، وقد يُجير استقلال اليمن لهذه القوة الإقليمية أو تلك». تطورات اليمن الأخيرة وصلت إلى السيناريو الأسوأ، وعلى رغم كل الجهود الدبلوماسية العربية التي صرفت فيها طاقات رجال كثيرين، أملاً في إنقاذ ما تبقى من الدولة في اليمن في الأشهر الأخيرة، فإنها سارت إلى طريق مسدود.
الآن علينا أن نسلم بواقع الأمر، وهو ببساطة يرتكز على حقيقتين؛ الأولى أن الدولة العميقة في اليمن، التي رعاها صالح لفترة تزيد على ثلاثة عقود، قد قررت أن تقوم بثورة مضادة، بعد رفض الشعب لكل ما يمثل صالح من حكم، والثانية أن الطريقة التي تم بها إجهاض الثورة الشعبية هي في تمكين فصيل مسلح له ارتباطات خارجية للقيام بالعمل الشائن (الاستيلاء بالقوة على مؤسسات الدولة). تلك الثنائية سلمت الأمر بطبيعة الحال في اتخاذ القرار لمن يناصرها، وهي طهران، والقرار يتخذ اليوم في صيرورة اليمن من «طهران» وليس الحوثي ولا حتى صالح، هم قوم تبُع. وطهران لا يهمها الدم اليمني أو وحدة اليمن، المهم لديها إشاعة أكبر قدر من عدم الاستقرار في المنطقة! تلك هي المعادلة التي يجب فهمها، أما الباقي فهو تفاصيل!
محادثات الكويت اختلط فيها العمل السياسي من «حُسن النيات» من جهة، و«ضُغوط دولية» من جهة أخرى، إلا أن طهران لا تريد الوصول إلى توافق يمني، وليس لديها مانع أو رادع من استنزاف العرب، وخصوصًا دول الخليج، في حرب طويلة، إن كان ذلك يحقق لها أهدافها، وهي إضعاف المقاومة في الضفة الغربية من الخليج، وإن أمكن استعداء دول الغرب لما ينتج من آثار الصراع الجانبية في وقوع ضحايا مدنيين!
الإعلان «المتردد» عن إقامة مجلس سياسي لإدارة البلاد له صلاحيات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وإدارية واجتماعية واسعة، الذي يشكل من علي صالح والحوثيين، يعني حكم اليمن «بالتناوب» بين جماعة الثورة المضادة وفصيل مسلح تابع للخارج! ويفسر ما أشير إليه أعلاه (توزيع القوة بين أمراء حرب!) بهذا الإعلان أحادي الجانب، يرى صالح - الحوثي أنهم هم «اليمن» فقط، بمعنى آخر أن طريق التشطير اليمني لأكثر من كيان وضع على السكة الساخنة! ومهما مُددت فترة المفاوضات في الكويت، فإن الأرجح أنها لن تخرج بشيء ملموس، فقراءة طهران لهذه الفترة من الزمن هي قراءة المنتصر في الساحات المجاورة، وضعف في المواقف الدولية، وانحسار للدخل الوطني الخليجي، ولذلك فلن تألو جهدًا في وضع العراقيل، من خلال حلفائها، أمام الوصول إلى أي نتيجة تفاوضية معقولة لصالح الشعب اليمني.
في المقابل تفتقد الحكومة الشرعية القدرة إلى المبادرة والمناورة، التي كان الحديث حول أهمية أن «تبلور» تلك المبادرة في صلب اللقاءات في الكويت على هامش المباحثات، بين ممثلين للسلطة والمهتمين في الكويت بالشأن اليمني، كما ينقص التحالف العربي قراءة استراتيجية موضوعية لما يحدث في اليمن. تحالف علي صالح - الحوثي يشكل أقلية في اليمن، أما الأكثرية فهي إما معطلة أو صامتة، أو مأخوذة بشعارات مزيفة، لذلك فإن من الأهمية أن ترسم استراتيجية جديدة في الشأن اليمني، تشارك فيها الشرعية اليمنية والتحالف العربي، مع مشاركة وتمثيل واسعين من النخب اليمنية، وخصوصًا الشباب بشكل واضح وجلي. ترتكز تلك الاستراتيجية على عدد من المحاور:
