مسؤولة الذكاء الاصطناعي لدى «أسوشييتد برس»: الوظائف الصحافية الروتينية ستلغى

ليسا غيبس تكشف لـ «الشرق الأوسط» عن أداة تطورها الوكالة لكشف الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي

من جلسة ليسا غيبس ضمن فعاليات منتدى الإعلام العربي الأسبوع الماضي (نادي دبي للصحافة)
من جلسة ليسا غيبس ضمن فعاليات منتدى الإعلام العربي الأسبوع الماضي (نادي دبي للصحافة)
TT

مسؤولة الذكاء الاصطناعي لدى «أسوشييتد برس»: الوظائف الصحافية الروتينية ستلغى

من جلسة ليسا غيبس ضمن فعاليات منتدى الإعلام العربي الأسبوع الماضي (نادي دبي للصحافة)
من جلسة ليسا غيبس ضمن فعاليات منتدى الإعلام العربي الأسبوع الماضي (نادي دبي للصحافة)

عند تصفح أجندة جلسات منتدى الإعلام العربي لهذا العام، لفت انتباهي، وانتباه غيري جلسة تحت عنوان «ثورة الروبوتات ومستقبل الصحافة». الموضوع مقلق لأهل المهنة. فهناك مخاوف باستبدالهم بـ«روبوتات» تنجز عملهم بسعر أقل وسرعة أعلى. وشحة المعلومات المتوفرة حول هذه الثورة، ومدى تأثيرها على غرف التحرير زادت من الإرباك. لذلك، لم يفاجئني إقبال حضور المنتدى من نخبة الإعلاميين على هذه الجلسة. وبعد ظهر اليوم الأول للمنتدى، طلت علينا ليسا غيبس مسؤولة استراتيجية الذكاء الاصطناعي لدى وكالة «أسوشييتد برس» (أ.ب) لتحدثنا عن هذه الظاهرة التي يتخيلها البعض بفنتازية أفلام الخيال العلمي. إلا أن الغموض تبدد شيئا فشيئا خلال الجلسة خصوصا عندما كشفت لنا غيبس أن الذكاء الاصطناعي بإمكانه أن يكون السلاح الأمثل لمحاربة ظاهرة الأخبار الكاذبة التي تهدد اليوم كبريات المؤسسات الإعلامية. انتهزت فرصة وجود غيبس في دبي علما أن مقر عملها في نيويورك لإجراء حديث معها عن أسئلة خطرت في بالي خلال الجلسة، فرحبت بذلك. فحدثتني عن توظيف الذكاء الاصطناعي في عالم الصحافة، وكشفت لي عن أداة «أ.ب فيريفاي» التي تطورها الوكالة لكشف الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم أستطع إلا أن أسألها سؤالا يراود جميع الصحافيين اليوم.. «هل ستطردنا التكنولوجيا من مكاتبنا وتعفينا من مهامنا؟» وفيما يلي نص الحوار:
> تلقت جلستك «ثورة الروبوتات ومستقبل الصحافة» خلال فعاليات منتدى الإعلام العربي الكثير من التغطية الصحافية. وعنونت معظم التقارير تصريحك بأن «الذكاء الاصطناعي أداة لصناعة ومحاربة الاخبار الكاذبة». فكيف ذلك؟
- هناك أدوات قد تستخدم لكتابة نماذج قصص. هذه النماذج قد توظف لتوليد كم كبير من الأخبار استنادا على بيانات يتم تجميعها. هذا النوع من التكنولوجيا بالإمكان أن توظفه المؤسسات الإعلامية المرموقة لضخ الكثير من القصص البسيطة مثل تغطيات المباريات الرياضية أو أخبار عن حالة الطقس أو حتى التقارير المالية. ولكن، قد يوظفها البعض الآخر أيضا لضخ الأخبار الكاذبة (Fake News). هذه الأخبار قد تكون بروباغندا سياسية، أو مجرد وسيلة لزيادة زيارات ومتابعات مواقع معينة لكي تستفيد من أرباح الإعلانات.
