أم كلثوم... قصة امتزاج الفن بالسياسة

أم كلثوم... قصة امتزاج الفن بالسياسة
TT

أم كلثوم... قصة امتزاج الفن بالسياسة

أم كلثوم... قصة امتزاج الفن بالسياسة

في كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي» الذي صدر حديثاً عن دار «تنمية للنشر والتوزيع» المصرية، يوثق الكاتب المصري كريم جمال ما جرى وأحاط بالرحلات التي قطعتها «كوكب الشرق» بحثاً عن العملات الأجنبية التي كانت تحتاجها مصر لإعادة تسليح جيشها وتجهيزه، لاسترداد الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد عام 1967. كانت «كوكب الشرق» قد بدأت ذلك مبكراً، وبعد أيام قليلة من وقوع النكسة؛ حيث قامت يوم 20 يونيو (حزيران) 1967 بتحويل شيك بمبلغ 20 ألف جنيه إلى خزانة الدولة المصرية بسرية تامة، ولولا تسريب أحد العاملين للخبر ما عرف أحد من الشعب المصري بذلك. وقد توالت بعد ذلك في ضخ الأموال التي جمعتها من رحلاتها، وأضافت إليها مجوهرات قُدرت بـ20 كيلوغراماً من الذهب الذي كان يتم تحويله إلى عملات أجنبية.
يتتبع جمال رحلات «كوكب الشرق» شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ويرصد ما كان منها، وكيف بدت حفلاتها، وكيف استقبلتها الجماهير المحبة لفنها في كل مكان ذهبت إليه. وقد جاء الكتاب في أكثر من 600 صفحة و17 فصلاً، اختتمها المؤلف بملحق بسجل الحفلات، وكثير من الصور التي تم التقاطها في رحلاتها، ولقاءاتها التي دارت بينها وبين صحافيين بارزين من مصر وأوروبا والبلدان العربية، وقد تركوا أرشيفاً ضخماً وجد فيه المؤلف الكثير مما يحكى عن فنانة مصرية، بذلت عشر سنوات من عمرها منذ عام «النكسة» وحتى ما قبل عام من رحيلها، في حركة فنية دائبة تغني للجماهير، وتلتقي الرؤساء والملوك، وتسعى -من ضمن ما تسعى إليه- إلى إزالة بعض من أسباب الجفوة التي كانت تطرأ بينهم وبين الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.
وفي فصل بعنوان «أم كلثوم معكم في المعركة»، يقول المؤلف إن دور أم كلثوم في دعم الجيش المصري لم يتوقف عند حدود الدعم المادي؛ لكنها سجلت خلال مايو (أيار) 1967، في الإذاعة المصرية، سبعة نداءات حماسية، استمر بثها حتى نهاية مايو، والأيام الأولى من شهر يونيو 1967. كانت النداءات موجهة بشكل مباشر للجنود على جبهة القتال، بعد قرار التعبئة العامة، وظهور بوادر الحرب بعد غلق مضيق العقبة، وكان الهدف منها بث الحماسة فيهم، ورفع روحهم المعنوية. وقد نشرت مجلة «الكواكب» نصوص النداءات.
ويتعرض الكتاب لما فعلته «كوكب الشرق» بعدما سمعت خطاب تنحي عبد الناصر يوم 9 يونيو 1967، واستشهد بقولها إنها لم يكن أمامها إلا أمران: الأول أن تلتزم الصمت، وتقبع فريسة الانهيار النفسي، والثاني أن تبذل ما تستطيع من جهد من أجل المعركة، وقد اختارت الأمر الثاني.
ويذكر المؤلف أن أول حفلة بدأت بها «كوكب الشرق» المجهود الحربي، كانت في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة شمال مصر، ووصلت إيراداتها التي جمعتها إلى 70 ألف جنيه، بعدها انتقلت إلى الإسكندرية، وهناك بدأت فكرة جديدة للتبرع؛ حيث أقام منظمو الحفل مزاداً على كراسي المسرح، وكان المتحصل منها يفوق أضعافاً مضاعفة قيمة التذكرة. بعد ذلك ذهبت في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى باريس، وكانت أول مطربة عربية تغني على مسرح «الأولمبيا». وهناك قدمت حفلين، غنت في الأول ثلاث أغنيات، هي: «إنت عمري»، و«الأطلال»، و«بعيد عنك»، تخللتها استراحتان قصيرتان. وقد بدأ الحفل في تمام الساعة التاسعة و25 دقيقة، واستغرق ما يزيد على خمس ساعات، وكان مدير المسرح يظن أنها سوف تنهي وصلتها الغنائية بعد عشرين دقيقة؛ لأنها عند اتفاقها معه في القاهرة قبل «النكسة» بشهور كانت أخبرته أنها سوف تغني أغنيتين أو ثلاث على الأكثر.
كان حفل باريس بالنسبة لأم كلثوم أول انطلاقة لها في أوروبا، وقد حضره كثير من الملوك والرؤساء والأمراء والشخصيات المهمة، من العرب والأجانب. وكان بينهم 500 من اليهود المغاربة الذين فور علم مدير المسرح بوجودهم شعر بالقلق، وقام بتعزيز الوجود الأمني حولهم؛ لكن حين بدأت أم كلثوم في الغناء فوجئ باندماجهم، وهم يستمعون إلى الأغنيات، وكانوا يتجاوبون بالتصفيق تعبيراً عن إعجابهم. حينها ذهب إليهم، وسألهم عن سر إعجابهم بصوت أم كلثوم لهذه الدرجة، وهي تطالب بضرورة التصدي لليهود ومحاربتهم، فردوا عليه بأن «أم كلثوم أعظم مطربة في التاريخ، ولا يمكن إنكار هذا، وأنها تمتعهم بفنها وطربها الأصيل، وهذا أمر لا علاقة له بالأمور السياسية». في فصل بعنوان «بعد منتصف الليل كانت أم كلثوم لا تزال تغني»، أشار المؤلف إلى حوار تاريخي جمع أم كلثوم والكاتب الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، نشرته مجلة «آخر ساعة» المصرية آنذاك.
في بداية الحوار، سألت أم كلثوم هيكل عن مجريات السياسة في العالم، وتطورات القضية العربية التي كانت ما زالت مشتعلة منذ عدوان 5 يونيو، وعن دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن في أزمات الشرق الأوسط، وتحديداً قضية اللاجئين، وهي القضية التي احتلت جزءاً من نشاط أم كلثوم المنتظم في سنوات المجهود الحربي. ثم سألته أم كلثوم عن الدور المتوقع لمؤتمر القمة القادم، ومدى ارتباطه بمؤتمر القمة السابق في الخرطوم في أغسطس (آب) 1967، وعن رؤيته السياسية لخطاب الرئيس جمال عبد الناصر الأخير الذي ألقاه في «مجلس الأمة».
لكن أهم ما في الحوار هو سؤال هيكل لأم كلثوم: «كيف استطعتِ إلغاء الفارق بين السياسة والفن؟». وهذا السؤال يحمل نظرة واضحة وصريحة لطبيعة دور أم كلثوم بعد الهزيمة، حين تشابك دورها الفني والسياسي، فالجمع بين الفن والسياسة أمر معقد. فردت «كوكب الشرق» بأنها مجرد مواطنة تحب وطنها، فكان جوابه: «هذه إجابة معقولة؛ لأن السياسي هو أي إنسان تتعدَّى اهتماماته حدود مصلحته الخاصة». وعن رحلتها إلى تونس خلال شهر مايو، قال المؤلف إن «كوكب الشرق» التقت الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، وجلست معه ساعة كاملة لتزيل بعضاً مما شاب العلاقة بينه وبين عبد الناصر، وقلَّدها بورقيبة أكبر وسام في تونس، وحضر أول حفلة، ثم ودَّعها بنفسه لدى مغادرتها بلاده. ثم اتجهت إلى السودان في ديسمبر (كانون الأول) 1968، وبعدها كان الطريق إلى ليبيا، ثم لبنان، وكانت آخر حفلاتها في أبوظبي، وحينها حضرت رفع علم الوحدة الإماراتية عام 1971، وكانت وقتها قد تجاوزت السبعين من عمرها. أما عن رحلتها إلى الاتحاد السوفياتي السابق الذي زارته نهاية سبتمبر (أيلول) 1970، فقد قطعتها بسبب رحيل عبد الناصر، وعادت بملابس الحداد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الذكاء الاصطناعي يجعل الجميع متشابهين... 4 عادات تساعدك على التميز

