الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

تجليات الرؤية من غاليليو إلى ديكارت

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية
TT

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

الفيزياء الحديثة تعزل الإنسان عن الطبيعة وتحرره من الوصاية

إذا ما أخذت حجرًا بيدك ورميته عاليًا، فإنه سيسقط إلى الأسفل. لكنه، في هذه الحالة، لم يسقط من تلقاء نفسه. فالحجر لا يختار، أو يحن إلى موطنه وأصله، كحنين المغترب إلى وطنه، كما كان يحلو لأرسطو أن يفسر عملية سقوط الأجسام. فالحجر يسقط مدفوعا دفعا بقوة خارجية، هي الجاذبية التي أرغمت على ذلك. فهي قاصرة وعاطلة ولا تملك قرارها أبدا في أن تبقى ساكنة أو متحركة، فالأمر أمر القوى الخارجية المتربصة بها. إن هذا المنظور الجديد للمادة، القائم على أساس أحد أهم المبادئ المشهورة عند الفيزيائيين، خلال القرن السابع عشر، وهو مبدأ «القصور الذاتي»، أو كما يسميه البعض الآخر «مبدأ العطالة»، سيلبس الفيزياء الحديثة لبوسًا جديدًا، تتجاوز به النظرة الكيفية القديمة التي تضع الحياة في الطبيعة عن طريق إسقاط ما هو إنساني عليها، وملئها بكل صنوف الفاعلية (فالطبيعة تغضب، تفرح، تحب، تكره، تتربص، تنتقم.. إلخ). نحو تصور للعالم، إذ سينظر إليه كمجرد ساعة ضخمة وصماء لا حرية فيها أبدًا وخاضعة لقانونية محكمة. الأمر الذي سيغير نظرتنا للكون وبشكل جذري، سيفرز معه نموذج الإنسان الحديث المفصول عن الطبيعة غير المندمج معها. فكيف ذلك؟

قبل الخوض في قضيتنا، سنبدأ بإعطاء بعض التعريفات التي قدمها رواد القرن السابع عشر، لمبدأ العطالة، الذي سيبدأ في الظهور في أعمال غاليليو (1564 - 1642). لكن الصياغة الواضحة لهذا المبدأ، ستظهر بعده مباشرة. وقد يعود الفضل للفيلسوف ديكارت (1596 - 1650)، الذي قال في كتابه العالم: «إن كل جزء من المادة، بمفرده، يستمر دائما على الحالة نفسها، ما دام التقاؤه بغيره لا يجبره على تغييرها». كما نجدها عند معاصر لهما، هو رائد الفلسفة السياسية الحديثة: توماس هوبز (1588 - 1679) في كتابه «الليفياثان»، حيث يقول: حركه، فإنه يتحرك (ما لم يمنعه شيء آخر) إلى الأبد. «لكن الصياغة الأكثر دقة، تمت كتتويج مع إسحاق نيوتن (1643 - 1727)، بحيث إنه عندما وضع أسسًا لفيزيائه الميكانيكية، جعل القصور الذاتي إحدى ركائزه بقوله: «يبقى الجسم ساكنًا، أو يستمر في حركته على خط مستقيم، وبسرعة ثابتة، ما لم يكن خاضعا لتأثير قوة خارجية».
قدمت هذه النماذج من الصياغة لمبدأ القصور الذاتي، لأبرز مدى طغيانه على عقول القرن السابع عشر. فهو أصبح بمثابة الخلفية الواضحة، والمشكلة لمفهوم المادة والحركة. فمعسكر الفلاسفة الجدد، وأنصار الفيزياء الجديدة الغاليلية، أصبحوا يؤمنون بأن الجسم المادي، لا حول له ولا قوة. فهو إذا ما عزل عن كل القوي، سيبقى إما ساكنا أو في حركة مستقيمية منتظمة. لذلك فهو عاطل وقاصر عن الفعل وحده دونما تأثير خارجية. إنه بكلمة واحدة كسول وخامل ودون إرادة. فما تداعيات هذه الفكرة على رؤية الإنسان للعالم؟

العطالة وظهور ثنائية الجسم العاطل

إن عطالة المادة كمبدأ، هي التي ستجعلنا نستوعب كثيرًا من متغيرات الفلسفة الحديثة. ويكفي هنا الوقوف عند مؤسس هذه الفلسفة، وأقصد ديكارت. فديكارت المتشبع بفكرة قصور العالم الطبيعي، قد وجد نفسه متورطا في أصعب مشكلة وقع فيها التفكير الحديث وهي: أنه إذا كانت المادة عاطلة. فالجسم الإنساني مادة، ومن ثم فهو أيضًا عاطل. فمن أكون إذن؟ وأنا الإنسان الذي يحس أنه حر وفاعل ومفكر ومريد و... هذه معضلة كبيرة. فالإنسان يحمل في داخله النقيضين: العطالة والحرية، القصور والفكر، الفاعلية والانفعال. فحتى الحيوان، فهو، حسب ديكارت، مجرد آلة لا تفكر، والوحيد الذي وهب هذه الصفة صفة التفكير هو الإنسان. إنه يمزج بين كونه جسمًا آليًا وماديًا، ممتدًا طولاً وعرضًا وعمقًا، ومحكومًا بالحتمية، لأنه ينتمي إلى جنس العالم الخارجي المعطل نفسه، وفي الوقت نفسه، يحمل في داخله، نفسًا باعتبارها جوهرًا فكريًا وسمتها الحرية. إنها بحق ثنائية محرجة ومربكة. فكيف يمكن القبول بأنهما مندمجان واقعيًا، على الرغم مما بينهما من تمايز حاد؟ هذه الإشكالية ستجعل ديكارت، ومعظم الفلاسفة من بعده، يفكرون في حل لها. فديكارت وإن اجتهد لإيجاد وصل بين الجوهرين، كان نصيبه الفشل، إلى درجة أنه كان يرى الإنسان جامعًا لجوهرين مختلفين بمعجزة إلهية.