هناك أيضا تكنولوجيا أخرى أبدى المعظم قلقهم منها. هذه التكنولوجيا بإمكانها تجميع سلسلة من الصور لإنتاج صورة واحدة مزيفة بجودة صورة حقيقية يصعب التحقق منها. لكن، هنالك جانب مشرق لهذا التطور التكنولوجي، فإمكاننا اليوم كصحافيين توظيف الأدوات ذاتها للتحقق من صحة البيانات والمعلومات والصور بوتيرة أسرع من قبل.
نحن في وكالة أسوشييتد برس نعمل حاليا على تطوير أداة تتحقق من المعلومات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. الطريقة اليدوية للتحقق اليوم من قبل الصحافي تتضمن بحثه عن مصدر المعلومات وتاريخ نشرها ومكان النشر أيضا، خصوصاً عند التأكد من صحة الصور. لكن، أصبح من الممكن اليوم من خلال التكنولوجيا المتوفرة بناء أداة تختصر العملية الشاقة على الصحافي وتنجز المهمة بوقت أقل.
> ظاهرة الأخبار الكاذبة أو المزيفة ليست وليدة هذا العصر. لكن التطور التكنولوجي أسهم بتفاقمها. هل تتفقين؟
- هذا بالفعل صحيح. السبب يعود إلى تضاعف سرعة نشر الأخبار الكاذبة عن طريق منابر التواصل الاجتماعي. كما أصبحت أدوات تسلح المهتمين بصناعة الأخبار الكاذبة متاحة اليوم بفضل التطور التكنولوجي. لكن، يجب ألا نهمل الحوار عن كيف بإمكان الأتمتة مساعدتنا بالتحقق من المعلومات المنشورة في القصص. أصبح من المقدور اليوم أن ينشر موقع إلكتروني خبرا ويتيح خاصية الضغط على المعلومات للقارئ للاطلاع على مصدرها ومصداقيتها. وينشط حوار مؤخرا حول المعايير التي تجعل من المنابر الإعلامية مصادرا موثوقة، والدور الإيجابي الذي قد يلعبه الذكاء الاصطناعي في مساعدة القراء والمستخدمين للتمييز بين المصادر والمنابر الموثوقة والكاذبة بسرعة أكبر.
> تقوم وكالتكم بتطوير أداة للتحقق من صحة البيانات «أ.ب فيريفاي» (AP Verify). ما هي أهداف المشروع؟ وهل اعتمدتم على شراكة مع «غوغل» لتطوير الأداة؟
- «أ.ب فيريفاي» أداة نقوم بتطويرها لمساعدتنا في التحقق من المواد المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أسرع. المشروع ينفذ في مكاتبنا بلندن، وتمول شركة «غوغل» جزءا من تكاليفه تحت «مبادرة غوغل للأخبار» في أوروبا. نستعين بعملاقة التكنولوجيا (غوغل) لمساعدتنا في الاستثمار بتقنية ذات جودة عالية لتأكيد نجاح الأداة المطورة. القطاع الإعلامي لا يمتلك دوما الموارد الكافية للإبداع.
تمتلك الكثير من المنابر الإعلامية مختبرات بحث وتطوير، لكن ليس بمقدورها تحقيق رؤيتها. لذلك، نحن بحاجة إلى دعم من «غوغل» ومؤسسات وشركات أخرى في حربنا على الأخبار الكاذبة والمعلومات المزيفة. قد نعتبر تجهيز أنفسنا بالتكنولوجيا معركة تسليح بين قوى الخير الصحافية وطاقات الأخبار الكاذبة.
لطالما كانت التكنولوجيا متغيرة. فقبل قرن، تمثلت في مهنة الصحافة بتدوين الأنباء على ورقة ومن ثم الاستعانة بالهاتف للاتصال بالمكتب الرئيسي ونقل الخبر، ومن ثم تطورت الصناعة. تشهد كل حقبة إعلامية زمنية تغيرات تكنولوجية تربكها أو تعطلها، لكن المعايير التحريرية والمهنية يجب أن تظل ثابتة بغض النظر. يجب أن نبقى أوفياء لمعايير الصحافة بمصداقيتنا ومهنيتنا وموضوعيتنا. لذلك، يتوجب علينا أن نعمل معا لنحرص على تطوير طرق تبرز عملنا وتمنحنا القدرة على الكشف عن المعلومات المغلوطة بسرعة، وبإمكان تقنيات الذكاء الاصطناعي مساعدتنا على ذلك.
> ذكرت أن المشروع ممول جزئيا من قبل «غوغل». ماذا ستستفيد شركة عملاقة من هذا المشروع الصحافي؟
- قامت «غوغل» باتخاذ قرار بأنها ستقوم بدعم الصحافة ذات الجودة العالية. الشركة تريد مساندة الابتكار في مجال الإعلام. ولذلك، قامت بتخصيص صناديق للمساعدة في هذا النوع من المشاريع. أعتقد أن شركات مثل «غوغل» و«تويتر» و«فيسبوك» بدأت بملاحظة الدور التي تلعبه منابرها في مجال مشاركة وتبادل الأخبار، ذات الجودة العالية والمتدنية. كما تعي الشركات ذاتها أن المجال الإعلامي يعاني من الإرباك خصوصا في مجال التنمية المالية المستدامة. ولذلك، فهي تبحث عن طرق جديدة لدعم المؤسسات الإعلامية المرموقة ومساعدتها في زيادة الأرباح المالية من خلال منابرها الإلكترونية، وهذا التوجه أعظم من السابق.
> عندما تنتهون من تطوير أداة التحقق، هل تعتزمون مشاركتها مع المؤسسات الإعلامية الأخرى؟ أم أنكم ستكتفون بمشاركة الأخبار الصادقة التي ستتحقق منها «أ.ب فيريفاي»؟
- أعتقد أننا سنقوم بعمل الشيئين. لدينا حاليا الكثير من الصحافيين في الوكالة مسؤوليتهم التحقق من الأخبار والمعلومات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. يقومون بالتواصل مع شهود العيان في مقر الحدث وتأكيد المعلومات. هذه الأمور تصب في تحسين سرج الخبر وتعميمه. ونقوم بتوفير هذه الأخبار الموثوقة للمنابر الإعلامية ليستخدموها. مشروع تطوير الأداة هو مشروع وليد لعام 2018 الحالي، وما زلنا في المراحل الأولية. لذلك، ليس بإمكاننا تقييم فعالية الأداة بعد. وهناك كثير من التساؤلات التي لا نملك لها الإجابات إلى الآن. ولكن أعتقد أنه من أهم أهدافنا دعم ومساندة الإعلام ليتبنى الأدوات والخطوات اللازمة في ظل التقنيات المتاحة.
> هل ستكون أداة «أ.ب فيريفاي» متاحة للتحقق من المعلومات بلغات أخرى، كالعربية؟
- نقوم الآن بالتركيز على اللغة الإنجليزية في بناء الأداة، ولكن اعتقد انه سيكون بمقدورنا مواءمتها لقراءة لغات أخرى سرعان التأكد من فاعليتها. معلومات الصور الذاتية (مثل التاريخ والوقت مثلا) تسجل في الأجهزة الإلكترونية بالإنجليزية، ما سيسهل علينا الأمر، وما سيجعل الأداة مفيدة للخدمات غير الإنجليزية حتى لو لم نغير اللغة. اللغة العربية مهمة جدا لوكالة «اسوشييتد برس». لدينا اليوم قسمان لترجمة اللغات الأجنبية، وهما اللغة الإسبانية، واللغة العربية، لأهميتهما في عالم الأخبار.
> هنالك مخاوف يعبر عنها الصحافيون اليوم وهي أن الذكاء الاصطناعي سيقوم باستبدالهم، وجعلهم عاطلين عن العمل. هل تتفقين؟
- هذا السؤال عادة أول ما يطرح علي في المقابلات. نحن (في الوكالة) لم نقم بإلغاء أية وظيفة منذ أن بدأنا بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي. إذ نوظف هذه التكنولوجيا لمساعدة صحافيينا. نعفيهم من المهام الشاقة والرتيبة لزيادة إنتاجيتهم وجودة عملهم. نريد أن يركز صحافيونا المؤهلون الذين يتمتعون بقدرات عالية أن يركزوا على جوانب المهنة المهمة مثل سرد قصص هامة ومحورية للقراء، والتركيز على التحقيقات الاستقصائية، والمواد المبدعة. لا نريد أن يجلس صحافيونا خلف أجهزتهم ك«الروبوتات» ينتجون قصصا بسيطة عن الطقس أو نتائج المباريات الرياضية أو عن البيانات في قطاع المال. هذه القصص تخسر قيمتها بسرعة فائقة في عالم الإنترنت. نرى أن الصحافيين يجب أن تتوفر لديهم الفرصة والوقت للعمل على القصص التي لديها تأثير وصدى في العالم. قمنا بشرح رؤيتنا لكادرنا، وجميع الموظفين يتفقون معنا.
