تصاعد المواجهات شمال سوريا على وقع خطوات «التطبيع»

مقتل جندي تركي... وأنقرة تلوّح مجدداً بعملية عسكرية

مقاتلون سوريون في فصيل تدعمه تركيا في ريف حلب الشمالي يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
مقاتلون سوريون في فصيل تدعمه تركيا في ريف حلب الشمالي يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

تصاعد المواجهات شمال سوريا على وقع خطوات «التطبيع»

مقاتلون سوريون في فصيل تدعمه تركيا في ريف حلب الشمالي يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
مقاتلون سوريون في فصيل تدعمه تركيا في ريف حلب الشمالي يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)

تصاعدت المواجهات بين القوات التركية وقوات النظام شمال سوريا، بالتوازي مع الحديث المتصاعد عن الإعداد للقاء وزراء خارجية كل من تركيا وسوريا وروسيا، في إطار المرحلة الثانية في مسار تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق والتي سيعقبها، بحسب التصريحات التركية، لقاء رؤساء الدول الثلاث.
وقتل جندي تركي، وأصيب آخرون بجروح إثر تعرض القاعدة التركية في قرية حزوان بريف الباب شرق حلب لقصف صاروخي ومدفعي مصدره مناطق انتشار قوات النظام السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في ريف حلب الشمالي. وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، هبطت طائرة مروحية تركية في القاعدة لنقل الجرحى إلى تركيا.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية، السبت، أن أحد جنودها توفي، متأثراً بجروح أصيب بها، الجمعة، جراء قصف على قاعدة تركية في ريف حلب. لكنها لم تتطرق إلى مزيد من التفاصيل.
وردت القوات التركية والفصائل الموالية لها فيما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» بقصف بالمدفعية الثقيلة على مناطق انتشار «قسد» وقوات النظام. وطال القصف محيط مدينة تل رفعت وحربل والشيخ عيسى وعين دقنة وبيلونية والشعالة والنيربية والحصية ومزارع أم الحوش ومرعناز بريف حلب الشمالي. كما تعرضت قريتا بينه وصوغانكه التابعتان لناحية شيراوا بريف عفرين شمال حلب لقصف مدفعي تركي. كذلك قصفت القوات التركية بالمدفعية الثقيلة قرية زور مغار بريف عين العرب (كوباني) شرق حلب.
وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان آخر، السبت، إنه تم «تحييد» (القضاء على) 11 من عناصر «قسد»، بعدما شنوا هجمات على مناطق عمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» بريف حلب.
وتشهد محاور التماس بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري» الموالي لها وقوات النظام و«قسد» شمال سوريا، اشتباكات وتبادلاً للقصف وعمليات تسلل بشكل مستمر، دون أن يسفر ذلك عن أي تغيير في خريطة السيطرة بالمنطقة منذ وقف تركيا عمليتها العسكرية «نبع السلام» بمنطقة شرق الفرات في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بموجب تفاهمين مع الولايات المتحدة وروسيا لإبعاد «قسد» عن حدودها الجنوبية لعمق 30 كيلومتراً.
- تصعيد «هيئة تحرير الشام»
وفي الوقت الذي تصاعد فيه الحديث في تركيا عن التقارب مع النظام والمضي في الاجتماعات الممهدة للقاء الرئيس رجب طيب إردوغان والرئيس بشار الأسد برعاية روسيا، لم تتوقف الاستهدافات المتبادلة، والتي كان أغلبها من جانب تركيا، حيث قتل 32 جندياً سورياً، بينهم ضباط كبار أحدهم برتبة لواء، منذ بدء التصعيد التركي على مناطق «قسد» في 19 نوفمبر الماضي، ضمن العملية العسكرية التي عُرفت بـ«المخلب - السيف»؛ على خلفية تفجير إرهابي وقع في شارع الاستقلال بمنطقة «تقسيم» في إسطنبول. وقالت السلطات التركية إن مخططي الاعتداء ومنفّذيه تلقّوا الأوامر من قياديين في «الوحدات» الكردية في عين العرب (كوباني).
في الوقت ذاته، قتل 4 عناصر من قوات النظام، وأصيب آخران جراء اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والرشاشات في هجوم شنته «هيئة تحرير الشام»، السبت، على مواقع للنظام على محور نحشبا بريف اللاذقية الشمالي. وأفاد «المرصد السوري» بأن «الهيئة» تسعى لاستغلال الغضب الشعبي وحالة الاستياء من التقارب بين أنقرة ودمشق، من خلال تكثيف هجماتها ضد مواقع قوات النظام على محاور عديدة في مناطق خفض التصعيد شمال غربي سوريا. وأضاف أن عناصر «لواء عثمان بن عفان» التابع لـ«الهيئة»، نفذوا هجوماً استهدف مواقع لقوات النظام على محور نحشبا، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين الجانبين بالأسلحة الثقيلة والرشاشات، وسط معلومات عن سقوط قتلى وجرحى.
وكثّفت «هيئة تحرير الشام» في الفترة الأخيرة عملياتها ضد قوات النظام على محاور عدة في مناطق خفض التصعيد، ما تسبب بالكثير من الخسائر البشرية.
- تلويح بعملية عسكرية
وفي إسطنبول، أكّد المسؤول في الرئاسة التركية إبراهيم كالين السبت أن شنّ عملية عسكرية برية في سوريا «ممكن في أي وقت». وقال كالين لصحافيين من وسائل إعلام أجنبية منها وكالة الصحافة الفرنسية: «نواصل دعم العملية السياسية» التي بدأت نهاية ديسمبر (كانون الأول) مع لقاء وزيرَي الدفاع التركي والسوري في موسكو. وتابع: «لكن شنّ عملية برية يبقى ممكناً في أي وقت، بناء على مستوى التهديدات الواردة».
وتحدث عن احتمال لقاء جديد بين وزيرَي دفاع تركيا وسوريا يسبق اللقاء المرتقب في منتصف فبراير (شباط) بين وزيرَي خارجية البلدين. وأضاف: «نريد الأمن على حدودنا»، مشيراً إلى وجود قوات كردية على الأراضي السورية، بحسب ما جاء في تقرير الوكالة الفرنسية. وقال أيضاً: «نحن لا نستهدف أبداً (مصالح) الدولة السورية ولا المدنيين السوريين».
لكنه لفت إلى أن الضمانات الأمنية التي وعدت بها روسيا والولايات المتحدة بعد العملية التركية الأخيرة في سوريا في العام 2019 «لم يتمّ الالتزام بها» وأن المقاتلين الأكراد لم ينسحبوا مسافة 30 كيلومتراً من الحدود كما كان موعوداً.
- ضغوط على اللاجئين
على صعيد آخر، ومع اقتراب موعد الانتخابات التركية المقررة في يونيو (حزيران) المقبل، والتي قد يجري تقديم موعدها إلى مايو (أيار)، تتصاعد حملات المعارضة التركية ضد اللاجئين السوريين عبر إطلاق الوعود بترحيلهم بشكل نهائي عقب الفوز بالانتخابات. وتعهد المرشح الرئاسي السابق والمحتمل أن يخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة أيضاً، رئيس حزب «البلد» المعارض، محرم إينجة، بترحيل اللاجئين السوريين «واحداً تلو الآخر» بعد القبض عليهم في الشوارع. وقال إينجة، خلال خطاب أمام بعض أنصاره، إنه تم منح الجنسية لآلاف اللاجئين السوريين بواسطة حكومة إردوغان، وبات بإمكانهم التصويت بالانتخابات، معتبراً أن أصواتهم ستذهب بالطبع لصالح حزب «العدالة والتنمية» الحاكم. وتابع أن البعض يطلب «ألا نتوقف أمام هذه التفاصيل، لكن نحن لم نؤسس الجمهورية التركية معهم (أي السوريين). لقد طالت فترة ضيافتهم».
ولفت إينجة، الذي انشق عن «حزب الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وأسس حزبه الخاص، إلى أن أحزاب المعارضة ستقوم بخطوات عدة عند فوزها بالانتخابات؛ «أولاً: سيتم إغلاق الحدود، ثانياً: سنقبض عليهم واحداً تلو الآخر في الشوارع».
وسبق أن تعهد «حزب الشعب الجمهوري» بإرسال السوريين إلى بلادهم، وتوديعهم بـ«الطبل والمزمار» في غضون عامين من الفوز بالانتخابات المقبلة. وانتشرت مؤخراً لافتات أعدها الحزب في ساحات وشوارع المدن التركية، كتب عليها: «أيها العالم... جئنا لنتحداك... تركيا لن تكون مخيمك الخاص باللاجئين». كما تضمنت لافتات أخرى وعوداً انتخابية بالانسحاب من اتفاقية الهجرة وإعادة قبول اللاجئين الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في 18 مارس (آذار) 2016، وضبط الحدود. وكتب على إحدى اللافتات: «سننسحب من الاتفاقيات الأوروبية للاجئين، سنودع اللاجئين خلال عامين... سنستعيد السيطرة على حدودنا».
وكان «حزب الشعب الجمهوري» أول من طرح فكرة إعادة العلاقات مع سوريا بالتفاهم مع الأسد من أجل إعادة اللاجئين، وتحقيق الاستقرار وحل المشاكل مع تركيا. وبدا أن ملف اللاجئين أصبح نقطة ضغط قوية في يد المعارضة ضد الرئيس رجب طيب إردوغان وحزبه.
وفي محاولة من جانب إردوغان لنزع تلك الورقة من يد المعارضة، أعلن عن خطة لإعادة أكثر من مليون لاجئ سوري إلى بلادهم. وفي خضم اللقاءات الجارية مع نظام الأسد حول تطبيع العلاقات، قال إردوغان، الأسبوع الماضي، إنه تم إعادة أكثر من نصف مليون سوري إلى بلادهم بفضل العمليات العسكرية التركية التي طهرت مناطق واسعة في شمال سوريا، وإن الفترة المقبلة ستشهد عودة المزيد من خلال الاتصالات الدبلوماسية مع سوريا.
ووصل عدد السوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة في تركيا (الكيملك) إلى 3 ملايين و733 ألفاً و982 شخصاً. وتضم مدينة إسطنبول وحدها أكبر عدد منهم بنحو 550 ألف لاجئ. ويعاني أغلب السوريين في تركيا أوضاعاً معيشية صعبة، في ظل ارتفاع الأسعار وتدني الأجور، وتصاعد الحملات ضدهم والرفض المجتمعي لبقائهم.
وأعلنت مديرية الهجرة التابعة لوزارة الداخلية التركية، في مطلع العام الحالي، أنه تم ترحيل 124 ألفاً و441 مهاجراً غير شرعي العام الماضي، من بينهم 58 ألفاً و758 سورياً عادوا بشكل طوعي إلى «المناطق الآمنة» التي أقامتها تركيا في شمال سوريا.
وبحسب وزارة الدفاع التركية، تركز اللقاءات والمباحثات الجارية بين تركيا والنظام السوري على عدد من القضايا؛ أهمها التعاون في مكافحة الإرهاب، والعودة الطوعية الآمنة للسوريين في تركيا إلى بلادهم، وتحقيق الاستقرار عبر التقدم في مسار الحل السياسي للأزمة السورية.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».