عطالة المادة وتعميم الذوات

بعدما تم تجريد العالم الخارجي من الفكر، بما فيه الجسم الإنساني، جراء انتشار الفيزياء الميكانيكية في القرن السابع عشر، وإفراغ هذا الفكر كليًا في جوف الإنسان، فإن هذا الأمر سيدفع ديكارت، ومن بعده كل الزمن الحديث، إلى فتح الباب على مصراعيه لتوحيد الذوات وتعميمها على الكل. فكل إنسان سيستحق لقب ذات، لأن الفكر هو المشترك بين الجميع من دون استثناء، إلى درجة أنه لم يعد البحث عن الحقيقة بدءًا من ديكارت، أمرًا علويًا يخص البعض دون الآخر، ويخص العباقرة وحدهم. فبإمكان رجل لم تكن له عبقرية أفلاطون، ولا معرفة أرسطو، ولا قداسة توما الأكويني، أن يلج خزائن المعرفة. فالكل قادر على المعرفة، ما دام يمتلك عقلا مدعمًا بالطريقة ومسيرا بالمنهج.
بهذا يكون ديكارت، قد عمم الذوات ومن ثم تعميم المعرفة نفسها. وهذه ثورة من ثوراته. فالكل قادر عليها، وليست حكرًا على أحد. فديكارت حاول أنسنة المعرفة إلى حد أن ينفي هو عن نفسه كل خصوصية. فديكارت ليس خارقًا أو يحظى بهبات سماوية، أو بإلهام غير عادي ومتعال عن بقية الناس، فهو لم يتحدث عن تجربته وعن نفسه، إلا لكي يبرز أنه لا يفوق العامة في شيء. فما دام الإنسان جوهره التفكير (شيء مفكر)، فالتفكير إذن، فعل إنساني محض يخص جميع الأفراد، وليس النخبة فقط.
فالحقيقة ليست ملكًا لأحد. فهي توجد عند الإنسان وتتم بالإنسان، إذ يمكن لأي فرد اكتسابها. فالعقل أشد الأمور توزيعًا بعدالة بين الناس، كما جاء في مطلع كتابه «مقال في المنهج لحسن قيادة العقل». فيكفي فقط، بعض الخطوات المنهجية التي هي بمقدور كل واحد. فأي إنسان يملك حسًا سليمًا، ونورًا طبيعيًا يؤهله لبلوغ المعرفة، ولتأكيد ذلك، نعود إلى ديكارت نفسه، حيث شرح في كتابه «المحاورة»: «البحث عن الحقيقة بالنور الطبيعي»، وكان موجهًا للسواد الأعظم من الناس، معنى الحس السليم، باعتباره «هو نور جد خالص لا يحتاج إلى مساعدة من الدين أو الفلسفة، في تحديد الآراء التي ينبغي أن يمتلكها الإنسان النزيه، فيما يتصل بجميع الأشياء التي يمكن أن تشغل فكره. كما أنه نور ينفذ إلى أسرار أكثر العلوم استثارة لحب الاطلاع»، ويستمر في قوله: «ليس الإنسان النزيه مجبرًا على الاطلاع على جميع الكتب، ولا أن يكون قد حفظ جيدًا كل ما يعلم في المدارس. بل إنه من الخلل في التربية، إن هو أنفق وقتا طويلا في تحصيل الآداب»، وكم تبرز هذه الجملة أصالة ديكارت في مجال التربية الحديثة. فهو مهد لتجاوز المدرسة السكولائية، حيث الحفظ، والشروح، وشروح الشروح، العقيمين، نحو استخدام العقل والمنهج والاقتصاد في الجهد والقدرة على تدبير المعضلات والمشكلات.
إذن مع ديكارت، سيتم توجيه ضربة موجعة لحجة السلطة، أو ما يُسمى الحجة النقلية، فهو سيفرق بين الفكرة وقائلها. فالحقيقة تتم وجهًا لوجه مع الفكرة، بغض النظر عن قائلها. بكلمة واحدة، مع ديكارت، سيتم نقل السلطة من الخارج إلى الذات (l› intériorisation de l› autorité). وهنا يبدو واضحًا تأثير ديكارت، همهم نشر فكرة استقلال الذوات وقدرتها على أخد المبادرة اقتصاديا، سياسيا، وأخلاقيا.. بمعزل عن كل وصاية، ما عدا وصاية العقل المشترك. وهو ما تلخصه عبارة كانط الشهيرة في تعريفه للأنوار: «إنه خروج الإنسان من وضع الحجر الذي هو نفسه مسؤول عنه. وهذا الحجر يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره».



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي