أميركا فرضت عقوبات ضد الغاز الروسي فهلا فعلت المثل مع ميانمار؟

أميركا فرضت عقوبات ضد الغاز الروسي فهلا فعلت المثل مع ميانمار؟

الاثنين - 4 ذو الحجة 1443 هـ - 04 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15924]
ثينزار شونلي يي
- مؤسسة حملة «سيسترز تو سيسترز» لتعزيز التضامن بين نساء ميانمار

خدمة «نيويورك تايمز»

يغلب على تاريخ ميانمار الحديث الاستغلال الاستعماري والقمع العسكري والعنف والحرمان من الديمقراطية. وقد كرس نشطاء شعبيون مثلي وآلاف من قبلي حياتهم وضحوا بسلامتهم من أجل تغيير هذا الوضع. إلا أنه خلال العام الماضي، حل ظلام أعمق على البلاد.
ومنذ إطاحته بقادتنا المنتخبين في فبراير (شباط) 2021، عمد الجيش الوحشي والفاسد الذي سيطر على البلاد على مدى عقود، إلى إطلاق النار على المتظاهرين وتعذيب المعارضين وإغراق ميانمار في الفوضى.
من جانبها، أدانت الولايات المتحدة المجلس العسكري عن حق بسبب هذا الوضع، وفرضت بعض الإجراءات العقابية. ومع ذلك، امتنعت واشنطن عن اتخاذ خطوة بسيطة من شأنها إضعاف قدرة الجنرالات على شن حرب ضد شعبهم، ألا وهي فرض عقوبات على عائدات الغاز المربحة التي تحصدها ميانمار.
وتحقق شركة «ميانمار أويل آند غاز إنتربرايز»، المملوكة للدولة والمعروفة اختصاراً باسم «إم أو جي إي»، وتخضع في الوقت الراهن لسيطرة المجلس العسكري الحاكم، إيرادات تقدر بما لا يقل عن 1.5 مليار دولار سنوياً من وراء بيع الغاز الطبيعي المستخرج من حقول بحرية. وتوفر هذه المبيعات حوالي نصف العملة الصعبة التي يستغلها الجيش في دفع تكلفة الرصاص والقوات التي يدفع بها ضد المدنيين الأبرياء. ومن شأن العقوبات إنقاذ الأرواح عن طريق قطع تدفق الإيرادات المهم الذي ساعد في تمويل قمع شعب ميانمار لفترة طويلة للغاية.
جدير بالذكر هنا أن ميانمار نالت استقلالها عام 1948 مع نهاية الحكم الاستعماري البريطاني. إلا أنه بحلول عام 1962 استولى الجيش، المعروف باسم تاتماداو، على السلطة. ومنذ ذلك الحين، سيطر الجنرالات وأعوانهم على ميانمار، مستفيدين من المعادن والأخشاب والطاقة وثرواتنا الطبيعية الأخرى التي تنعم بها البلاد. في الوقت ذاته، فرض النظام العسكري حالة من العزلة على البلاد حرمت شعبنا من النمو الاقتصادي الذي رفع مستوى معيشة الملايين في أماكن أخرى من آسيا.
في الوقت ذاته، نجد أن معايير الصحة العامة مروعة، في الوقت الذي يتفشى الفساد والاتجار بالمخدرات والأنشطة الإجرامية الأخرى. وعانت الأقليات العرقية من انتهاكات حقوق الإنسان على امتداد عقود على يد التاتماداو، وحملت المنظمات العرقية السلاح لمقاومة ذلك في حالة شبه مستمرة من الحرب الأهلية. اليوم، ظهر جيل جديد في ميانمار لم يعد يؤيد ذلك.
كنا نأمل أن تتحول الانتخابات التي أجريت عام 2015، التي صوت فيها الناس بصوت مدوٍّ لصالح الديمقراطية، إلى قفزة حقيقية إلى الأمام في إطار التحول الديمقراطي في ميانمار. وأصبح الوصول إلى الإنترنت في متناول الشخص العادي، وأصبحنا أكثر وعياً بالعالم الخارجي وزاد اتصالنا بحركات الديمقراطية العالمية.
وعلى مدار السنوات القليلة التالية، عرفنا كذلك المزيد عن معاملة العديد من الأقليات العرقية لدينا. وواجه جيش ميانمار اتهامات بارتكاب إبادة جماعية ضد الروهينغا بعد انتخابات 2015. وشعرنا بالإحباط عندما دافعت الحكومة المدنية التي صوتنا لها، برئاسة داو أونغ سان سو كي، عن هذه الفظائع. ورغم احتفاظ الجيش بسلطات كبيرة، نجحنا في قطع شوط طويل، بحيث لم يعد من الممكن إعادة تحجيمنا من جديد. وبعد ذلك، جاء انقلاب العام الماضي.
وقع الانقلاب بقيادة رئيس المجلس العسكري، الجنرال مين أونغ هلينغ، في أعقاب فوز انتخابي ساحق آخر من قبل الجماعات المؤيدة للديمقراطية. وقوبلت حملة عصيان مدني غير عنيفة على الصعيد الوطني بالقتل العشوائي والتعذيب والاختفاء القسري واستخدام الناس كدروع بشرية وتكتيكات إرهابية أخرى. وطبقاً لما أعلنته الأمم المتحدة، قتل أكثر عن 1900 شخص، بينهم 142 طفلاً على الأقل، واعتقل أكثر عن 13500 لمعارضتهم المجلس العسكري.
والآن، أصبحت أمتنا التي يبلغ عدد سكانها 54 مليون نسمة في حالة سقوط حر، مع نزوح مليون شخص داخلياً، وتشير تقديرات إلى أن 14 مليون شخص بحاجة ماسة لمساعدات إنسانية. وتعاني مؤسسات الدولة والنظام الصحي الضعيف بالفعل من الانهيار. ومع ذلك، لا نزال نقاوم على الصعيد الوطني.
وحمل عشرات الآلاف السلاح داخل الأدغال، معتمدين على دعم منظمات المقاومة المرتبطة بالأقليات العرقية، والتي واجهت بدورها غارات جوية وقصفا مدفعيا. ومع ذلك، جاء رد الفعل الغربي محدوداً.
من ناحيتها، جمدت إدارة بايدن مليار دولار من أموال حكومة ميانمار، وفرضت عقوبات على العديد من جنرالات ميانمار، وعلى مشروعات الأحجار الكريمة والأخشاب واللؤلؤ التي تملأ أيضاً حساباتهم المصرفية، لكن وسط ضغوط من جانب شركة «شيفرون»، والتي تشارك في مشروع بالتعاون مع «إم أو جي إي»، امتنع الرئيس بايدن عن استهداف عائدات الغاز.
ومن شأن الإقدام على هذه الخطوة توجيه ضربة قوية للأوضاع المالية للمجلس العسكري الحاسم. وتعتبر عمليات «إم أو جي إي» أكبر مصدر منفرد لإيرادات الدولة. ويأتي جزء كبير من هذه الإيرادات من حقل الغاز الرئيسي الذي تتولى إدارته «شيفرون» و«توتال إنرجيز» الفرنسية، بالتعاون مع «إم أو جي إي» وكذلك شركة طاقة تايلندية.
وجادلت كل من «شيفرون» و«توتال إنرجيز» بأن العقوبات ستثقل كاهل مواطني ميانمار جراء تزايد انقطاع الكهرباء، نظراً لأن الغاز الطبيعي مسؤول عن توليد جزء من كهرباء ميانمار. إلا أن العقوبات ليس من الضروري أن تؤدي لإيقاف تشغيل الغاز الطبيعي. كما أننا نشعر بالإهانة بسبب التلميح لأننا نبادل حريتنا وسلامتنا مقابل بضع ساعات من الكهرباء. الحقيقة أن الدعوات إلى فرض عقوبات على «إم أو جي إي» لا تأتي من الخارج، وإنما من داخل ميانمار، من جانب المئات من منظمات المجتمع المدني والجمعيات والنقابات التي شاركت في المقاومة السلمية للجيش.
هذا العام، أعلنت «توتال إنرجيز» و«شيفرون» عن خطط للانسحاب من ميانمار. ومع ذلك، سيبقى في مقدور المجلس العسكري الاستيلاء على عائدات الغاز التي تحققها «إم أو جي إي».
من ناحيته، فرض الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات ضد وزارة التجارة الخارجية، لكنها لا تخلو من ثغرات يمكن استغلالها. نحن بحاجة إلى عقوبات تقودها الولايات المتحدة بقوة حقيقية، مثل تلك المستخدمة للحد من قدرة روسيا على شن حرب على أوكرانيا.
ومع أن هذا لن يحل جميع المشكلات التي تراكمت في ميانمار خلال عقود من الهيمنة العسكرية وسوء الحكم، فإنه يجب أن نبدأ بوضع نهاية لقدرة التاتماداو على الحصول على الطائرات والقنابل والرصاص ووقود الطائرات ومعدات المراقبة وغيرها من أدوات القمع المستوردة. إننا نريد السلام والازدهار ومستقبلا ديمقراطيا حقيقيا لجميع سكان ميانمار، بغض النظر عن عرقهم، بعيداً عن الهيمنة العسكرية مرة واحدة وإلى الأبد.
إلا أنه طالما استمر تدفق عائدات الغاز، سيظل الحال كذلك مع دماء أبناء شعب ميانمار.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو