الإعلام الروسي من الولادة مرورًا بحقبة يلتسين وصولاً إلى بوتين

تأثر بالتغيرات السياسية في البلاد.. ومن سيطرة الدولة انتقل إلى سيطرة «الأوليغارشية»

بوتين في زيارة مسائية للقناة الروسية الأولى التي استعاد سيطرة الدولة عليها من أيدي بيريزوفسكي
بوتين في زيارة مسائية للقناة الروسية الأولى التي استعاد سيطرة الدولة عليها من أيدي بيريزوفسكي
TT

الإعلام الروسي من الولادة مرورًا بحقبة يلتسين وصولاً إلى بوتين

بوتين في زيارة مسائية للقناة الروسية الأولى التي استعاد سيطرة الدولة عليها من أيدي بيريزوفسكي
بوتين في زيارة مسائية للقناة الروسية الأولى التي استعاد سيطرة الدولة عليها من أيدي بيريزوفسكي

يمكن وصف الإعلام الوطني بأنه مرآة للوضع الذي تمر به البلاد في هذه المرحلة أو تلك، ولعل الإعلام الروسي والتغيرات التي طرأت عليه خير مثال يؤكد ذلك، ففي السنوات الأولى لاستقلال روسيا نهاية القرن الماضي وحتى مطلع القرن الحالي، أو في حقبة الرئيس الروسي الأول بوريس يلتسين، حيث كانت روسيا وإعلامها في حالة أقرب إلى الفوضى أثناء عملية البحث عن الذات، كلاهما استنشق لأول مرة منذ عقود طويلة مفاهيم الحرية والديمقراطية، بينما كانا في مرحلة لم يتأقلما معها بعد على العيش كما يجب وفق تلك المفاهيم المستجدة، لذلك «اختلط الحابل بالنابل»، وإلى جانب البرامج التلفزيونية التي كانت تعكس تجسيدًا حقيقيا لممارسة الحرية الإعلامية، كانت هناك كثير من البرامج، أو صحف بأكلمها جسدت مفهوم الحرية بمعنى الفوضى وتجاوز الحدود في كثير من المجالات بأسلوب وطبيعة الخطاب الإعلامي الموجه للرأي العام. ولم يخل الأمر من إعلام مسيطر عليها حكوميا وآخر يخضع لسيطرة كبار ممثلي طبقة الأوليغارشية التي نمت في روسيا أسرع من نمو الفطر في الغابات، وأحكمت قبضتها على كثير من المفاصل في البلاد، بما في ذلك فرض سيطرتها على مساحات واسعة من الإعلام. لكن لو لم تكن تلك المرحلة وما حملته من تجارب استخلص كثيرون العبر والدروس منها، لما تمكن الإعلام الروسي من الانتقال إلى حاله اليوم.
تعود الولادة الأولى للإعلام الروسي إلى السنوات الأخيرة من عهد الاتحاد السوفياتي، عندما كان ميخائيل غورباتشوف زعيم الكرملين وأعلن «البيريسترويكا». قبل تلك المرحلة كان الإعلام خاضعًا كليًا للحزب الشيوعي وجهاز الكي جي بي، وكان الإعلام يركز على إنجازات الدولة السوفياتية والمواجهة الكونية بين الإمبريالية والشيوعية، فضلا عن البروبغندا الشيوعية. أما الإشارة إلى خطأ ارتكبه المسؤول الفلاني أو توجيه نقد لعضو ما في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أو أي مسؤول في الحزب، فكان هذا بمثابة الجريمة. جاء غورباتشوف وأطلق ما يُعرف باسم مرحلة «الغلاسنوست»، التي تعني الانفتاح والشفافية في نشاط كل المؤسسات الحكومية مقابل حرية وسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومة. وكان هدف غورباتشوف من هذه الخطوة مواجهة الفساد وتضييق