شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
TT

شاشة الناقد

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»
مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «بيلي»

حكايا بيتية
• إخراج: نضال الدبس
• مصر (2022)
• النوع: تسجيلي | عروض: خاصة

في نهاية فيلم نضال الدبس الأول، «تحت السقف» (2005) تواصل بعض شخصيات الفيلم برمي الفوط صوب السقف الذي يخر ماءً طوال الوقت غاية تجفيفه. كنا رأيناهم يفعلون ذلك في مشاهد سابقة، لكن المخرج شاء خاتمة تؤكد الرمز المنشود. بطل الفيلم (رامي حنا) والآخرون يحاولون سد ثغرات الوضع في بلد يعيشون تحت سقفه. بلا حلول لمشاكلهم الفردية والاجتماعية.
لا عجب أن المخرج السوري (و«تحت السقف» كان من إنتاج السورية العامة للسينما) وجد نفسه بعد ذلك بعيداً عن التداول شأنه في ذلك شأن محمد ملص وعمر أميرالاي (قبل وفاته المبكرة) وهو يذكر ذلك في مطلع فيلمه الجديد «حكايا بيتية» الذي يحمل الهوية المصرية (إنتاج مصطفى يوسف). يذكر أيضاً كيف ارتحل وزوجته وابنتاه الصغيرتان مع مطلع الحرب الأهلية من دمشق إلى بيروت ومنها إلى القاهرة حيث يعيش حالياً. لا يغفل ذكر المظاهرات التي اندلعت في العام 2010 وتأكيد موقفه ضد النظام، ذلك الذي أوحى به في فيلمه السابق.
مثل «لأجل سما»، الفيلم التسجيلي الذي حققته وعد الخطيب قبل ثلاث سنوات، والعديد قبله وبعده «حكايا بيتية» هو عن الأنا والعائلة. مثل الفيلم المذكور تحديداً هناك عناية بإظهار حبه وزوجته بابنتيه. يكاد الفيلم في ربع ساعته الأولى أن يوحي بأننا سنشاهد عملاً آخر من تلك الأفلام التسجيلية التي تدور حول عائلة المخرج في منفاها. العنوان المختار للفيلم يؤكد ذلك أساساً.
لكن «حكايا بيتية» ينتقل ما بين حكايتين في الأصل ليس هناك الكثير من «الحكايا» البيتية. هي ملخصة في ذكرياته للبيت الدمشقي الذي عاش فيه وهجره خشية من وصول موسى النظام إلى عنقه وكيف ترك فيه أشياءه وارتحل ويحاول الآن الحصول على ما تيسر منها مما تستطيع شقيقته إرساله إليه. كل هذه حكاية واحدة وفي مقابلها حكاية ليست بيتية فالمخرج ينطلق لتصوير محاولة بعض المهتمين بترميم صالة سينما مهجورة في منطقة الحلمية. الترميم لا يقع في الفيلم. لا نراه ولا نرى عودتها إلى الحياة. ما يعرضه المخرج هو ما استطاع الوصول إليه في الفترة السابقة لبدء العمل (هذا إذا بدأ فعلاً بعد إتمام فيلمه) ويحتوي على مقابلات مع رجال يعيشون في الجوار ويتذكرون جيداً الصالة وتاريخها. كذلك على تصوير الصالة من الداخل وما تحويه من جدران ومقاعد وستائر.
أفضل ما في الفيلم هو اللمسات الحانية في المشاهد العائلية الأولى. هو الجانب الذي تشعر بقربه العاطفي من المخرج كما بقرب دمشق التي تعيش فيه. لكن هذا الجانب غير قابل للذوبان مع حكاية الصالة المهجورة وما يحدث لها. كلاهما فيلم تم جمعه والآخر. صحيح أن التناوب بينهما طوال الوقت يخلق الفيلم الماثل أمامنا، لكن لكل منهما شأنه البعيد عن الآخر خصوصا أن نضال الدبس يتحول حين يتحدث عن تلك الصالة إلى مجرد متابع كونه ليس من سيقوم بنفسه بترميم الصالة وكونها ليست من معين الذكريات ذاتها.
العلاقة الوحيدة بين ذكرياته وبين الحاضر المتمثل بموضوع الصالة مُناطة بتأسيس نادي السينما في دمشق وإغلاق النادي (يضع مسؤولية ذلك على موقف السلطة من الثقافة البديلة). لكن حتى هذه العلاقة لا تتبلور جيداً كون التعليق المصاحب لوضع الصالة لا يمنحنا مشاعر المخرج العضوية حيالها. هو هناك ليلتقط كلاماً وصوراً.
يصاحب الفيلم طوال الوقت تعليقه المكتوب والمُلقى جيداً وعلى نحو كاف. في نهاية مطافه «حكايا بيتية» فيلم يختزن معانيه حول معاناة المخرج السوري المعارض. ليسوا جميعاً توجهوا إلى الغرب وانخرطوا فيه. فيلم نضال الدبس هو، في معظمه، عن تجربة حياتية ما زالت مستمرة. كان يمكن للفيلم أن يكون أفضل لو أتيحت للمخرج ظروف أفضل تابع من خلالها قضيته بمنوال واحد.
Belle
• إخراج: مامورو هوسودا
• اليابان (2021)
• النوع: دراما | عروض: تجارية

