الإعلام اللبناني يفقد «العدالة» بالمال والتوجيه السياسي

تبدل في مفاهيم الاتصال بين الناخب والمرشح وإخلال بالمساواة بين المتنافسين

استضافت قنوات مرشحين لا تجمعهم أية خيارات سياسية واقتصادية
استضافت قنوات مرشحين لا تجمعهم أية خيارات سياسية واقتصادية
TT

الإعلام اللبناني يفقد «العدالة» بالمال والتوجيه السياسي

استضافت قنوات مرشحين لا تجمعهم أية خيارات سياسية واقتصادية
استضافت قنوات مرشحين لا تجمعهم أية خيارات سياسية واقتصادية

لم تحظَ أي انتخابات لبنانية بإجماع على «الإخلال في عدالة الظهور الإعلامي والمساواة بين المرشحين»، كما هو حال الانتخابات الأخيرة التي أقرت فيها المنظمات الحقوقية والمعنية بهذا الجانب، رغم محاولات ردم الهوة بين فرص المرشحين بدعم من منظمات مدنية ودولية. ولقد وُسِمَت الانتخابات الأخيرة بثلاث وقائع: أولها غياب الشفافية في الإعلان عن التمويل، وثانيها تبدل مفاهيم الاتصال بين المرشح والناخب عما كان عليه تقليدياً في لبنان، وثالثها التوجيه السياسي الذي يُستدل عليه من غياب مرشحين على قنوات، مقابل ظهور آخرين بشكل حصري على قنوات أخرى.
وحقاً، أجمعت عدة منظمات حقوقية وهيئات مراقبة للانتخابات على مسألة الإخلال في عدالة الظهور الإعلامي. إذ أشارت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في لبنان، في بيان إلى أن «الإطار القانوني لتمويل الحملات الانتخابية يعاني من أوجه قصور خطيرة فيما يتعلق بالشفافية والمساءلة». وتابع البيان أنه «بينما تم احترام حرية التعبير بشكل عام، فشلت وسائل الإعلام في توفير رؤية متساوية وتغطية متوازنة» للانتخابات. وتوصلت مؤسسة «مهارات»، التي بدأت برصد الخطاب الإعلامي في فبراير (شباط) الماضي، إلى خلاصة مشابهة ستعلن عنها خلال الأسبوع المقبل، بعد التدقيق في نتائج الرصد وأرقامه. أما «هيئة الإشراف على الانتخابات»، فأكدت وجود «فوضى في الحملات الانتخابية في الإعلام»، وأقر رئيسها بأن «وسائل الإعلام لا تقدم التقارير الدقيقة المطلوبة لإطلالات المرشحين على شاشاتها لناحية التكلفة والمساحة والوقت».

                                          يُنظر كثيرون إلى حلقة «صاروا مية» على أنها حلقة أساسية و«ذكية»
تبدل مفاهيم الاتصال
لقد ساهم الإقبال الواسع من قبل قوى تغييرية على الترشح للانتخابات النيابية، في تغيير وقائع أساسية كانت تشهدها التجارب الانتخابية السابقة. إذ كانت تلك تقتصر على مشاركة القوى السياسية الرئيسة، وتقدم خلالها وجوهاً معروفة في بيئاتها، ما حصر الجزء الأكبر من الاتصال بين الناخب والمرشح في السابق، بلقاءات «وجهاً لوجه». بيد أن المروحة الواسعة من المرشحين - التي فاقت الألف مرشح هذه المرة - حتمت الاعتماد على وسائل الإعلام سبيلاً للتعريف بالمرشحين، وتقديمهم لناخبيهم. هذا كان متغيراً أساسياً دفع باتجاه الإقبال على وسائل الإعلام، التي فرض بعضها مبالغ مالية كانت تجري إثر اتفاقات «ضمن المكاتب المغلقة»، كما قالت مصادر في أحد التلفزيونات اللبنانية، خلافاً لما كان يُعلن عنه في السابق لجهة الإعلان عن باقات إعلامية واضحة.
مدير وحدة الرصد الإعلامي في «مؤسسة مهارات» طوني مخايل قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن «مفاهيم الاتصال اختلفت في الانتخابات الأخيرة»، لافتاً إلى أن حجم الظهور ساهم في إيصال بعض المرشحين. وأوضح أنه «منذ أن انطلق الحديث عن الانتخابات في سبتمبر (أيلول) 2021 بدأت بعض الوجوه تظهر بكثافة على الشاشات. واستفاد من ذلك من كان يحظى بظهور متكرر في وسائل الإعلام، ضمن أجندات إعلامية واضحة ساهمت بتوجيه الناس نحو بعض الناخبين». هذا الأمر أدى إلى إيصال وجوه وأسماء غير معروفة على نطاق واسع، اخترقت المشهد السياسي اللبناني من خارج الاصطفافات السابقة والقوى التقليدية. وتابع مخايل «بدا أن الظهور الإعلامي مؤثر بشكل كبير. واتسم بظهور منظم لبعض القوى والوجوه ضمن تغطيات وبرامج توك شو وملفات مختلفة، ما ساعد بتعريف الناس على تلك الوجوه»، لافتاً إلى أن الظهور المقتصر على فترة ما قبل الانتخابات لمرة أو اثنتين «لم يكن له التأثير الكبير، لأن الظهور الإعلامي عملية تراكمية».
توجيه سياسي
يؤشر هذا الواقع بشكل أساسي إلى عمليات توجيه سياسي، وأجندات انخرطت فيها وسائل الإعلام في وقت مبكر قبل الانتخابات، تُضاف إلى حث متكرر على التغيير. وهنا تتنوع دلالات التوجيه السياسي من حجم الظهور ونوعيته، وصولاً إلى مواقيته وطريقة التقديم الإعلامي.
واحدة من الظواهر التي رصدتها «الشرق الأوسط» إبان الفترة السابقة أن المرشحين التغييريين لم يحظوا بفرصة الظهور الإعلامي المباشر في قنوات مملوكة لجهات سياسية أو مقربة منها، مثل «المنار» و«أو تي في» و«إن بي إن»، باستثناء بعض الظهور في نشرات الأخبار. وفي المقابل، استضافت القنوات التي تتمتع بهامش أكثر استقلالية مثل «إم تي في» و«إل بي سي» و«الجديد» مرشحين تغييريين انقسموا بدورهم بين المحطات، بالنظر إلى أن بعضهم لا تجمعه خيارات سياسية واقتصادية. وفي حين ندر ظهور مرشحين قريبين من «14 آذار» - ومن ضمنهم مستقلون يتقاطعون مع (14 آذار) - على عناوين سياسية، على القنوات المملوكة لأحزاب 8 آذار، ظهر أحياناً مرشحون ينتمون إلى قوى «8 آذار» على القنوات الأخرى، وكان واضحاً في الأيام الأخيرة التي سبقت الانتخابات ظهور مسؤول في «حزب الله» على «إل بي سي»، التي استضافت أيضاً رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ليلة الانتخابات، كما ظهر النائب إبراهيم كنعان المنتمي لـ«التيار» على «إم تي في».
هنا يقول مخايل: «لم تكن هناك آلية موضوعة يجري الالتزام فيها لتأمين تكافؤ الفرص»، لافتاً إلى أن «هيئة الإشراف على الانتخابات» لم تضع أي آلية «مع أن القانون يسمح لها بتحديد المساحات الإعلانية والمعنية بالشأن الإعلامي». ومع إقرار مخايل بأن بعض القنوات أعطت أولوية خلال الأسبوعين الأخيرين (تخللتهما 6 أيام للصمت الانتخابي) للمرشحين المتمولين، من غير أن ينتقص منها هذا الحق، لفت إلى أن قوى مدنية ومنظمات دولية وائتلافات وقوى سياسية ناشئة «ساعدت في ردم الهوة التي تشوب مبدأ تكافؤ الفرص حين دعمت برامج تلفزيونية لاستضافة مرشحين تغييريين وأمنت ظهورها إعلامياً ضمن مساحات مدفوعة». وهو يأخذ على المرشحين الذين حازوا على هذا الدعم النقص في الشفافية «كونهم لم يحتسبوا هذا الظهور ضمن إنفاقهم الانتخابي»، مضيفاً أنه «لم تكن هناك منصة للإعلان عن هذا الإنفاق».
بموازاة ذلك، يرصد مخايل أن مساحة الظهور للقوى التغييرية في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين، كانت أكبر من شهر مايو (أيار) الذي أجريت الانتخابات في منتصفه. ويشير في الوقت نفسه إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية فتحت مساحات لقوى التغيير والمستقلين، لكن في الغالب «كانت هناك انتقائية» إذ «لم نشاهد مثلاً مرشحين من عكار في الشمال أو من سائر مناطق الأطراف بشكل كبير على الشاشات».
أيضاً أمكن رصد إجحاف في توقيت الظهور بين «الوقت المثالي» لأعلى نسب مشاهدة، وحتى في البرامج التي استضافت المرشحين وحدهم يتوجهون من خلالها لناخبيهم، أو المرشحين الذين ظهروا في برامج مناظرات وحوار موسع، وهو أمر «خاضع لخيارات سياسية».
تمويل ضخم
من جهتها، لا تخفي المنظمات الحقوقية، وبينها «مهارات»، أن هناك إنفاقاً انتخابياً لم يكن مرئياً، حيث أخفت بعض البرامج الدعائية للقوى السياسية، ولم يكن هناك من إنفاق مضبوط. وتتسم تلك الوقائع بـ«الضبابية» كون بعضها يصعب توثيقه، لكنه «قد يؤثر في الطعون الانتخابية» التي تعتزم قوى سياسية تقديمها أمام المجلس الدستوري، وسط شكوك بإمكانية إثبات استخدام المال الانتخابي والرشى والإعلانات التي ظهرت بطريقة مختلفة. وحُكي عن مليون دولار تكلفة باقة إعلامية على إحدى القنوات دفعتها إحدى القوى السياسية، كما وصل سعر الدقيقة الواحدة للظهور في برامج محددة إلى حدود الألف دولار أميركي.
وذكرت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في لبنان في بيان أولي أن الانتخابات النيابية «طغت عليها ممارسات واسعة النطاق لشراء الأصوات والمحسوبية والفساد مما شوه تكافؤ الفرص وأثر بشكل خطير على اختيار الناخبين». وتابعت «اتسمت الحملة بالحيوية، وشابتها حالات مختلفة من الترهيب، بما في ذلك أمام مراكز الاقتراع وداخلها وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، كما سجلت حالات عرقلة مختلفة طالت الحملات الانتخابية... لقد طغت الممارسات الواسعة لشراء الأصوات والمحسوبية على الانتخابات».
حلقة تلفزيونية غيرت وقائع
في الشارع المسيحي
يُنظر كثيرون إلى حلقة «صاروا مية» التي بثتها قناة «إم تي في» يوم الأربعاء الذي سبق الانتخابات، في فترة الصمت الانتخابي عشية انتخابات الموظفين، على أنها حلقة أساسية و«ذكية» ساهمت بتوجيه الناخب في الشارع المسيحي إلى الخيارات السياسية المعارضة لـ«قوى 8 آذار» وحلفاء «حزب الله».
هذه الحلقة التلفزيونية، التي تضمنت مائة تصريح علقت في ذهن المواطن اللبناني إبان القرن الماضي، أعادت التذكير بالإخفاقات التي طبعت مسيرة «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» مثل خطاب الجنرال ميشال عون الذي سبق العملية العسكرية للقوات السورية ضد القصر الجمهوري وأدت إلى لجوئه إلى فرنسا، وخطاب أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله لجهة القول إن «يوم 7 أيار هو يوم مجيد».
ومنها أيضاً وعود النائب جبران باسيل بتأمين التغذية الكهربائية، في مقابل خطاب البطريرك الراحل نصر الله صفير حول الوجود السوري، وخطاب رئيس الجمهورية الراحل بشير الجميل حول مساحة لبنان (معروف بخطاب 10452 كيلومتراً). ويرى كثيرون أن هذه الانتقائية في اختيار أبرز التصريحات «لعبت دوراً أساسيا في توجيه الرأي العام المسيحي، ما ساهم بتقويض شعبوية باسيل في هذا الشارع».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان
صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان
TT

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان
صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية، بعد ضربة استهدفت محيطه.

ورغم أن المدينة التي تُعدّ إحدى أقدم مدن حوض البحر الأبيض المتوسط وتضم آثاراً من الحقبة الرومانية، تبعد نحو عشرين كيلومتراً عن الحدود مع إسرائيل، لكنها تعرّضت منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» لهجمات عدّة. ووجّه الجيش الإسرائيلي مراراً إنذارات إلى سكانها لإخلائها بالكامل، لكن الكثير من العائلات لم تمتثل للإنذار.

وشملت مبادرة «الدروع الزرقاء» التي أطلقتها لجنة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، أكثر من ثلاثين موقعاً أثرياً في لبنان، بينها آثار صور، ووضعت عليها العلامات في رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الجيش الإسرائيلي؛ إذ تُلزم اتفاقية لاهاي لعام 1954 الأطراف المتحاربة بحماية الملكية الثقافية في حالة النزاع المسلح.

موظفان يضعان «شعار الحماية المعززة» بالموقع الأثري لهيبودروم الروماني في صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في السادس من مارس (آذار)، شنّت إسرائيل غارة على بعد أمتار قليلة من الموقع الأثري في صور؛ ما أودى، وفق السلطات، بثمانية أشخاص من عائلة واحدة، في حين تحوّل منزلهم كومةً من الركام.

ويقول مدير الحفريات الأثرية في منطقة الجنوب بوزارة الثقافة نادر سقلاوي لصحافيين بينهم صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية»: «كانوا جيراننا... ظنّوا أن وجودهم بالقرب من الموقع الأثري يحميهم؛ كون أن التراث العالمي لا يفترض أن يتعرّض للقصف خلال الحروب والنزاعات المسلحة».

ويروي أنه لدى توجه فريق إلى الموقع لمسح الأضرار بعد نحو يومين من الغارة، «وجدوا بعض الأشلاء البشرية... على سطح المتحف» الذي هو قيد الإنشاء.

وتحطّمت نوافذ المتحف جراء عصف الغارة التي لم تلحق أضراراً بالمقبرة الأثرية العائدة إلى القرنين الثاني والثالث، ولا بقوس النصر الضخم والقنوات المائية وميدان سباق الخيل داخل الموقع، وهي آثار تشكّل شواهد على ازدهار الحقبة الرومانية.

في العصور القديمة، شكّلت المدينة ميناءً فينيقياً مهماً، قبل أن يفتحها الإسكندر الأكبر، ثم تضمّها لاحقاً الإمبراطورية الرومانية.

دخان يتصاعد في خلفية الموقع الأثري لأطلال المرفأ الفينيقي بمدينة صور جنوب لبنان جراء غارة جوية إسرائيلية (أ.ف.ب)

ومع توجيه إسرائيل إنذارات إخلاء متكررة لسكان مناطق واسعة من الجنوب بينها صور، غادر القسم الأكبر من قاطنيها، في حين يرفض آلاف السكان إخلاءها.

وندّد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة «باستهداف العدوان الإسرائيلي الموروث الثقافي والحضاري» في البلاد.

وقال في بيان بعد الضربة قرب المعلم الأثري: «المواقع الأثرية لا تضمّ أي وجود عسكري أو أمني، ولا يمكن بالتالي استخدام هذه الحجة لقصفها أو المساس بها».

ولم يردّ الجيش الإسرائيلي، الذي يقول إن هجماته تطول بنى عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، على طلب «وكالة الصحافة الفرنسية» التعليق.

مهمة دونها مخاطر

وتجدّدت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في الثاني من مارس، بعدما أطلق الحزب المدعوم من طهران رشقة صاروخية باتجاه إسرائيل، رداً على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وتنفّذ إسرائيل منذ ذلك الحين هجمات كثيفة في كل أنحاء لبنان، وتوغّلت قواتها في الجنوب. وأسفرت هذه العمليات العسكرية عن مقتل أكثر من ألف شخص ونزوح أكثر من مليون، وفق السلطات.

صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

في صور، يتعيّن على خبراء الآثار إجراء بحث أكثر دقة للكشف على احتمال وجود تصدعات أو تشققات قد تكون أصابت الأحجار القديمة جراء الغارة.

ويقول دافيد ساسين، الخبير في التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف)، وهي مؤسسة تساعد الحكومات على حماية القطع الأثرية: «لبنان مليء بالكنوز الأثرية... ولا تتوافر مساحة كافية في مخازن بيروت لنقل الآثار المهددة كافة».

كما أن نقل الآثار إلى بيروت في ظل حماية عسكرية «يظل محفوفاً بالمخاطر»، وفق ساسين، في غياب ضمانات لتحييدها عن الغارات التي تواصل إسرائيل شنّها يومياً.

خلال الحرب السابقة بين إسرائيل و«حزب الله» عام 2024، نُقلت عملات ذهبية وجرار وتوابيت ثمينة إلى بيروت، حيث لا تزال محفوظة في مخازن وزارة الثقافة.

وفي العام نفسه، تعرّضت مدينة صور ومحيطها إلى هجمات إسرائيلية طالت أيضاً قلعة شمع التي تعود إلى العصور الوسطى والواقعة في المنطقة الحدودية؛ ما أسفر عن تدميرها جزئياً.

صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

ويقول سقلاوي: «يعرف الإسرائيليون كلّ شيء... إنهم يعلمون تماماً ما يوجد في ذلك الموقع».