الخناق على فئة تهيمن على شؤون البلاد دون رقيب، ويبدو أن آخر الزعماء السوفيات كان يحتاج إلى الرأي العام كي يدعم نهجه «البيرسترويكا»، لذلك أطلق العنان تدريجيا لوسائل الإعلام، التي تمكنت مع أواخر الثمانينات من توجيه نقد للحكومة السوفياتية واتهامها بالفاشلة، كما تجاوزت حينها بعض وسائل الإعلام الحظر المفروض على انتقاد أفكار لينين وحقبة ستالين، وما إلى ذلك من مواضيع كانت محرمة إعلاميًا.
ويمكن القول إن الانفجار الإعلامي الحقيقي وقع تحديدًا في السنوات الأخيرة من حكم غورباتشوف، لدرجة بدا معها وكأن الإعلام خرج عن السيطرة، فبدأ يكشف كل ما خفي من مشكلات اجتماعية واقتصادية تعصف بالبلاد، وسوء الظروف المعيشية للمواطنين، والإدمان على الكحول، وغيره من مؤشرات الحياة السوفياتية التي لم يكن بوسع أحد عرض وضعها الحقيقي قبل عهد غورباتشوف. في هذه المرحلة لعب الإعلام دورًا كبيرًا عن غير قصد بفقدان الرأي العام السوفياتي ثقته في القيادات السوفياتية، من جانب آخر شعر المواطن بطعم الحرية وبأنه أصبح بوسعه أن يقول ما يشاء ويسمع ما يشاء بعد عقود من الكبت، وهنا بدت الأمور أقرب إلى الفوضى.
وفي عام 1990 تم إقرار أول قانون يحظر الرقابة على الإعلام، الذي تنفس حينها الصعداء وكثف من نشاطه المعادي للحقبة السوفياتية. وما أحدثه الإعلام حينها كان أقرب إلى حالة التمرد الشعبي التدريجي، بالمقابل، كانت هناك النخب السوفياتية التي شعرت بغضب شديد إزاء ما يجري. إلى أن جاء اليوم الفيصل الذي أنهى الحقبة السوفياتية ودشن عهد تفكك تلك الدولة الكبرى. ففي صباح التاسع عشر من أغسطس (آب) عام 1991. كان الملايين من المواطنين السوفيات ينتظرون بفارغ الصبر متابعة حلقة جديدة من أول مسلسل مكسيسكي تعرضه الشاشات السوفياتية حينها، بعنوان «حتى الأغنياء يبكون»، إلا أنهم تفاجأوا بأن قناة التلفزيون تبث عوضا عن ذلك عرض باليه بحيرة البجع فقط، واستمر العرض إلى أن أطل أعضاء ما أصبح يُعرف باسم «لجنة الدولة لحالة الطوارئ» وهم قياديون من الحزب الشيوعي السوفياتي الذين قرروا الانقلاب على غورباتشوف، وكانت إطلالتهم تلك آخر مشهد يعكس واقع الإعلام السوفياتي، ذلك أن الانقلاب فشل، وعوضًا عنه بدأت عملية تفكك الدولة السوفياتية وولادة روسيا المستقلة، ومعها ولادة إعلامها المستقل من رحم المراحل السابقة.
في عهد الرئيس الروسي الأول بوريس يلتسين تمتع الإعلام الروسي بحرية غير مسبوقة، وكان بوسع الإعلام تناول أي قضية. لكن التوجهات العامة للإعلام حينها كانت من توجهات الدولة التي تبنت نهج التكامل مع الغرب، ووضعت شاهدة على نعش العلاقات مع الحلفاء القدامى للاتحاد السوفياتي من دول اشتراكية ودول في العالم الثالث. إلا أن النظرة في أعلام حقبة يلتسين إلى الغرب بدأت تتغير بعد أن كشف الغرب عن عدم نيته التعامل مع روسيا شريكا بل طرفا خسر الحرب وعليه دفع الثمن.
في الشأن الداخلي، سياسيا، انقسم الإعلام بين مؤيد ليلتسين ومعارض له، هذا في الوقت الذي تمكن فيه كبار ممثلي «الأوليغارشية» أو من يطلق عليهم في روسيا «الروس الجدد» الذين جنوا ثروات طائلة بقدرة قادر، خلال وقت قياسي من الزمن، وأسسوا إمبراطوريات إعلامية، وفي مقدمتهم اليهوديان بوريس بيريزوفسكي الذي سيطر على «المؤسسة العامة للتلفزيون» وتضم أهم قنوات التلفزيون الروسي، وفلاديمير غوسينسكي صاحب مؤسسة «موست» التي تضم قنوات تلفزة وعددا من الصحف والمجلات، وكلاهما يحمل الجنسية الإسرائيلية إلى جانب الروسية. الأول كان من داعمي يلتسين، وكان معروفا أنه من «العائلة»، وهو اللقب الذي كان يُطلق في عهد يلتسين على مجموعة من الشخصيات التي كانت تحكم البلاد فعليًا. وكان بيريزوفسكي يستنفر كل وسائله الإعلامية خلال الحملات الانتخابية الرئاسية لصالح يلتسين، لا سيما انتخابات عام 1996. حين أظهرت استطلاعات رأي تدني شعبية يلتسين إلى 12 في المائة. لكنه فاز حينها بالرئاسة، والفضل يرجع في ذلك إلى حد كبير لبيريزوفسكي وإمبراطوريته الإعلامية. أما غوسينسكي فوجه إمبراطوريته الإعلامية ضد يلتسين في أغلب الأحيان. وأثناء التحضيرات لانتخابات عام 2000 قدم غوسينسكي الدعم لتحالف (بريماكوف - لوجكوف)، الأول المستشرق الشهير، والثاني محافظ موسكو، بينما كان بيريزوفسكي يستعد لدعم خليفة يلتسين، وهو على عداء مع بريماكوف، الذي كاد يقضي عليه لو لم يتخذ يلتسين قرارًا بعزل بريماكوف عن رئاسة الحكومة الروسية.
لم يواصل بريماكوف معركته الانتخابية عام 2000 وانسحب قبل انطلاقها، بينما قرر يلتسين التنحي عام 1999. وتم اختيار فلاديمير بوتين قائما بأعمال الرئيس حينها، بانتظار الانتخابات عام 2000. وفيها فاز بوتين ليصبح رئيسًا للبلاد. ومنذ ذلك الحين دخلت روسيا ومعها إعلامها أيضا مرحلة جديدة. الخطوة الأولى التي قام بها بوتين هي ملاحقة «الإمبراطورين» بيريزوفسكي وغوسينسكي بتهم مالية، وانتهى الأمر بفرارهما خارج البلاد. في غضون ذلك استعاد بوتين سيطرة الدولة على أسهم القناة الروسية الأولى التي كانت من أهم أدوات بيريزوفسكي الإعلامية. أما مؤسسة غوسينسكي وقنواتها فقد سيطر عليها أشخاص موالون لنهج بوتين، وبهذا الشكل أصبح الإعلام الروسي كله تقريبًا بقبضة الكرملين. واليوم لا يمكن تجاهل حقيقة أن تلك المساحات من الحرية التي كانت متاحة للإعلام الروسي سابقًا قد تلاشت تقريبًا، حيث يعرض معظم الإعلام الروسي وجهة النظر الرسمية فقط ويدافع عنها ويروج لها، بينما تبقى مساحات لا تذكر للإعلام الخارج عن سيطرة الكرملين. وينقسم جمهور الخبراء والرأي العام اليوم، بين من يرى أن وضع الإعلام الروسي اليوم يشبه نوعا ما الإعلام السوفياتي، حيث كل شيء لخدمة الكرملين، وآخرين يرون أن تجربة «الإعلام الحر» في الفترات السابقة أدت إلى نتائج سلبية مست هيبة البلاد، وانتقصت من التاريخ العريق لروسيا وتضحيات شعوبها، فضلا عن أنها روجت لأخلاق غريبة عن الأخلاق والقيم الروسية الأصيلة.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.