لافتة تشير إلى الذكاء الاصطناعي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) بشنغهاي بالصين (رويترز)
لافتة تشير إلى الذكاء الاصطناعي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) بشنغهاي بالصين (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يجعل الجميع متشابهين... 4 عادات تساعدك على التميز

لافتة تشير إلى الذكاء الاصطناعي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) بشنغهاي بالصين (رويترز)
لافتة تشير إلى الذكاء الاصطناعي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) بشنغهاي بالصين (رويترز)

في الماضي، كان التميز في العمل يتطلب السرعة والإتقان والقدرة على الانسجام مع الآخرين. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد تبدلت هذه المعايير رأساً على عقب؛ إذ بات بإمكان أي شخص إنتاج المحتوى بسرعة، وتقديمه بأسلوب متزن ولبق.

على مدى ما يقرب من عقدين، عملت إريكا داوان، الخبيرة في مجال القيادة، على تدريب الرؤساء التنفيذيين وكبار المديرين على مهارات التواصل والتعاون والتميز بوصفهم قادة. لكنها بدأت تلاحظ، خلال السنوات القليلة الماضية، أمراً مقلقاً؛ فالصفات نفسها التي كانت تضمن النجاح المهني في السابق أصبحت اليوم قابلة للأتمتة بسهولة. وإذا بات الجميع يمتلكون القدرة على الوصول إلى المستوى نفسه من الذكاء، فما الذي يجعل شخصاً ما متميزاً حقاً ويترك أثراً لا يُنسى؟

وفي إطار إعداد كتابها «استخدم عقلك» (Use Your Brain)، أجرت داوان مقابلات مع رؤساء تنفيذيين وعلماء وفنانين وآباء وطلاب من خمس قارات. وانطلاقاً من شعورها المتزايد بعدم الارتياح تجاه استخدامها الشخصي للذكاء الاصطناعي؛ سعت إلى فهم الفارق بين الأشخاص الذين يوظفون هذه التقنية لصقل تفكيرهم وتطويره، وأولئك الذين يستسلمون لها تدريجياً حتى يفقدوا وجهات نظرهم الخاصة.

وتوصلت إلى أن الأشخاص الذين نجحوا في الحفاظ على استقلالية تفكيرهم وإضفاء طابع فريد لا يُنسى على أعمالهم، يتبنون أربع عادات قد تبدو للوهلة الأولى غير بديهية، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي»:

1. يتأنون في بداية العمل

لاحظت داوان أن أفضل أصحاب التفكير النقدي

لا يتسرعون في الوصول إلى الإجابات. فعند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، يتبعون أسلوباً تطلق عليه عالمة النفس سومونا دي غراف اسم «شطيرة التفكير» (Think Sandwich)، الذي يقوم على ثلاث مراحل: التفكير، ثم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ثم العودة إلى التفكير.

ولتطبيق هذا الأسلوب؛ خصص خمس دقائق للإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية قبل كتابة أي طلب (Prompt) توجهه إلى الذكاء الاصطناعي:

- ما الذي أعتقده بشأن هذا الموضوع؟

- ما المشكلة التي أحاول حلها فعلياً؟

- كيف يمكن أن تبدو النتيجة السيئة في هذا السياق؟

يساعدك السؤال الأول على بلورة وجهة نظرك الخاصة قبل أن يقدم الذكاء الاصطناعي وجهة نظره. أما السؤال الثاني، فيحميك من الحصول على إجابة ذكية ومتقنة عن سؤال غير صحيح. بينما يدفعك السؤال الثالث إلى التفكير في المخاطر والعواقب التي قد تغفل عنها إجابة تبدو مثالية ومحكمة الصياغة.

ومن دون طرح هذه الأسئلة، قد تجد نفسك تحاول حل المشكلة الخطأ، أو تتبنى افتراضات لم تخضعها للتمحيص، أو تخلط بين الإجابة المقنعة والإجابة الجيدة فعلاً.

وبعد الإجابة عنها، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لمراجعة بحثك أو مسودتك الأولى، كما يمكنك أن تطلب منه نقد حجتك والكشف عن الثغرات فيما كتبته. لكن داوان تنصح أيضاً بالاستعانة برأي شخص آخر يمتلك معرفة بالسياق الذي تعمل ضمنه.

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر أمام لوحة مفاتيح (رويترز) لافتة تشير إلى الذكاء الاصطناعي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) في شنغهاي بالصين (رويترز)

2. يتخلون عن المبالغة في تنميق أسلوبهم

تروي داوان تجربة أحد عملائها، وهو نائب رئيس أول حصل حديثاً على ترقية في شركة كبرى، وبدأ يعتمد على مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي لصياغة ردوده على رسائل البريد الإلكتروني.

وبعد بضعة أشهر، تلقى تقييمه السنوي من الموظفين الذين يعملون تحت إدارته مباشرة. وأشار أحد زملائه إلى أنه أصبح من الصعب معرفة موقفه الحقيقي من أي قضية، في حين وصف زميل آخر أسلوبه بأنه «مصقول» إلى حد مبالغ فيه، ولم يكن يقصد بذلك الإشادة.

في السابق، كان هذا المستوى من الصقل اللغوي يُعدّ دليلاً على المصداقية، لكن مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، باتت الصياغة شديدة التنميق تبدو أحياناً سطحية أو خالية من المضمون.

ولا يعني التخلي عن المبالغة في التنميق السماح بوجود أخطاء نحوية أو مطبعية في عملك، بل يتعلق باتباع ممارسات مثل:

- بدء رسالة بريد إلكتروني أو رسالة نصية بتفصيل شخصي لا يعرفه سواك.

- التعبير عن موقفك من قضية معينة منذ الجملة الأولى، بدلاً من الاستهلال بعبارات تمهيدية لا تضيف شيئاً.

- الإشارة إلى نقطة واحدة لا تزال غير متأكد منها تماماً.

وخلال هذا الأسبوع، وقبل إرسال رسالتك المهمة المقبلة عبر البريد الإلكتروني، اسأل نفسك: «هل كان بإمكان أي شخص آخر كتابة هذه الرسالة؟».

إذا كانت الإجابة «نعم»، فحاول أن تجعلها أكثر تحديداً وتعبيراً عن شخصيتك؛ فالأصالة تترك أثراً أعمق بكثير من الكمال المصطنع.

3. يبحثون بنشاط عن وجهات نظر مخالفة

عندما يمتلك الجميع أدوات قادرة على تعزيز أفكارهم وتأييدها، يزداد خطر نشوء بيئات عمل تبقى فيها الافتراضات من دون مساءلة، وتبدو فيها الأفكار السيئة وكأنها أفكار عبقرية. ولهذا؛ أصبح الاختلاف البنّاء في بيئة العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فالأشخاص الذين ينجحون في التميز هم أولئك المستعدون لتحدي الأفكار المطروحة للنقاش، بما في ذلك أفكارهم الشخصية.

وللبحث عن وجهات نظر مخالفة بطريقة بنّاءة ومفيدة، يمكن اتباع الخطوات التالية:

- اطرح الأسئلة بدلاً من إصدار أحكام قاطعة.

- ابدأ بنقاط الاتفاق، ثم انتقل إلى الجوانب التي تجد صعوبة في تقبّلها.

- كلّف شخصاً خلال الاجتماعات بأداء دور «المشكك» أو الناقد، بحيث يصبح الاعتراض جزءاً طبيعياً ومقبولاً من النقاش.

- بادر إلى نقد عملك بنفسك؛ فعندما تشارك مسودة مع زملائك، اطلب منهم: «أخبروني ما أضعف جزء فيها».

تساعد هذه العادات على تحويل الاختلاف في الرأي من أمر قد يُفهم بوصفه هجوماً شخصياً إلى جهد مشترك للوصول إلى إجابة أفضل.

4. يحافظون على استقلالية أحكامهم

عندما تسأل داوان المديرين التنفيذيين عن الفئة الأكثر عرضة للتخلي عن استقلالية تفكيرها لمصلحة الذكاء الاصطناعي، فإنهم غالباً ما يشيرون إلى أبناء «الجيل زد» (Gen Z) أو الموظفين المبتدئين.

لكن المفارقة، أنها تلاحظ العكس تماماً من خلال عملها في مجال التدريب. فقد تحول دور المديرين التنفيذيين تدريجياً من إنجاز العمل بأنفسهم إلى مراجعته، وأصبح الذكاء الاصطناعي يجعل هذه العملية أكثر سهولة، من خلال تقديم ملخصات وتوصيات وقرارات جاهزة ومحكمة الصياغة خلال ثوانٍ.

وتكمن الخطورة في أن القادة الذين يقضون معظم وقتهم في اعتماد الإجابات الجاهزة قد يجدون صعوبة كبيرة في اكتشاف التحيزات الموجودة في أعمال فرقهم.

وقد يؤدي ذلك إلى نتائج تبدو ممتازة من حيث المستوى والشكل، لكنها تعكس في جوهرها فهماً سطحياً أو محدوداً للقضية المطروحة.

وكلما تقدمت في السلم الوظيفي، أصبحت خسارة استقلالية الحكم أكثر خطورة وأشد تأثيراً.

ولحماية استقلالية التفكير واتخاذ القرارات بصورة واعية ومقصودة؛ تنصح داوان القادة باتباع الممارسات التالية:

- إنجاز مهمة أساسية من الصفر مرة واحدة أسبوعياً: بدلاً من الاعتماد الكامل على الأدوات الجاهزة في تنفيذ جميع المهام.

- شرح المنطق الذي يستند إليه العمل شفهياً: قبل عرض أي عمل أسهم الذكاء الاصطناعي في إعداده، ينبغي أن تكون قادراً على شرح منطقه الأساسي من دون الاستعانة بشاشة أو بملاحظات مكتوبة أعدها الآخرون.

- توجيه الأسئلة نفسها التي تُطرح عادةً على أعضاء الفريق: مثل: «اشرح لي كيف توصلت إلى هذه النتيجة؟ ما الافتراضات التي استندت إليها؟ ما البدائل التي استُبعدت؟ ما الأدلة التي قد تدفعك إلى تغيير رأيك؟ وما الذي ربما أغفلته؟».

وإذا لم تتمكن من الإجابة عن هذه الأسئلة من دون الرجوع إلى الملخص الذي أعده الذكاء الاصطناعي، فقد تكون بصدد اعتماد استنتاج لا تستوعبه بالكامل.

- تكليف أعضاء الفريق تقديم عروض توضيحية قصيرة: بحيث يقدم كل عضو عرضاً مدته 90 ثانية يشرح فيه وجهة نظره، ويدافع عنها، ويستعرض مسار تفكيره.


شاهد... الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما وسط احتفالات صاخبة

الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما (أ.ب)
الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما (أ.ب)
TT

شاهد... الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما وسط احتفالات صاخبة

الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما (أ.ب)
الملك تشارلز يرقص في شوارع البهاما (أ.ب)

في مشهد ابتعد عن البروتوكولات الملكية المعتادة، خطف الملك تشارلز الثالث الأنظار خلال اليوم الثاني من جولته في منطقة الكاريبي، بعدما شارك بالرقص ضمن مهرجان «جونكانو» الشعبي في جزر البهاما.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد ظهر تشارلز مرتدياً بدلة رسمية ونظارة شمسية، وهو ينضم إلى الراقصين في مقدمة الموكب، وقد حمل آلة «الماراكاس» الموسيقية، التي كانت مزيَّنة بألوان علم جزر البهاما، وسط أجواء احتفالية تخللتها الأزياء الزاهية وأغطية الرأس المزينة بالريش وهتافات الحشود.

جاءت مشاركة الملك البريطاني في المهرجان، الذي يحتفي بثقافة الجزر وحياتها، بعد يوم من وصوله إلى البهاما وإلقائه كلمة تناول فيها المعاناة التاريخية المرتبطة بتجارة الرقيق، في وقت تتجدد فيه المطالب باعتذار ملكي وتعويضات عن آثار العبودية.

وقال الملك خلال فعالية احتفت بالشباب المحليين في اليوم السابق، إن ثقافة البلاد «وُلدت من رحم الظلام»، مؤكداً أنه «من الصواب» الاعتراف بالمظالم التاريخية.

وعلى الرغم من أن تاريخ مهرجان «جونكانو» ليس موثقاً بدقة، فإنه يُعتقد أنه نشأ خلال حقبة تجارة الرقيق، حين كان يُمنح الرجال والنساء المستعبدون وقتاً للراحة احتفالاً بعيد الميلاد.

ظهر تشارلز مرتدياً بدلة رسمية ونظارة شمسية حاملا آلة «الماراكاس» الموسيقية (أ.ب)

في سياق متصل، قامت الشرطة بإبعاد مجموعة صغيرة من المحتجين بالقرب من مسار المهرجان، كانوا يحملون لافتات كُتب عليها: «ادفعوا ما تدينون به لنا».

وكان هؤلاء المحتجون ينتمون إلى «اللجنة الوطنية لجزر البهاما للمطالبة بالتعويضات».

وأكد تشارلز أن قادة دول الكومنولث سيناقشون إرث العبودية خلال قمة كبرى مقررة في أنتيغوا الأسبوع المقبل، في خطوة تضع القضية ضمن الملفات المطروحة على جدول أعمال المنظمة.


زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

«كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها». على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر «الشرق الأوسط». وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة «زينا لبست خلخالها» بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي «دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص»، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ«كثارسيس (catharsis)» أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق (يوسف) درّبته كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها «اللي شبكنا يخلّصنا» كممثل أساسي. «يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن»، توضح دكّاش.

في «اللي شبكنا يخلصنا» تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

«في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي»، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت «الكثارسيس» الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ «زوزو» أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في «زينا لبست خلخالها» تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – (زينة دكّاش)

«قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها»، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى «تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح»، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ«زينا لبست خلخالها»، تقول دكّاش: «إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي».

«إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف» – (زينة دكّاش)

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: «أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين». رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أي خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة «الكثارسيس» خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ «المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج». تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: «في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل».

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مَن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.