تشريعات مكافحة «الأخبار الزائفة» تثير جدلاً حول حرية الصحافة

دراسة أميركية أشارت إلى افتقار القوانين لتعريفات دقيقة لـ«المعلومات المضلّلة»

shutterstock
shutterstock
TT

تشريعات مكافحة «الأخبار الزائفة» تثير جدلاً حول حرية الصحافة

shutterstock
shutterstock

أثارت نتائج دراسة أميركية حديثة مخاوف بشأن تأثير التشريعات الخاصة بالحد من «الأخبار الزائفة» على الحريات الإعلامية. وبينما أكد خبراء أهمية وجود قوانين لمكافحة المعلومات المضللة، فإنهم حذروا من إمكانية استخدام «التعريفات المطاطة» في تقييد عمل الصحافي.

الدراسة التي نشرها موقع معهد «نيمان لاب» الأميركي المتخصص في الدراسات الإعلامية يوم 10 أبريل (نيسان) الجاري، تقول إن «التشريعات التي صاغتها الحكومات في دول عدة حول العالم لمكافحة الأخبار الزائفة، خلال السنوات الأخيرة، لا تفعل الكثير لحماية حرية الصحافة؛ بل على النقيض فإنها تثير مخاوف كبيرة بشأن ما قد تحدثه من ضرر».

محمود غزيل

الدراسة أعدها «مركز الأخبار والتكنولوجيا والابتكار» (CNTI) وهو مركز مستقل لأبحاث السياسات العالمية، يضم أكاديميين ومتخصصين في مجال الأخبار، فحصت التشريعات في 31 دولة، من إثيوبيا إلى الفلبين، واعتمدت على التقارير والبيانات الصادرة عن مركز المساعدة الإعلامية الدولية التي تتبع قوانين الإعلام على مستوى العالم، لتحديد التشريعات التي تم النظر فيها أو تمريرها في الفترة ما بين عامي 2020 و2023.

ولقد أشارت الدراسة إلى أنه «على الرغم من أن تلك التشريعات استهدفت الأخبار الزائفة، فإن المصطلح نفسه لم يعرّف بشكل واضح إلا في 7 فقط من أصل 32 قانوناً دُرست، أي أقل من الربع». كذلك «يمنح 14 تشريعاً من أصل 32 الحكومة سلطة التحكم في التعريف، في حين لم يورد 18 قانوناً أي لغة واضحة في هذا الصدد، ما يعني منح الحكومات السلطة الافتراضية»، حسب الدراسة.

من ناحية ثانية، لفتت الدراسة إلى أن قلة الوضوح في قوانين الحد من الأخبار الزائفة «لا تتعلق بنظام الحكم في الدولة... وأن العقوبات بشأن انتهاك القانون ممكن أن تكون مشددة، وتصل إلى السجن لمدة تتراوح بين عدة أشهر، وقد تصل إلى 20 عاماً في زيمبابوي». وأضافت أن «القوانين تضمن القليل من أوجه الحماية للصحافة المبنية على الحقائق، أو لاستقلال الإعلام، في حين يمكن أن تستخدم تلك التشريعات الفضفاضة لتقييد العمل الصحافي».

أحمد عصمت

من جانبه، يقول محمود غزيل، الصحافي اللبناني والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط» معلقاً، إن «التشريعات المُعدة لمكافحة الأخبار الزائفة تُطبق على جميع الأفراد، بغض النظر عن هويتهم أو أهدافهم، سواء كانوا صحافيين، أو وسائل إعلام، أو مستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي... وبالتالي لا تميز تلك التشريعات بين وسائل الإعلام التي يفترض أن تكون لديها حصانة الرسالة الإعلامية، وبين سكان مدنيين يفترض أن يكون لهم الحق في التعبير».

ويتابع بأن «كثيراً من الدول التي وضعت مثل هذه التشريعات في السنوات الأخيرة، سجلّها في حرية الصحافة والتعبير ليس الأفضل عالمياً، ومن ثم، لا يتمتع أفرادها بحرية التعبير الكافية، ما يشير إلى أن هذه القوانين قد تُستخدم لتقييد الأصوات المختلفة عن الرواية الرسمية من الدولة، أو من جهات الأمر الواقع».

غزيل يشير أيضاً إلى «انتشار اتهامات من قبيل القدح والذم وبث الشائعات خلال السنوات الماضية، والتحقيق مع أشخاص بسببها... ومع التطور العالمي والتوسع في الوعي بمصطلح الأخبار الزائفة، أصبح هذا المصطلح مبرراً كافياً لقمع الاختلافات استناداً للقانون». ثم يلفت إلى أنه «عند النظر بعمق إلى هذه التشريعات، يتضح أن القليل من الدول عملت حقاً على توضيح تعريف نشر الأخبار الزائفة، ما يترك مجالاً للتأويل والاستغلال حسب الحالة المراد مواجهتها». ويستطرد: «وبينما يحق لوسائل الإعلام الانحياز، وقلة الالتزام بالموضوعية، فإن عليها -وفق غزيل- أن تكون مهنية في تقديم المواضيع، وواعية بالأخطاء التي قد ترتكبها».

يوشنا إكو

كذلك يرى غزيل أن «الحد من انتشار الأخبار الزائفة يتطلب توازناً دقيقاً للحفاظ على حرية التعبير، كما يتطلب تعزيز التفكير النقدي لدى المواطنين والسكان، وتطبيق القوانين بالتساوي على الجميع، ودفع وسائل الإعلام لتحسين مستوى الاحتراف، والمطالبة بالشفافية من الحكومات لعدم ترك المجال للتأويل أو للأخبار غير المؤكدة». ويوضح الصحافي والمدرب اللبناني أن «تعزيز وسائل الإعلام المستقلة والمبادرات المحلية للتحقق من الحقائق، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً كجهة ثالثة في أي موضوع قيد النقاش... وحقاً، لا يمكن تغييب دور الهيئات المنظمة التي يمكن أن تلعب دوراً في دراسة الخطاب الإعلامي بشكل دوري، وتسليط الضوء على المشكلات التي تواجهه، من دون أن تعاقب وسائل الإعلام؛ بل بالإشارة إلى المشكلات التي تواجهها والعمل على التغلب عليها».

عودة إلى الدراسة، فإنها تطرقت إلى «أهمية النتائج؛ لا سيما أن عام 2024 شهد ويشهد إجراء انتخابات في عدد كبير من الدول، وسط مخاوف بشأن وصول الجمهور إلى أخبار موثوقة وقائمة على الحقائق، سواءً من حيث استقلال وسائل الإعلام أو إمكانية استخدام تلك الوسائل في نشر (معلومات مضللة)»، وإن «التشريعات التي فُحصت تخلق فرصاً محتملة لتقليل الأصوات المعارضة وتقييد حرية وسائل الإعلام». وأوضحت أن «الهدف المعلن من تلك التشريعات، والتي يتعلق 13 من أصل 32 فيها بجائحة (كوفيد-19)، هو الحد من المعلومات المضللة؛ لكن الافتقار إلى تعريفات واضحة يهدد بالحد من الحريات الإعلامية، ومن وصول الجمهور إلى المعلومات المبنية على الحقائق». هذا بينما شددت الدراسة على «أهمية اتباع نهج دقيق لتحديد اللغة في التشريعات المتعلقة بوسائل الإعلام».

في هذا الجانب، يؤكد يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام في نيويورك»، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تشريعات الحد من الأخبار الزائفة لها تأثير على حرية الإعلام؛ إذ قد يستخدمها البعض كغطاء لتقييد وقمع الصحافيين»، ضارباً المثل بما فعله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب «عندما وصف وسائل الإعلام بأنها عدوٌّ للشعب، لصرف نظرها عن تغطية القضايا والاتهامات الموجهة له». ويضيف إكو: «في المجتمعات التي لا تؤمن بالمبادئ الديمقراطية، لن يتمكن أي تشريع من تغيير موقف السلطات التي لا تحترم سيادة القانون وإجراءاته. وبالتالي، من الممكن أن تتسبب تشريعات الحد من (الأخبار الزائفة) في تقييد الحريات الإعلامية، ولا تعمل على حماية الصحافيين».

وقالت الدراسة إن «سلطات بعض الدول استخدمت تشريعات مكافحة الأخبار الزائفة في تقييد الحريات الصحافية»، مشيرة إلى أنه «بين 363 صحافياً تعرّضوا للسجن خلال عام 2022، سُجن 39 بتهمة انتهاك قوانين الأخبار الزائفة، حسبما رصدته لجنة حماية الصحافيين». وأضافت الدراسة أنه «حتى في إطار السياسات التشريعية حسنة النيّة، كتلك التي وُضعت في ألمانيا بشأن المحتوى غير القانوني المتعلق بخطاب الكراهية وإنكار (الهولوكوست) فإن هناك مخاوف بشأن رقابة حكومية محتملة».

من جانبه، يقول أحمد عصمت، الخبير في الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حاجة ملحة لوضع تشريعات للحد من الأخبار الزائفة؛ لكن المهم: كيف يتمّ ذلك؟»، موضحاً أن «المصطلحات المطّاطة والتعريفات غير الواضحة بشأن تزييف الحقائق، تضعف من قوة هذه القوانين وتجعلها تُستخدم لأغراض غير تلك التي وُضعت من أجلها، من بينها الحد من حريّة الإعلام».

ويضيف عصمت أن «العالم بات يكيل بمكيالين فيما يتعلق بمفهوم حرية الإعلام، ولم يعد هناك تعريف واضح للحريات الإعلامية»، متسائلاً: «هل العالم بحاجة إلى قوانين جديدة؟ أم تطويع التشريعات الموجودة فعلاً للتفاعل مع الأخبار الزائفة؟ لا سيما أن التشريعات عادة ما تكون متأخرة ولا تواكب سرعة التطور التكنولوجي». ومن ثم تساءل «عن الجهة المنوط بها تنفيذ تلك التشريعات»، قبل أن يقول إن نشر الوعي بوصفه واحداً من الحلول غير القاطعة وغير النهائية لهذه المعضلة، قد يشكل ضماناً لآلية تطبيق مثل هذه التشريعات.

شملت الدراسة عدة دول، بينها: أنغولا، وأذربيجان، والبرازيل، وكوبا، وإثيوبيا، وألمانيا، واليونان، وتركيا، وفيتنام، وسوريا، وجنوب أفريقيا، وتايوان، وماليزيا.

أخيراً، من المقرّر أن يستمر «مركز الأخبار والتكنولوجيا والابتكار» في متابعة تطورات تلك التشريعات بوصفها جزءاً من برنامج بحثي؛ حيث تُعد الدراسة بشأن تشريعات الأخبار المزيفة «هي الأولى في سلسلة من المشاريع البحثية التي سيجريها المركز خلال عام 2024».

ولفت المركز إلى أن «الأبحاث المستقبلية ستركّز على 3 مجالات؛ وهي تحليلات السياسات، والدراسات الاستقصائية العامة في بلدان متعددة حول ما تعنيه الأخبار للناس، واستقصاء دولي للصحافيين لفهم كيف ينظرون إلى صناعتهم مع ظهور الذكاء الاصطناعي، واحتمال زيادة التدخل الحكومي».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.