الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

تجليات الرؤية من غاليليو إلى ديكارت

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية
TT

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

إذا ما أخذت حجرًا بيدك ورميته عاليًا، فإنه سيسقط إلى الأسفل. لكنه، في هذه الحالة، لم يسقط من تلقاء نفسه. فالحجر لا يختار، أو يحن إلى موطنه وأصله، كحنين المغترب إلى وطنه، كما كان يحلو لأرسطو أن يفسر عملية سقوط الأجسام. فالحجر يسقط مدفوعا دفعا بقوة خارجية، هي الجاذبية التي أرغمت على ذلك. فهي قاصرة وعاطلة ولا تملك قرارها أبدا في أن تبقى ساكنة أو متحركة، فالأمر أمر القوى الخارجية المتربصة بها. إن هذا المنظور الجديد للمادة، القائم على أساس أحد أهم المبادئ المشهورة عند الفيزيائيين، خلال القرن السابع عشر، وهو مبدأ «القصور الذاتي»، أو كما يسميه البعض الآخر «مبدأ العطالة»، سيلبس الفيزياء الحديثة لبوسًا جديدًا، تتجاوز به النظرة الكيفية القديمة التي تضع الحياة في الطبيعة عن طريق إسقاط ما هو إنساني عليها، وملئها بكل صنوف الفاعلية (فالطبيعة تغضب، تفرح، تحب، تكره، تتربص، تنتقم.. إلخ). نحو تصور للعالم، إذ سينظر إليه كمجرد ساعة ضخمة وصماء لا حرية فيها أبدًا وخاضعة لقانونية محكمة. الأمر الذي سيغير نظرتنا للكون وبشكل جذري، سيفرز معه نموذج الإنسان الحديث المفصول عن الطبيعة غير المندمج معها. فكيف ذلك؟

قبل الخوض في قضيتنا، سنبدأ بإعطاء بعض التعريفات التي قدمها رواد القرن السابع عشر، لمبدأ العطالة، الذي سيبدأ في الظهور في أعمال غاليليو (1564 - 1642). لكن الصياغة الواضحة لهذا المبدأ، ستظهر بعده مباشرة. وقد يعود الفضل للفيلسوف ديكارت (1596 - 1650)، الذي قال في كتابه العالم: «إن كل جزء من المادة، بمفرده، يستمر دائما على الحالة نفسها، ما دام التقاؤه بغيره لا يجبره على تغييرها». كما نجدها عند معاصر لهما، هو رائد الفلسفة السياسية الحديثة: توماس هوبز (1588 - 1679) في كتابه «الليفياثان»، حيث يقول: حركه، فإنه يتحرك (ما لم يمنعه شيء آخر) إلى الأبد. «لكن الصياغة الأكثر دقة، تمت كتتويج مع إسحاق نيوتن (1643 - 1727)، بحيث إنه عندما وضع أسسًا لفيزيائه الميكانيكية، جعل القصور الذاتي إحدى ركائزه بقوله: «يبقى الجسم ساكنًا، أو يستمر في حركته على خط مستقيم، وبسرعة ثابتة، ما لم يكن خاضعا لتأثير قوة خارجية».
قدمت هذه النماذج من الصياغة لمبدأ القصور الذاتي، لأبرز مدى طغيانه على عقول القرن السابع عشر. فهو أصبح بمثابة الخلفية الواضحة، والمشكلة لمفهوم المادة والحركة. فمعسكر الفلاسفة الجدد، وأنصار الفيزياء الجديدة الغاليلية، أصبحوا يؤمنون بأن الجسم المادي، لا حول له ولا قوة. فهو إذا ما عزل عن كل القوي، سيبقى إما ساكنا أو في حركة مستقيمية منتظمة. لذلك فهو عاطل وقاصر عن الفعل وحده دونما تأثير خارجية. إنه بكلمة واحدة كسول وخامل ودون إرادة. فما تداعيات هذه الفكرة على رؤية الإنسان للعالم؟

العطالة وظهور ثنائية الجسم العاطل

إن عطالة المادة كمبدأ، هي التي ستجعلنا نستوعب كثيرًا من متغيرات الفلسفة الحديثة. ويكفي هنا الوقوف عند مؤسس هذه الفلسفة، وأقصد ديكارت. فديكارت المتشبع بفكرة قصور العالم الطبيعي، قد وجد نفسه متورطا في أصعب مشكلة وقع فيها التفكير الحديث وهي: أنه إذا كانت المادة عاطلة. فالجسم الإنساني مادة، ومن ثم فهو أيضًا عاطل. فمن أكون إذن؟ وأنا الإنسان الذي يحس أنه حر وفاعل ومفكر ومريد و... هذه معضلة كبيرة. فالإنسان يحمل في داخله النقيضين: العطالة والحرية، القصور والفكر، الفاعلية والانفعال. فحتى الحيوان، فهو، حسب ديكارت، مجرد آلة لا تفكر، والوحيد الذي وهب هذه الصفة صفة التفكير هو الإنسان. إنه يمزج بين كونه جسمًا آليًا وماديًا، ممتدًا طولاً وعرضًا وعمقًا، ومحكومًا بالحتمية، لأنه ينتمي إلى جنس العالم الخارجي المعطل نفسه، وفي الوقت نفسه، يحمل في داخله، نفسًا باعتبارها جوهرًا فكريًا وسمتها الحرية. إنها بحق ثنائية محرجة ومربكة. فكيف يمكن القبول بأنهما مندمجان واقعيًا، على الرغم مما بينهما من تمايز حاد؟ هذه الإشكالية ستجعل ديكارت، ومعظم الفلاسفة من بعده، يفكرون في حل لها. فديكارت وإن اجتهد لإيجاد وصل بين الجوهرين، كان نصيبه الفشل، إلى درجة أنه كان يرى الإنسان جامعًا لجوهرين مختلفين بمعجزة إلهية.

عطالة المادة وتعميم الذوات

بعدما تم تجريد العالم الخارجي من الفكر، بما فيه الجسم الإنساني، جراء انتشار الفيزياء الميكانيكية في القرن السابع عشر، وإفراغ هذا الفكر كليًا في جوف الإنسان، فإن هذا الأمر سيدفع ديكارت، ومن بعده كل الزمن الحديث، إلى فتح الباب على مصراعيه لتوحيد الذوات وتعميمها على الكل. فكل إنسان سيستحق لقب ذات، لأن الفكر هو المشترك بين الجميع من دون استثناء، إلى درجة أنه لم يعد البحث عن الحقيقة بدءًا من ديكارت، أمرًا علويًا يخص البعض دون الآخر، ويخص العباقرة وحدهم. فبإمكان رجل لم تكن له عبقرية أفلاطون، ولا معرفة أرسطو، ولا قداسة توما الأكويني، أن يلج خزائن المعرفة. فالكل قادر على المعرفة، ما دام يمتلك عقلا مدعمًا بالطريقة ومسيرا بالمنهج.
بهذا يكون ديكارت، قد عمم الذوات ومن ثم تعميم المعرفة نفسها. وهذه ثورة من ثوراته. فالكل قادر عليها، وليست حكرًا على أحد. فديكارت حاول أنسنة المعرفة إلى حد أن ينفي هو عن نفسه كل خصوصية. فديكارت ليس خارقًا أو يحظى بهبات سماوية، أو بإلهام غير عادي ومتعال عن بقية الناس، فهو لم يتحدث عن تجربته وعن نفسه، إلا لكي يبرز أنه لا يفوق العامة في شيء. فما دام الإنسان جوهره التفكير (شيء مفكر)، فالتفكير إذن، فعل إنساني محض يخص جميع الأفراد، وليس النخبة فقط.
فالحقيقة ليست ملكًا لأحد. فهي توجد عند الإنسان وتتم بالإنسان، إذ يمكن لأي فرد اكتسابها. فالعقل أشد الأمور توزيعًا بعدالة بين الناس، كما جاء في مطلع كتابه «مقال في المنهج لحسن قيادة العقل». فيكفي فقط، بعض الخطوات المنهجية التي هي بمقدور كل واحد. فأي إنسان يملك حسًا سليمًا، ونورًا طبيعيًا يؤهله لبلوغ المعرفة، ولتأكيد ذلك، نعود إلى ديكارت نفسه، حيث شرح في كتابه «المحاورة»: «البحث عن الحقيقة بالنور الطبيعي»، وكان موجهًا للسواد الأعظم من الناس، معنى الحس السليم، باعتباره «هو نور جد خالص لا يحتاج إلى مساعدة من الدين أو الفلسفة، في تحديد الآراء التي ينبغي أن يمتلكها الإنسان النزيه، فيما يتصل بجميع الأشياء التي يمكن أن تشغل فكره. كما أنه نور ينفذ إلى أسرار أكثر العلوم استثارة لحب الاطلاع»، ويستمر في قوله: «ليس الإنسان النزيه مجبرًا على الاطلاع على جميع الكتب، ولا أن يكون قد حفظ جيدًا كل ما يعلم في المدارس. بل إنه من الخلل في التربية، إن هو أنفق وقتا طويلا في تحصيل الآداب»، وكم تبرز هذه الجملة أصالة ديكارت في مجال التربية الحديثة. فهو مهد لتجاوز المدرسة السكولائية، حيث الحفظ، والشروح، وشروح الشروح، العقيمين، نحو استخدام العقل والمنهج والاقتصاد في الجهد والقدرة على تدبير المعضلات والمشكلات.
إذن مع ديكارت، سيتم توجيه ضربة موجعة لحجة السلطة، أو ما يُسمى الحجة النقلية، فهو سيفرق بين الفكرة وقائلها. فالحقيقة تتم وجهًا لوجه مع الفكرة، بغض النظر عن قائلها. بكلمة واحدة، مع ديكارت، سيتم نقل السلطة من الخارج إلى الذات (l› intériorisation de l› autorité). وهنا يبدو واضحًا تأثير ديكارت، همهم نشر فكرة استقلال الذوات وقدرتها على أخد المبادرة اقتصاديا، سياسيا، وأخلاقيا.. بمعزل عن كل وصاية، ما عدا وصاية العقل المشترك. وهو ما تلخصه عبارة كانط الشهيرة في تعريفه للأنوار: «إنه خروج الإنسان من وضع الحجر الذي هو نفسه مسؤول عنه. وهذا الحجر يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.