ويتحدّث مصطفى نجدي، وهو أحد حرّاس الموقع الأثري، عن الغارة قائلاً: «سمعت ضربة قوية جداً وتهشّم الزجاج. هربت من المكان وأبلغت السلطات. كانت هناك أشلاء، وكان الوضع صعباً جداً».

ويضيف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أحد يهتمّ لأمرنا (...)، نتمنى أن يمارس كل من يستطيع الضغط لوقف تلك الهمجية».

ويتابع: «تمثّل هذه الحضارة التاريخ وتمثّل لبنان وتمثّل الجميع، لبنانيين وغير لبنانيين».


لبنان يسحب الاعتماد من السفير الإيراني ويمنحه حتى الأحد للمغادرة

 وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)
وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان يسحب الاعتماد من السفير الإيراني ويمنحه حتى الأحد للمغادرة

 وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)
وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)

سحب لبنان الاعتماد من السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني ومنحه حتى الأحد لمغادرة البلاد، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية والمغتبربين اليوم (الثلاثاء).

واستدعت وزارة الخارجية والمغتربين، بحسب بيانها، القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي خوشخو، وقابله الأمين العام السفير عبد الستار عيسى وأبلغه قرارَ الدولة اللبنانية سحبَ الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد المقبل الواقع في التاسع والعشرين من مارس (آذار) 2026.

وفي السياق ذاته، استدعت وزارة الخارجية سفيرَ لبنان في إيران أحمد سويدان للتشاور، وذلك على خلفية ما وصفته الدولة اللبنانية بانتهاك طهران لأعراف التعامل الدبلوماسي وأصوله المرعية بين البلدين.


«الحشد الشعبي» يعلن مقتل قائد عمليات الأنبار مع 14 من عناصره بقصف أميركي

صورة وثقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»
صورة وثقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»
TT

«الحشد الشعبي» يعلن مقتل قائد عمليات الأنبار مع 14 من عناصره بقصف أميركي

صورة وثقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»
صورة وثقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»

استهدفت غارات جوية موقعاً تابعاً لقوات «الحشد الشعبي» بمحافظة الأنبار في غرب العراق، ما أسفر عن مقتل 15 مقاتلاً على الأقل بينهم قائد عمليات «الحشد الشعبي» في الأنبار، إلى جانب إصابة 30 آخرين.

وأعلنت قوات «الحشد الشعبي»، في بيان، مقتل قائد عمليات الأنبار سعد البعيجي وعدد من مرافقيه، واتهمت الولايات المتحدة بتنفيذ الهجوم، قائلة إن غارة جوية أميركية استهدفت «مقر القيادة أثناء تأديتهم واجبهم الوطني».

وأضافت أن هذه الغارات تمثل «انتهاكاً فاضحاً لسيادة العراق، واستخفافاً خطيراً بدماء أبنائه، وتكشف مجدداً ⁠عن طبيعة النهج العدواني الذي لا ‌يقيم وزناً ‌للقوانين الدولية ولا للأعراف الإنسانية».

وذكرت ​أنها تحمّل «القوى السياسية ‌مسؤولياتها الكاملة في الوقوف بوجه هذه ‌الانتهاكات الأميركية المتكررة، واتخاذ مواقف واضحة وحازمة تحفظ سيادة البلاد وتضع حداً لهذه التجاوزات الخطيرة».

وأشارت مصادر لـ«رويترز» إلى أن الهجمات استهدفت مقر «الحشد الشعبي» خلال اجتماع أمني حضره عدد من كبار القادة.

غارات على معسكرات لـ«الحشد» في الموصل

وأفاد مصدر أمني عراقي لاحقاً بأن غارات جوية استهدفت معسكرات لـ«الحشد الشعبي» شمالي الموصل.
وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الغارات استهدفت معسكراً تابعاً لريان الكلداني، أحد قادة الفصائل المسيحية المتحالفة مع «الحشد الشعبي».

وأضافت المصادر أن إحدى الغارات استهدفت مقراً لرئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض.

وتضم قوات «الحشد الشعبي» تحت لوائها فصائل شبه عسكرية معظمها شيعية، وقد جرى دمجها رسمياً ضمن القوات الأمنية العراقية وتشمل عدة جماعات موالية لإيران.

وتشن جماعات مسلحة مدعومة من طهران هجمات على قواعد أميركية في العراق منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في فبراير (شباط)، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التصعيد في المنطقة.