> ماذا عن أولئك الصحافيين الذين تعودوا على تغطية هذه الأنباء وإنتاج القصص البسيطة إذن؟
- الوظائف التي تعتمد على العمل الروتيني المذكور أعلاه من الأرجح أن تلغى. ومن ثم يترتب على الصحافيين الذين كانوا يشغلونها تلقي التدريب اللازم للقيام بمهمات أخرى. وأعيد الذكر أننا لم نقم بإلغاء أية وظائف في وكالتنا، بل قمنا بتوظيف وقت الفراغ الذي أصبح متاحا بفضل الذكاء الاصطناعي ليستثمره الصحافيون بمهام أكثر أهمية. كما نظرنا إلى توفير تدريب لكادرنا لتمكينهم بالمهارات لتواكب التطور التقني الطارئ.
وعندما حولنا تغطية القصص عن الإيرادات الآلية عن طريق التقنية الجديدة، تفرغ كادرنا لتغطية المزيد من الأخبار التقنية والاقتصادية، وركز صحافيونا على العمل الاستقصائي. وفي بعض الحالات، وفرت لنا تقنية الذكاء الاصطناعي إمكانية تغطية قصص لم نكن نغطيها من قبل لعدم توفر الكوادر الكافية. فأصبح بإمكاننا اليوم تغطية مباريات كرة القدم الجامعية في الولايات المتحدة على سبيل المثال. لم يكن لدينا كادر كاف من قبل بمقدوره تغطية المباريات التي تحدث في الوقت ذاته. ومن خلال التقنية أصبح ذلك متاحا، ولهذه الأخبار جمهور يقدرها.
> يوفر الذكاء الاصطناعي اليوم إمكانية جمع الأخبار من مختلف أنحاء العالم، هل سيهدد ذلك دور المراسل، وهل سيقوم بإلغاء عمله؟
- نعي كليا حاجتنا للصحافيين. خصوصاً الملمين بمناطقهم، ولغتهم، ولديهم تجربة واسعة في تغطية مجالات معينة من ساحات القتال إلى الصحة والعلوم. هذه الاختصاصات مهمة جدا على الأرض. فحتى لو استطعنا إرسال «روبوت» للتغطية ولالتقاط صور، في أماكن يصعب للمراسل الوصول لها، تحت الماء مثلا، إذ استعنا بالروبوتات في الأولمبياد وفي مباريات كأس العالم وغيرها. لكن، ما زلنا بحاجة إلى الصحافي الذي يشغل هذه التقنيات، وآخر لشرح الموقف. فحتى لو أرسلنا «روبوت» إلى مكان الحدث، وغاب المراسل، فلن يكون بمقدورنا الفهم والتأكد مما يحدث، وما دلالات الحدث. وأعتقد أننا سنواجه مثل هذا المواقف في المستقبل، ويجب علينا أن نكون مستعدين للتعامل معها وكيف سنقوم بنقل المعلومات التي تجمعها الروبوتات إلى المستخدمين. فقد تدخل سياستنا التحريرية فقرة جديدة على الخبر تشرح أننا حصلنا الصورة أو الأنباء عن طريق «روبوت» في مكان الحدث، ومن ثم على المستخدمين أخذ ذلك في عين الاعتبار عند تحليلهم للخبر.


مقالات ذات صلة

مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

أحرق العشرات من المستوطنين الإسرائيليين المتشددين، مرتدين ملابس سوداء وملثّمين، أشجار الزيتون ورشقوا الفلسطينيين بالحجارة في هجوم منسق على قرية بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم