علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

ركز في أميركا على الأعراق وفي بريطانيا على فقراء المدن

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟
TT

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

استعرضت الصحف البريطانية أخيراً كتاباً مهماً بعنوان صارخ «التحكم: التاريخ المظلم والحاضر المقلق لعلم تحسين النسل» لمؤلفه آدم راذرفورد، المتخصص في علم الجينات والإعلامي في ميدان العلوم، أحد الذين أدرجت أسماؤهم في قائمة أفضل الكتاب لصحيفة «صنداي تايمز». وكان قد ألف كتابا سابقا بعنوان «كيف تناقش شخصا عنصريا».
يتناول الكاتب جوانب علم تحسين النسل، الذي يمتاز بتاريخ متناقض من نظريات وتطبيقات طرحها علماء متفائلون بخير البشرية، وآخرون من العلماء العنصريين والفاشست. ولأن عالم اليوم يشهد نجاحات كبرى في أبحاث «الانتقاء الجيني» الموجهة لتحسين صحة المواليد الجدد من العيوب الجينية، فإن هذا الميدان الواعد قد يساء استخدامه لإنتاج أجيال من «المواليد المحسنة النسل».
سعى الناس على مر التاريخ، إلى تحسين المجتمع من خلال تقليل المعاناة أو القضاء على المرض أو تعزيز الصفات المرغوبة لدى أطفالهم. لكن هذه الرغبة كانت تسير إلى جانب الرغبة في فرض السيطرة على من يمكنه الزواج، ومن يمكنه الإنجاب ومن يُسمح له بالعيش. وعززت أفكار داروين حول النشوء والارتقاء، المحاولات الجديدة لفرض السيطرة على بيولوجية الإنسان «الجامحة في النمو».
وقد تم تبني علم تحسين النسل بقوة في عشرات البلدان، ومثلت أفكاره أيضاً حجر الزاوية في الآيديولوجية النازية، وشكلت مساراً أدى مباشرة إلى أبواب معسكرات الموت.
واليوم، ومع ازدهار أبحاث تقنيات التحرير والقص الجيني الجديدة، تجري مناقشات علمية وسياسية حول مدى ضرورات «العبث بالحمض النووي» للأطفال الذين لم يولدوا بعد، لجعلهم أكثر ذكاءً، ولياقة، وأقوى جسديا.
ويقدم كتاب «كنترول» CONTROL الجديد قصة محاولات الأقوياء عبر التاريخ لإملاء خططهم في التكاثر المحسن، وتنظيم التفاعل بين التربية والمجتمع، كما يقدم كشفا عاجلا لأحد الأفكار الأكثر تدميراً في القرن العشرين، ويؤكد أن معرفة هذا التاريخ هو «تطعيم لأنفسنا» لمنع تكراره.
وتهدف أفكار علم تحسين النسل Eugenics (وهي مشتقة من اليونانية وتعني النوع الجيد، النبيل)، إلى التعرف على تحسين خصائص الإنسان الوراثية بمحاربة ظاهرة الانحطاط في الجينات البشرية.
وقد نشأت هذه الأفكار بمعناها الحديث في إنجلترا، وكان رائدها فرنسيس غالتون، ابن عم تشارلز داروين. وشاع علم تحسين النسل على نطاق واسع في العقود الأولى من القرن العشرين، ففي المؤتمر الدولي لعلم تحسين النسل، الذي عقد في نيويورك عام 1932 صرح أحد الخبراء صراحة بما يلي: ليس هناك شك في أنه إذا تم تطبيق قانون التعقيم (على المتخلفين والمنحرفين) الإجباري بشكل أكبر في الولايات المتحدة، فستكون النتيجة أنه، في أقل من مائة عام، سنقضي على ما لا يقل عن 90 في المائة من الجرائم والجنون والخرف والغباء والانحراف الجنسي.
إلا أن هذا العلم أصبح فيما بعد مرتبطاً بألمانيا النازية التي وظفته لأهداف «النقاوة العرقية»، وإبادة الجماعات الاجتماعية «غير المرغوب فيها». أما في الاتحاد السوفياتي، فقد تم حظر أبحاث تحسين النسل خلال سنوات حكم ستالين في الثلاثينات والأربعينات لمعارضتها لأفكاره.
وتناول الكاتب محاولات الأقدمين لتحسين النسل، إذ يقال إن سكان مدينة إسبارطة اليونانيين كانوا يغطسون مواليدهم في النبيذ لكي يتمكن الأقوياء منهم فقط من النجاة، وذكر أن الرومان كانوا يغرقون أطفالهم إن كانوا ضعيفين أو معاقين. وكتب أفلاطون أنه يجب مواءمة الشبان الأعلى ذكاء مع الشابات الأعلى ذكاء لتحسين ذكاء النسل.
وفي العصر الحديث كتب فرنسيس غالتون مصنفا النساء إلى: «جذابة، عادية، دميمة» فيما صنف الرجال وفق 16 من الخصائص، وأشار إلى أن الاهتمام بالخصائص يتيح الوصول إلى «جنس جديد من الرجال الأذكياء، مثلما هو الحال عند تحسين نسل النباتات والحيوانات».
ويضيف الكاتب أن علم تحسين النسل ركز في أميركا على الأعراق، بينما ركز في بريطانيا على فقراء المدن. وهكذا كما يقول، وبدلا من التركيز على دور العالم الرأسمالي في زيادة التلوث الصناعي وعوامل الحرمان على المجتمع وعلى تدهور قدرات الإنسان، كان من السهل تفسير ذلك التدهور بواسطة الجينات.
كما يتحدث الكتاب عن بعض الأعاجيب، إذ وصل الأمر بالناشطة البريطانية ماري ستوبز المدافعة عن حقوق التناسل للنساء في بيانها عام 1920 الموسوم «الأمومة الناصعة» إلى الدعوة «لتعقيم كل الأشخاص العفنين بشكل لا صلاح بعده». أما ويليام بيفيردج الذي أسس لاحقا «دولة الرعاية» في بريطانيا فكان لا يدعو إلى أن يفقد العاطلون عن العمل حقهم في المعونات فحسب، بل إلى «أن يفقدوا أيضا الحرية وحق الأبوة»! كما أوصت مجلة «نتشر» العلمية بأن يقوم البرلمان البريطاني «بإكثار الظروف الجيدة بهدف تطوير صنف جديد» من الإنسان.
وحتى ونستون تشرشل وزير الداخلية في وزارة هربيت أسكويث بداية القرن الماضي أدلى بدلوه أيضا، إذ تحدث عن «النمو المتسارع غير الطبيعي للطبقات الضعيفة العقل، والمجنونة». ولذلك يجب «فصلها في ظروف محددة تؤدي إلى اندثار لعنتها، لكي لا تنتقل خصائصها إلى الأجيال اللاحقة». وهذا ما شكل فحوى مسودة «قانون التحكم بالضعيفي العقل» الذي كان قدم عام 1912 لتجريم أي زيجة من تلك الطبقات، والذي لم يصوت البرلمان له.
وهكذا فإن المصيبة تكمن في أن العلم والعلماء الحقيقيين، وغيرهم من الباحثين الذين يبيعون ضمائرهم للقادة السياسيين، يمكن أن يوظفوا طاقاتهم العلمية في منحى بعيد عن أخلاقيات العلم وبعيدا عن أي أخلاقيات اجتماعية.
لقد قال فيدور دوستويفسكي الكاتب الروسي العظيم قبل قرن ونيف، إن أي حضارة، إذا كانت بلا روح، فلا تستطيع أن تضمن أنها ليست ضد أكل لحوم البشر أو ضد الإبادة الجماعية... ولذلك أطلقت عليه أجيال المثقفين الروس فيما بعد لقب «النبي» بعد مشاهدة أهوال الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية في روسيا.
ويضيف بالنص: «إذا أكد أحد الأشخاص من (الأكفاء قليلاً)، أنه سيكون من المفيد أحياناً سلخ الجلد من ظهر شخص آخر، لفائدة الجميع... إذن صدقوني، فإن أشخاصا متفنين في الأداء سيظهرون على الفور، ومنهم حتى من الظرفاء (لتنفيذ ذلك)... ويصبح من غير المعروف أين سنجد أنفسنا: بين الممزقين (بكسر الميم) - السالخين - أم الممزقين (بفتح الميم) - المسلوخين -؟».
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن بعض المفكرين المتدينين كانوا يكافحون نظريات تحسين النسل لأنها تنادي بالقضاء على الضعفاء. إلا أن أنصار هذه النظريات نجحوا في العديد من مساعيهم إذ أجازت الولايات المتحدة تعقيم 70 ألفا من الأشخاص «غير المؤهلين «للإنجاب» وهو ما مهد الطريق أمام ألمانيا النازية لاحقا لاتباع سياسة التعقيم وقتل الضعفاء.
وقد مول معهد روكفلر في الولايات المتحدة معهد ولهيلم كايزر للأنثروبولوجيا والوراثة البشرية وتحسين النسل الذي وضع الأسس الفكرية لأفكار التفوق العرقي لألمانيا النازية. وقال راذرفورد إن «علم تحسين النسل تطور خلال عدة عقود في ألمانيا من المرتبة النظرية إلى مرتبة التطهير العرقي».
إلا أن علم تحسين النسل فقد بريقه بعد الحرب العالمية الثانية، كما يقول الكاتب، إذ استبعدت وثائق حقوق الإنسان عمليات التعقيم القسري، وتحولت تسمية العلم إلى تسمية جديدة «علم الجينات». ومع ذلك استمرت أبحاثه وتوسعت خصوصا في العقدين الماضيين، بعد وضع تسلسل الجينوم البشري وبعد أن أجريت محاولات لفهم خصائص الصفات والأمراض البشرية، وأصبح بالإمكان التلاعب بالجينات.
ويواصل المجتمع طرح التساؤل المحير: إذا كان بإمكان العلماء التلاعب بالجينات فهل يجدر بهم القيام بتحسين النسل البشري. وتكمن الإجابة في ضرورة تأطير العلم بأخلاقيات اجتماعية ذات روح إنسانية.

Control: The Dark History and Troubling Present of Eugenics
by Adam Rutherford


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».