الأول: الاعتماد على قوى الشعب اليمني والسلاح واحد من الأدوات وليس كل الأدوات، فهناك أداة تفعيل ذكي وفعال للإعلام الذي نجح جزئيًا تحالف صالح - الحوثي بواسطة ماكينة حزب الله اللبناني وأموال طهران، أن يبيع القضية للآخرين على أنها حرب استقلال جديدة! إيضاح أسباب الصراع وخلفياته لجموع الشعب اليمني عملية أساسية لكسب العقول والقلوب، لافتًا إلى أن العالم يمكن أن ينسى اليمن، فوسائل إعلامه لم تلتفت إلى انهيار المحادثات في الكويت أخيرًا، والإعلام العالمي كان مشغولاً بما يحدث في تركيا وفي أوروبا وفي سوريا، ولا ذكر لليمن!
تنقص الشرعية اليمنية الذراع الإعلامية الفعالة، ممزوجة بشعارات وطنية حقيقية، تعبر عن رغبة الجمهور اليمني الواسع في دولة مدنية حديثة عادلة ومستقلة، وقد قُدمت النصيحة تلو الأخرى للإخوة في الشرعية اليمنية إلى أهمية تبلور تلك الاستراتيجية الإعلامية وتفعيلها، بخلق «الكتيبة الإعلامية» المدربة، ومَدها بكل الإمكانيات المتاحة الفنية والمادية كي تقوم بعملها المطلوب، إلا أن الاهتمام لم ينصب على ذلك الجهد، وقد اكتُفي بما هو موجود من نشاط إعلامي تقليدي. كما ينقص الشرعية الخروج من الفهم التقليدي للصراع، فهو ليس صراعًا على مناصب أو حتى صراعًا على برامج تهم الشعب اليمني برمته، ولا حتى على شرعية ديمقراطية، بل هو صراع على استقلال اليمن أو إلحاقه بدولة أجنبية واختطاف ثورته الشعبية! فاليمن إما أن يكون مستقلاً بعيدًا عن هيمنة طهران، أو يقع في حبائل شبكة طهران، التي تلقي بظلالها على المنطقة ككل. أصدق القارئ القول إنني مع كل تلك التطورات الأخيرة لست متشائمًا. أرى أن الأعمال السياسية التي يتراكض عليها تحالف «صالح - الحوثي» هي إشارات ضعف، يراد بها «الاستفزاز السياسي» أكثر مما هي أعمال مغيرة للواقع على الأرض، كما أن مشروع صالح - الحوثي هو مشروع نكوصي ليس تاريخيًا، فهو يسير ضد التاريخ، فالعالم السياسي يعرف عددًا من أشكال الحكومات مختلفة اللون والصيغ، إلا أن ما نراه في اليمن هو «ائتلاف وصاية» لم يوصِ بها أحد! يريد أن يأخذ اليمن إلى الخلف لا إلى الأمام!
الثاني: أن يحقق نصرًا على الأرض ضد ميليشيات الحوثي - صالح من خلال تعبئة شاملة لكل القوى اليمنية الحديثة والتقليدية، والمهمة هي «إنقاذ اليمن» من الوقوع تحت «الاحتلال الإيراني» من خلال مجموعة عملاء لهم مصالح ذاتية ومحدودة، وتحقيق انتصار لا أقل منه «استعادة صنعاء» باستثارة أهلها من الداخل، مع مساعدة لوجيستية من الخارج، يسهل طريق التفاوض ويقرب نهاية الصراع.
الثالث: التعويل على أوسع تشاور دبلوماسي عالمي، لشرح التدخل الإيراني في اليمن وآثاره الكارثية، ففي ظل تفاقم الصراعات الدولية، يمكن أن تأخذ القضية اليمنية آخر أولويات الاهتمام العالمي، وهي الآن في تلك المرحلة، حيث هناك رغبة في إنهاء الصراع شكلاً، حتى لو وضع اليمن على طريق حروب استنزاف طويلة مقبلة ومرحلة فوضى، لا بد للدبلوماسية اليمنية في العالم أن تسعى بكل جهد لشرح فكرة أن الثمن الذي يدفع الآن من الجهد العالمي لنزع فتيل الأزمة اليمنية وردع إيران من التدخل، هو ثمن بسيط، مقارنة بالأثمان التي يمكن أن تدفع في المستقبل، في حال تحول اليمن إلى «دولة فاشلة» تعيث فيها أشكال الميليشيات من كل حدب وصوب فسادًا، وتصبح «ملاذًا آمنًا» للتدريب من أجل تصدير الإرهاب إلى دول العالم. وقتها يكون الشيطان قد فلت من عقاله!
آخر الكلام:
معركة اليمن هي معركة حضارية، بين قوى تريد عودة الماضي واهمة، وقوى ترغب في استقبال الشروق آملة، عادة ينتصر الأمل على الوهم.

التعليقات

السراج
05/08/2016 - 23:40

نحن والاخوة في الخليج في قارب واحد ..ركزوا على المناطق المحررة والرجال الذين حرروها .

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
06/08/2016 - 08:16

الإعلام العالمي لا يلتفت لليمن "عمداً" ولكن سرعان ما نراه يركز أنظاره ويحول الكاميرا إلى اليمن فجأة في حالة واحدة وهي عندما يكون هناك شئ ضد دول التحالف فقط من تهم وتقارير مسيسة ومغلوطة وغير موثقة وللأسف .

علي الحميضي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
06/08/2016 - 10:19

.. نعم أنا وكثير من قراء حضرتك معك أنه مهما مددت مفاوضات الكويت فلن تأتي بنتيجة والسبب أن أحد طرفي المفاوضات متلهف على نتيجة أو نصف أو حتى ربع نتيجة إيجابية والطرف الثاني يراهن على خيار الطرف الأول في ظل تواطء دولي على إستمرار الإستنزاف ولذلك فإنه يجب إنهاء هذه المفاوضات من قبل الحكومة الشرعية وحلفاؤها وأخذ خيار حافة الهاوية المتمثل في ترك الجزء الجنوبي يستقل كما يتمنى أهله ويتوقون وإحكام الحصار البري والبحري والجوي على ما يتبقى من اليمن ويقتصر ضرب النار على من يحاول فك الحصار من المتمردين والإقلاع عن محاولة تصفية هذا الجيب أو ذاك ووضع المنظمات الدولية الإغاثية أمام مسئولياتها في ممارسة الأعمال الإغاثية الإنسانية وتسهيل مهماتها في الدخول والخروج والتواصل عبر ممرات آمنة تقررها الأمم المتحدة فإذا حدث عليها إعتداء فهي مسئولية الطرف الآخر ..

منذر عبدالرحمن
البلد: 
النرويج
06/08/2016 - 10:57

من كان يقرأ كل ما يُكتب عن حرب اليمن بالمقلوب، كان يدرك الحقيقة.

عصام هاشم
البلد: 
العراق
06/08/2016 - 11:28

السلام عليكم سيدي الفاضل انا انسان بسيط ومن خلال قراءة المقالات عن دورايران بالمنطقة وقد عاثت بالارض الفساد ارى الحل بسيط اشغال ايران بالداخل حسب معلومات البسيطة يوجد داخل ايران عدة قوميات واذا اشتعلت النيران في بيتك اطفائها اولى ام اطفاء نار جيرانك وكما يقول المثل السن بالسن والعين بالعين والبادئ اظلم ؟؟؟؟؟؟؟ تحياتي

د. عبدالله الهزاع
البلد: 
المملكة العربية السعوديه
06/08/2016 - 12:06

أتفق مع الكاتب القدير ، وأقول إن كان الغرب " أوروبا وأمريكا" صادقون في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه ، فإن عليهم التدخل السريع والصادق لمناصرة الشرعية في اليمن ، وهم قادرون إن أرادوا - بعد إرادة الله - فإن بقي اليمن ارض تدريب وتصدير لعناصر الإرهاب فأول من سيكتوي بناره الغرب كما حذرهم الملك عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - خلال لقاء صادق وصريح مع مجموعة من سفرائهم ، واتمنى ان لا يأخذهم الرغبة في أشعال الفتن في الإقليم لأهداف سياسية وإقتصادية يعتقدون انها تخدمهم ، في حين انها مضرة عليهم وعلى المجتمع الدولي برمته ، وعلى الغرب ان ينتصر للديموقراطية التي يرفع شعارها ويحاسب الدول عند تجاوزها.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
06/08/2016 - 14:35

هناك تداخلات عديدة بين الملف اليمني وملفات أخرى "الملف السوري تحديداً" وهو المحرك الرئيسي لكل ما يجري في المنطقة، فالطبع فالمتابع للأحداث يستطيع بسهولة أن يستشرف العلاقة بين هذا وذاك تبعاً للمواقف المتباينة والمتباعدة بين الأطراف الدولية من القضية السورية، وهي مواقف بطبيعة الحال تلقي بظلالها على الملف اليمني هذا بشكل عام، أما بالمنظور الاخر فمن السهولة إدراك المواقف الدولية من طبيعة تعاطيها مع هذا الملف، فمن المسلّمات أن اليمن يقع تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بموجب القرار 2216 وعليه فإن أي محاولة للتملص من الاستحقاقات التي حددها القرار الأممي المشار إليه يجب ألاّ يخلُ الرد عليها من عبارة "إن لم ... فسوف" لا مجرد تعليقات وإنتقادات كما حدث، وهذا دليل على عدم الجدية في المواقف الدولية لفرض تطبيق القرار الأممي، الأمر واضح.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة