علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

ركز في أميركا على الأعراق وفي بريطانيا على فقراء المدن

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟
TT

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

استعرضت الصحف البريطانية أخيراً كتاباً مهماً بعنوان صارخ «التحكم: التاريخ المظلم والحاضر المقلق لعلم تحسين النسل» لمؤلفه آدم راذرفورد، المتخصص في علم الجينات والإعلامي في ميدان العلوم، أحد الذين أدرجت أسماؤهم في قائمة أفضل الكتاب لصحيفة «صنداي تايمز». وكان قد ألف كتابا سابقا بعنوان «كيف تناقش شخصا عنصريا».
يتناول الكاتب جوانب علم تحسين النسل، الذي يمتاز بتاريخ متناقض من نظريات وتطبيقات طرحها علماء متفائلون بخير البشرية، وآخرون من العلماء العنصريين والفاشست. ولأن عالم اليوم يشهد نجاحات كبرى في أبحاث «الانتقاء الجيني» الموجهة لتحسين صحة المواليد الجدد من العيوب الجينية، فإن هذا الميدان الواعد قد يساء استخدامه لإنتاج أجيال من «المواليد المحسنة النسل».
سعى الناس على مر التاريخ، إلى تحسين المجتمع من خلال تقليل المعاناة أو القضاء على المرض أو تعزيز الصفات المرغوبة لدى أطفالهم. لكن هذه الرغبة كانت تسير إلى جانب الرغبة في فرض السيطرة على من يمكنه الزواج، ومن يمكنه الإنجاب ومن يُسمح له بالعيش. وعززت أفكار داروين حول النشوء والارتقاء، المحاولات الجديدة لفرض السيطرة على بيولوجية الإنسان «الجامحة في النمو».
وقد تم تبني علم تحسين النسل بقوة في عشرات البلدان، ومثلت أفكاره أيضاً حجر الزاوية في الآيديولوجية النازية، وشكلت مساراً أدى مباشرة إلى أبواب معسكرات الموت.
واليوم، ومع ازدهار أبحاث تقنيات التحرير والقص الجيني الجديدة، تجري مناقشات علمية وسياسية حول مدى ضرورات «العبث بالحمض النووي» للأطفال الذين لم يولدوا بعد، لجعلهم أكثر ذكاءً، ولياقة، وأقوى جسديا.
ويقدم كتاب «كنترول» CONTROL الجديد قصة محاولات الأقوياء عبر التاريخ لإملاء خططهم في التكاثر المحسن، وتنظيم التفاعل بين التربية والمجتمع، كما يقدم كشفا عاجلا لأحد الأفكار الأكثر تدميراً في القرن العشرين، ويؤكد أن معرفة هذا التاريخ هو «تطعيم لأنفسنا» لمنع تكراره.
وتهدف أفكار علم تحسين النسل Eugenics (وهي مشتقة من اليونانية وتعني النوع الجيد، النبيل)، إلى التعرف على تحسين خصائص الإنسان الوراثية بمحاربة ظاهرة الانحطاط في الجينات البشرية.
وقد نشأت هذه الأفكار بمعناها الحديث في إنجلترا، وكان رائدها فرنسيس غالتون، ابن عم تشارلز داروين. وشاع علم تحسين النسل على نطاق واسع في العقود الأولى من القرن العشرين، ففي المؤتمر الدولي لعلم تحسين النسل، الذي عقد في نيويورك عام 1932 صرح أحد الخبراء صراحة بما يلي: ليس هناك شك في أنه إذا تم تطبيق قانون التعقيم (على المتخلفين والمنحرفين) الإجباري بشكل أكبر في الولايات المتحدة، فستكون النتيجة أنه، في أقل من مائة عام، سنقضي على ما لا يقل عن 90 في المائة من الجرائم والجنون والخرف والغباء والانحراف الجنسي.
إلا أن هذا العلم أصبح فيما بعد مرتبطاً بألمانيا النازية التي وظفته لأهداف «النقاوة العرقية»، وإبادة الجماعات الاجتماعية «غير المرغوب فيها». أما في الاتحاد السوفياتي، فقد تم حظر أبحاث تحسين النسل خلال سنوات حكم ستالين في الثلاثينات والأربعينات لمعارضتها لأفكاره.
وتناول الكاتب محاولات الأقدمين لتحسين النسل، إذ يقال إن سكان مدينة إسبارطة اليونانيين كانوا يغطسون مواليدهم في النبيذ لكي يتمكن الأقوياء منهم فقط من النجاة، وذكر أن الرومان كانوا يغرقون أطفالهم إن كانوا ضعيفين أو معاقين. وكتب أفلاطون أنه يجب مواءمة الشبان الأعلى ذكاء مع الشابات الأعلى ذكاء لتحسين ذكاء النسل.
وفي العصر الحديث كتب فرنسيس غالتون مصنفا النساء إلى: «جذابة، عادية، دميمة» فيما صنف الرجال وفق 16 من الخصائص، وأشار إلى أن الاهتمام بالخصائص يتيح الوصول إلى «جنس جديد من الرجال الأذكياء، مثلما هو الحال عند تحسين نسل النباتات والحيوانات».
ويضيف الكاتب أن علم تحسين النسل ركز في أميركا على الأعراق، بينما ركز في بريطانيا على فقراء المدن. وهكذا كما يقول، وبدلا من التركيز على دور العالم الرأسمالي في زيادة التلوث الصناعي وعوامل الحرمان على المجتمع وعلى تدهور قدرات الإنسان، كان من السهل تفسير ذلك التدهور بواسطة الجينات.
كما يتحدث الكتاب عن بعض الأعاجيب، إذ وصل الأمر بالناشطة البريطانية ماري ستوبز المدافعة عن حقوق التناسل للنساء في بيانها عام 1920 الموسوم «الأمومة الناصعة» إلى الدعوة «لتعقيم كل الأشخاص العفنين بشكل لا صلاح بعده». أما ويليام بيفيردج الذي أسس لاحقا «دولة الرعاية» في بريطانيا فكان لا يدعو إلى أن يفقد العاطلون عن العمل حقهم في المعونات فحسب، بل إلى «أن يفقدوا أيضا الحرية وحق الأبوة»! كما أوصت مجلة «نتشر» العلمية بأن يقوم البرلمان البريطاني «بإكثار الظروف الجيدة بهدف تطوير صنف جديد» من الإنسان.
وحتى ونستون تشرشل وزير الداخلية في وزارة هربيت أسكويث بداية القرن الماضي أدلى بدلوه أيضا، إذ تحدث عن «النمو المتسارع غير الطبيعي للطبقات الضعيفة العقل، والمجنونة». ولذلك يجب «فصلها في ظروف محددة تؤدي إلى اندثار لعنتها، لكي لا تنتقل خصائصها إلى الأجيال اللاحقة». وهذا ما شكل فحوى مسودة «قانون التحكم بالضعيفي العقل» الذي كان قدم عام 1912 لتجريم أي زيجة من تلك الطبقات، والذي لم يصوت البرلمان له.
وهكذا فإن المصيبة تكمن في أن العلم والعلماء الحقيقيين، وغيرهم من الباحثين الذين يبيعون ضمائرهم للقادة السياسيين، يمكن أن يوظفوا طاقاتهم العلمية في منحى بعيد عن أخلاقيات العلم وبعيدا عن أي أخلاقيات اجتماعية.
لقد قال فيدور دوستويفسكي الكاتب الروسي العظيم قبل قرن ونيف، إن أي حضارة، إذا كانت بلا روح، فلا تستطيع أن تضمن أنها ليست ضد أكل لحوم البشر أو ضد الإبادة الجماعية... ولذلك أطلقت عليه أجيال المثقفين الروس فيما بعد لقب «النبي» بعد مشاهدة أهوال الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية في روسيا.
ويضيف بالنص: «إذا أكد أحد الأشخاص من (الأكفاء قليلاً)، أنه سيكون من المفيد أحياناً سلخ الجلد من ظهر شخص آخر، لفائدة الجميع... إذن صدقوني، فإن أشخاصا متفنين في الأداء سيظهرون على الفور، ومنهم حتى من الظرفاء (لتنفيذ ذلك)... ويصبح من غير المعروف أين سنجد أنفسنا: بين الممزقين (بكسر الميم) - السالخين - أم الممزقين (بفتح الميم) - المسلوخين -؟».
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن بعض المفكرين المتدينين كانوا يكافحون نظريات تحسين النسل لأنها تنادي بالقضاء على الضعفاء. إلا أن أنصار هذه النظريات نجحوا في العديد من مساعيهم إذ أجازت الولايات المتحدة تعقيم 70 ألفا من الأشخاص «غير المؤهلين «للإنجاب» وهو ما مهد الطريق أمام ألمانيا النازية لاحقا لاتباع سياسة التعقيم وقتل الضعفاء.
وقد مول معهد روكفلر في الولايات المتحدة معهد ولهيلم كايزر للأنثروبولوجيا والوراثة البشرية وتحسين النسل الذي وضع الأسس الفكرية لأفكار التفوق العرقي لألمانيا النازية. وقال راذرفورد إن «علم تحسين النسل تطور خلال عدة عقود في ألمانيا من المرتبة النظرية إلى مرتبة التطهير العرقي».
إلا أن علم تحسين النسل فقد بريقه بعد الحرب العالمية الثانية، كما يقول الكاتب، إذ استبعدت وثائق حقوق الإنسان عمليات التعقيم القسري، وتحولت تسمية العلم إلى تسمية جديدة «علم الجينات». ومع ذلك استمرت أبحاثه وتوسعت خصوصا في العقدين الماضيين، بعد وضع تسلسل الجينوم البشري وبعد أن أجريت محاولات لفهم خصائص الصفات والأمراض البشرية، وأصبح بالإمكان التلاعب بالجينات.
ويواصل المجتمع طرح التساؤل المحير: إذا كان بإمكان العلماء التلاعب بالجينات فهل يجدر بهم القيام بتحسين النسل البشري. وتكمن الإجابة في ضرورة تأطير العلم بأخلاقيات اجتماعية ذات روح إنسانية.

Control: The Dark History and Troubling Present of Eugenics
by Adam Rutherford


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).