سوسن الشاعر
إعلامية بحرينية تكتب في بعض الصحف البحرينية منها «الوطن» و«بوابة العين الإخبارية». عضو في مجلس أمناء «جائزة الصحافة العربية». كانت مقدمة لبعض البرامج التليفزيونية. خريجة جامعة بيروت العربية.
TT

اللوبي الإيراني أخطر من اللوبي الصهيوني

تعقيبًا على مقال الزميل مأمون فندي «هل يبرر اللوبي (التوحد الاستراتيجي) العربي»، واستكمالاً لمقالنا السابق «أوركسترا تعزف ضد السعودية»، فإننا نؤكد ما جاء في مقال الأستاذ فندي بأن اللوبي اليهودي بدأ يفقد بعضًا من تأثيره على صناعة القرار الأميركي؛ بدليل عجزه عن التصدي للاتفاق النووي الإيراني، لكنّ المشهد السياسي في الولايات المتحدة الأميركية اليوم يظهر واقعًا جديدًا تتنافس فيه قوى صاعدة بدأ نموها منذ التسعينات.
بين «إيباك»، اللوبي الصهيوني، و«ناياك»، اللوبي الإيراني (مجلس العلاقات الإيرانية – الأميركية)، صراع الآن على احتلال مواطئ للقدم في مطبخ هذه الصناعة، وهو تنافس يغيب فيه تمامًا أي أثر عربي في حين أنه تنافس يدور حول متغيرات تجري على المنطقة العربية!!
صحيح، كما قال الأستاذ فندي، إن فكرتنا عن اللوبي الصهيوني أنه قوة لا تقهر، وأنه وحده من يؤثر على صناعة القرار هي فكرة خاطئة مبالغ فيها استعنا بها للتغطية على فشلنا، وصحيح أن القرار الأميركي ممكن أن يسد أذنيه عن ضغط اللوبي الصهيوني ويمضي في سياسته دونما اعتبار لغضب إسرائيل تمامًا كما فعل في مسألة الاتفاق النووي الإيراني، إنما الصحيح أن ذلك لم يتم بسبب ضعف «إيباك» إنما تم بسبب تنامي قوة «ناياك»، الذي وضع الأسس التي بني عليها مسار العلاقات الأميركية - الإيرانية الجديد منذ منتصف التسعينات وتوّج نشاطه الآن بالاتفاق النووي الإيراني.
لوبي عمل بجهد على مدى سنوات ليجد له موطئ قدم في مؤسسات صناعة القرار الأميركي، الإعلامية والاقتصادية والسياسية معًا، بدأ يلفت الانتباه رغم حرصه على العمل من وراء الكواليس، إنما لن يطول الوقت حتى يتصدر اللوبي الإيراني المشهد السياسي الأميركي.
فإعادة تطبيع العلاقة الأميركية - الإيرانية واحدة من المهام التي يحمل المقيمون الإيرانيون همها على عاتقهم دون النظر إلى من يحكم إيران حاليًا حتى وإن كان نظامًا للملالي رغم أن أعضاء هذا اللوبي هاربون من جحيم هذا النظام ومقيمون في الولايات المتحدة الأميركية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وبعضهم لم يرَ إيران من الشباب الذين ولدوا هناك، إنما المصلحة التجارية والسياسية لهذا اللوبي تقتضي تطبيع العلاقات بين الدولتين، المفارقة أن محاولات التطبيع تتم بالتنسيق مع الحكومة الإيرانية وبرعاية من جواد ظريف وزير الخارجية، وحسن روحاني رئيس الجمهورية، وليس من الآن، بل منذ الحرب العراقية - الإيرانية برز اسم ظريف منذ ذلك اليوم كوسيط عمل مع تاريتا بارسي رئيس مجلس العلاقات الأميركية - الإيرانية لتمرير عدة رسائل بين الإدارة الأميركية والحكومة الإيرانية، وقد ورد ذكر هذه العلاقة وتلك الرسائل في كتاب تاريتا باريسي الشهير «التحالف الغادر».
إن تسويق إيران لدى صنّاع القرار الأميركي ولدى الرأي العام الأميركي استند إلى أساس أنها القوة الوحيدة في المنطقة القادرة على التصدي لـ«التطرف السني»، وهذا يستدعي بالضرورة «شيطنة» القوة الأخرى المقابلة في المنطقة وجعلها مصدرًا للإرهاب, لذا تشتد ضراوة الحملات الموجهة ضد السعودية كلما اقترب توقيت التصويت على القرار.
أما «الحملات الممنهجة» فتلك واحدة ضمن سلة من الخيارات يراد بها تشكيل الرأي العام وأداة من أدوات التأثير على صناعة القرار، توكل لشركات متخصصة مهمة القيام بها، وتتطلب وجود «إنسايدر» اختراق للمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الاستشارية الأميركية (الثينك تانكز) وكذلك شبكة علاقات ترتبط بالأحزاب وبالمنظمات التي تدير وترفد صنّاع القرار، وهذا ما عمل عليه الإيرانيون منذ التسعينات، وقد بدأت أسماء هذه النجوم تبرز إعلاميًا في السنوات الأخيرة، فماذا صنعنا نحن؟
هناك أمل في الاستفاقة واللحاق بالركب نرى بوادرها في الزيارة الأخيرة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي وجّه بإقامة شبكة من المصالح الاستراتيجية تتجاوز تجارة البترول لتمتد إلى قطاعات صناعية واقتصادية أخرى، شبكة تبقى هي الركيزة في تحديد طبيعة المصالح الأميركية مع الخارج وإن تغير الرؤساء، إنما ذلك لا يتم إلا بوجود استراتيجية شاملة لا تقف عند شبكة المصالح التجارية فحسب، بل تمتد إلى شبكة تبني جسورًا من المراكز الثقافية والإعلامية والبحثية معها، هكذا تؤسس المصالح الخليجية الأميركية ويعاد رسمها من جديد، الإيرانيون فهموا اللعبة منذ منتصف التسعينات.. فهل نلحق بهم؟