فيلم مخرج الرسوم الياباني مامورو هوسودا هو تاسع أعماله، وفي غضون أسابيع قليلة قد يفوز بواحد من الترشيحات الخمسة في مسابقة آني المتخصصة بسينما الأنيميشن. وربما ورد ذكره أيضاً حين إعلان ترشيحات الأوسكار في هذا الميدان الحافل.
نقاد السينما في أوروبا والولايات المتحدة أحبوا هذا الفيلم وبعضهم بالغ في حبه. هو بالتأكيد جيد التنفيذ ويأتي بحكاية فيها كل متطلبات وعناصر أفلام التحريك الرائجة، لكنه من ناحية أخرى يبدو تقليداً لأعمال والت ديزني أكثر مما ينتمي إلى سابق أعمال المخرج ذاته («الفتاة التي تقفز في الزمن»، «حروب صيف»).
الحكاية الغرائبية موجودة بطبيعة الحال. أفلام هوسودا السابقة في هذا المجال التزمت بها كونها باتت شرطاً أساسياً ما دام أن العنصر الطاغي في سينما الأنيميشن هو الفانتازيا. لكن يتبدى هنا أن الرغبة ما عادت توفير الفانتازيا الغريبة بل العمل من خلالها على تنقية شروط تنفيذ تتخلص من الانتماء الياباني لتسهيل حركة القبول عالمياً.
إنها ليست المرة الأولى التي تندفع فيها سينما الرسوم اليابانية في هذا المجال بالطبع، لكن الفواصل المفترضة بين ما هو محلي وما هو تسويقي - عالمي تضمحل هنا على نحو شبه كامل. الفيلم في مجمله يبدو كما لو كان من إنتاج مصنع وولت ديزني. الموسيقى والغناء والحركات التي تبدأ وتنتهي في ثانية يسبح خلالها الشخوص في الفضاء بكامله. الإيقاع ونوعية الرسم وحتى استخدام نسخة إنجليزية الحوار كلها تفضي إلى مسح خصوصية يابانية واستبدالها بواسطة أخرى.
بطلة الفيلم اسمها سوزو (كايلي مكنيل). هي شابة متواضعة وبسيطة كانت فقدت والدتها في حادثة قبل عدة سنوات فنشأت منعزلة وحذرة من الاختلاط. كانت تغني في الحفلات المدرسية وسواها لكنها الآن فقدت القدرة فزادها ذلك تقوقعاً. لكن عندما تدخل سوزو عالماً افتراضياً اسمه U تجد نفسها وقد تحولت إلى شخص جديد يجيد الغناء. وما لم تستطع سابقاً ممارسته في العالم الحقيقي باتت تمارسه الآن في ذلك الكيان الموازي وتحقق به نجاحاً كبيراً. لكن النجاح هو وجه واحد من وجهي العملة. الثاني يحمل معه متاعب جديدة.
غناء سوزو (التي أصبح اسمها Belle) عذب وجميل وهناك الكثير منه إنما ليس على النحو الذي يترك متعة في البال. ترقب الاستعراضات كحركات جيدة التصميم والتنفيذ وخالية من المتعة في الوقت ذاته. ومع حكاية تهدف لحث الصغار على التحدي، فإن المرء، وقد تخطى تلك الفترة اللينة من العمر، لا بد أن يتساءل ما إذا كان الصغار من المشاهدين يستطيعون استيعاب هذا الدرس وتنقيته ثم هضمه. هل يريد الفيلم تبني مبدأ أنه إذا كنت ما زلت شاباً (أو شابة) صغيراً ولديك أحلام لا تستطيع تحقيقها في الواقع عليك بالعالم الافتراضي رغم محاذيره؟ حتى الفيلم ذاته ينشغل عن رسالته هذه (أو رسالة أخرى) يريد توفيرها رغبة في دفع أولويات أخرى (مثل الإبهار البصري والإيقاع السريع) إلى الأمام.

Scream
• إخراج: مات بتينلي - أولبن وتايلر جيليت.
• الولايات المتحدة (2022)
• النوع: رعب | عروض: تجارية...

في العام 1996 أطلق المخرج الراحل وس كرافن سلسلة Scream بنجاح كبير: هناك كلية في بلدة اسمها وودسبورو (ولاية كاليفورنيا) وقاتل يحمل وجهاً مطاطياً وماهر في استخدام آلات القتل الحادة. يتعقب الفتيات والفتيان لقتلهم ولا أحد يعرف لماذا يفعل ذلك حتى هذه الساعة.
لكننا جميعاً نعلم لماذا علينا أن نخوض في هذا الموضوع مجدداً: هناك فرصة لإحياء المسلسل الذي احتوى سابقاً على أربعة أجزاء، والانطلاق به في أربعة أخرى أو أقل أو أكثر. لكن الحكاية لا يمكن أن تتعرض لتغيير كبير: الكلية. القاتل المجهول. الطلاب الأبرياء. القتل. الصراخ. الخوف الخ…
إذا فات القارئ أي من أفلام الأمس فإن الجزء الجديد يحمل ما يكفي من النوستالجيا. لكن إذا أراد مشاهدة ما هو أفضل منه عليه الانتقال إلى فيلم كرافن الذي من مميزاته مزج الخوف بالسخرية والرغبة في إطلاق الصرخات لجانب الضحكات في وقت واحد. هذا يبدو عصياً على الفيلم الجديد.



كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.


شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

LES YEUX VERTS

★★★

إخراج: فاني لياتار وجريمي ترويل

‫ فرنسا/ السويد (2026) ‬

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال. نور (سيد العلامي) صبي يلجأ إلى النوم ويغرق فيه، وسنرى ما يحلم به، ثم نجد شقيقته شايا (دعاء بوطابوش مزرقي) تحاول إيقاظه من سباته العميق، وحين تفشل تدخل عالمه الخيالي. بواعث هذه الرحلة في باطن العقل متوفرة؛ فالصبي يعيش محنة عائلة مهاجرة مهددة بالطرد. يعيش في الواقع أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب ظروف تتعلق بسياسة خارجية لا يستطيع، بطبيعة الحال، فعل شيء حيالها. لكن ما إن نتسلل وإياه إلى العوالم الداخلية التي تتراءى له حتى تنحصر الحكاية في كيفية متابعة تلك العوالم التي باتت تشكل حاضر نور. بذلك تتراجع دواعيها.

هذا هو فيلم الافتتاح لدورة مهرجان لوكارنو هذا العام (يوزع جوائزه في الخامس عشر من الشهر الحالي). يمكن للمرء أن يقدّر اختيار المهرجان لهذا الفيلم؛ ذلك لأن المخرجين حرصا على توفير جماليات بصرية أخاذة في أكثر من موضع، ليس فقط على صعيد تصوير تلك الأحلام التي تدور الأحداث فيها بعد فصل تمهيدي، بل أيضاً في تلك المشاهد التي تقع في اليقظة. نتابع رفض السلطات الفرنسية تجديد إقامة الأب (عمر الجباعي) وولديه، ثم سفره إلى إسبانيا تاركاً ولديه، على أمل أن يجد سبيلاً لنقلهما لاحقاً واللجوء معهما إلى بريطانيا. حين يلجأ نور إلى النوم رافضاً اليقظة (وهي حالة تُعرف علمياً باسم «متلازمة الاستقالة» من الواقع عبر النوم)، يواجه الفيلم متاعب كثيرة، ليس في الانتقال بين الخيال والواقع فحسب، بل أيضاً في بناء سرد قوي يتكفَّل بحمل ثقل الموضوع بأسره.

ربما تعويضاً عن ضعف الدراما، أو نتيجةً له، يطغى التشكيل على المضمون، وتطغى البصريات على الدراما. الجانب السياسي للأزمة التي - افتراضياً - تسببت في كل ما سيتبعها من محاولة نور الهروب من الواقع ومحاولة شايا استرجاعه، كان يمكن أن يحظى بتأكيد أكبر، لكي لا يفلت الفيلم صوب الفانتازيا وحدها.

DONKEY PRINCESS

★★︎

إخراج: يواكيم كوسينا

وكريستوفال ليون

‫ تشيلي/ فرنسا (2026) ‬

من الممتع والمثير أن نشاهد أخيراً فيلماً يقتبس حكاية أخرى للمؤلف الفرنسي شارل بيرو (1628-1703)، غير حكاياته الأشهر «سندريللا» و«الجمال النائم» (The Sleeping Beauty) و«ذو اللحية الزرقاء». ليس أن «جلد الحمار» (العنوان الأصلي للرواية) لم تقدِّمها السينما من قبل، لكن ما قدّمته بقي قليلاً وغير ذي أثر، من بينها فيلم صامت (1906)، وفيلم قصير (2013)، وفيلم فرنسي حققه جاك ديمي سنة 1970.

«أميرة الحمار» (ملف مهرجان لوكارنو)

الفيلم الجديد يختلف عن كل المحاولات السابقة من حيث إنه يجمع بين التصوير الحي مع ممثلين والأنيميشن، وقدر كبير من المؤثرات والتصاميم الفنية المثيرة بحد ذاتها، بناءً على خبرة المخرجين السابقة في الميدان نفسه.

الحكاية ذات خط واضح: ملك بريطانيا، في زمن غابر، يفاجأ بوفاة زوجته التي يحب. إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الموت، لكنه سيفعل شيئاً حيال الأحياء. سيقرر أن الحب ممنوع في مملكته، ومن يحب سيعاقب. الجميع واقع تحت هذه الهيمنة، بمن فيهم ابنته ديانا (أنطونيا غيزن)، التي تعيش أسوأ مراحل حياتها بسبب استبداد الأب وحرصه على منعها من الوقوع في الحب. ستجد الحبيب، رغم ذلك، في شخص شاب اسمه لالو (أندرو بارغستد). عندما يكتشف الأب ما حدث، ينفي الحبيب إلى أرض قفراء لا يمكن العيش فيها. لكن، قبل نفيه، يمنح لالو معشوقته إسوارة تستطيع أن تنقلها إلى أي زمان ومكان تختاره.

للهرب من وطأة الوضع، تستخدم ديانا الإسوارة لتجد نفسها في حالات مختلفة. هي مرّة على شاطئ البحر مع زوجها، وفي مرّة أخرى ممثلة في برنامج تلفزيوني تؤدي دور حمار. يحدث هذا قبل أن تلتقي لالو في تشيلي. نقلة مفاجئة تنجح فقط لأنها محض خيالية، وبالكاد تتجنّب السذاجة بفضل خيط متواصل من الأحداث والمزج الناجح - تقنياً - بين الصورة الحية والرسم، المحاطَين بتصاميم إنتاجية وديكورات مقبولة.

لا يمكن أن يكون المؤلف بيرو قد وضع مثل هذه النهاية، ولا حاك ذلك النوع من الخيال، لكن المخرجين يمنحان نفسيهما الحرية في التصرّف بالمادة على النحو الذي يريانه مناسباً لرؤيتهما. إنه نجاح تقني، وليس نجاحاً فنياً كاملاً، يؤكده الفصل الأخير الذي يبعثر الاهتمام وينجلي عن نهاية هابطة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.