«في النقد الموسيقي» يشرح أبعاد الموسيقى العربية وجذورها

«في النقد الموسيقي» يشرح أبعاد الموسيقى العربية وجذورها

التفت حول أربعة أعمدة غنائية تتنوع أساليبها من بلد إلى آخر
الاثنين - 29 محرم 1443 هـ - 06 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15623]

رغم أن المؤلف والباحث الموسيقي المصري الدكتور فتحي الخميسي في كتابه «في نقد الموسيقى» ركز على عدد من القضايا الموسيقية الهامة والتي قد تكون موجهة أكثر للدارس المتخصص، فإنه سعى من منطلق إيمانه بروحانية الموسيقى العربية إلى تقريب الأفكار الرئيسية التي طرحها في الكتاب من ذهن وعقل القارئ العام، وشرح كيف تبلورت وتوحدت منظومة الموسيقى العربية.
ذكر الباحث أن حضارات روما وإيران وتركيا العثمانية لم تقدم سوى البنى ذاتها التي قدمتها نظيرتها العربية في تطورها العام، بداية من إنشاء وإقرار النظام الإيقاعي، والمقامي، ثم تشييد البناء اللحني على مراحله الأربع بداية من اللحن المفرد، حتى سلسلة الألحان ذات القاسم المشترك والتي يربط بينها موضوع واحد.
وقال إن العرب التفوا حول أعمدة غنائية أربعة هي الصوت والموال والموشح والقصيد، وبدأوا في ذلك، وكأنهم عقدوا العزم على نسج رباط وثيق للروح العربية من خيوطها نفسها، وقد صنع كل قطر لنفسه نموذجاً خاصاً من الغناء، فتبنى عرب آسيا ولا يزالون قالب الصوت، كما تبنى غالبية العرب قالب الموال، أما الموشح فقد أصبح قاسماً مشتركاً للجميع مع تبدل بعض أساليبه من بلد لآخر، وهو ما يعني أن الموسيقى العربية ذات تقاليد وأعراف متميزة، وأن لديها منظومة فنية متماسكة لها نظم وقواعد مترابطة، وفيها من تماسك النظام الواحد ما يثير الدهشة.
وذكر الخميسي أن قالب الصوت الذي ينشد منه سعود الراشد في الكويت، هو نفسه ذلك النبات القديم الذي قاد إلى قصيد الأطلال التي غنتها أم كلثوم، والذي نما جزء منه في دمشق الأموية، وبغداد العباسية، وامتد جزء ثالث منه إلى مصر المعاصرة، وهناك جزء ما زال باقياً في أرض الكويت ينمو بجذوره من جديد، أما الموشح فهو الذي منح سوريا القدود الحلبية، وتعد من أهم منجزاتها الموسيقية، ولا يمكن أن ينكر أحد دور المطرب صباح فخري في تقديمها بألحانها المتعددة والمختلفة، وهي بالطبع موشحات، ولكن على الطريقة السورية، وقد منحها الموسيقيون اسم «قَدْ»، لأنها صيغت على قَدْ الموشحات العربية، والتي شكلت بدورها في بلاد المغرب العربي تراثها الغنائي المتنوع بين النوبات والمألوف والآلة والصنعة والأندلسي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يرى الدكتور الخميسي أن ضربا إيقاعيا مثل «الشنبر الحلبي»، لعب دوره في موسيقى مصر المعاصرة، وأن موسيقى سوريا تعرف أن إيقاع «المصمودي» نشأ في مصر، وهذا في رأيه ما يشير إلى أن إيقاعات الأقطار العربية وصلت إلى أقصى حد من التقارب، في وقت لم يكن بوسع أي حضارة في العصور الوسطى أن تقدم أكثر مما أنجزته الموسيقى العربية.
وفي الفصل الثاني الذي خصصه الخميسي عن الموسيقى الفرعونية، ورغم أنه نفى تماماً وجود أي مدونات موسيقية موروثة من القدماء المصريين، فإنه أشار إلى أنهم سعوا بالتأكيد لذلك، فضلاً عن ابتكار طريقة لكتابة الموسيقى، وقال: «ربما كانت لديهم طريقة أولية في التدوين أخفاها طي الكتمان الكهنة الذين كانوا يحتكرون أسرار العلوم والمعرفة بوصفهم أرستقراطية حاكمة»، لكن من المؤكد أن العلماء لم يصلوا بعد لما يدل على أنهم تركوا أي إيقاعات موسيقية، شأنهم في ذلك شأن باقي حضارات عصور ما قبل الميلاد، بابل وسومر وأشور وفينيقيا، التي اختفت إيقاعاتها هي الأخرى، أما أول ما وصل الموسيقيين من تلك العصور فيعود للحضارة الإغريقية.
وخلال بحثه عما خلفه الفراعنة من تراث موسيقي، لفت الخميسي إلى أن أهم الآلات الإيقاعية جاءت من بين ما خلفوه لنا، وتعتبر أم الآلات الإيقاعية العصرية، وهي الدف، وكذلك «الطار»، وهو دف كبير الحجم، فضلاً عن الطبل البلدي، وطبل المسحراتي (النقرزان) بتعريف هذه الأيام، وكان يقرع بعصاتين رفيعتين بيد العازف، أما المدهش الذي اكتشفه من بين التراث الفرعوني، فكان صنوج الراقصة، وصورها محفورة على جدران المعابد وتظهر ممسكة الصاجات بأصابعها مثلما تمسكها راقصات اليوم، أما عن الدفوف والطارات فتبدو في يد رجال ونساء، وهم جزء من منظومة تتشكل من فرق موسيقية كثيرة العدد، كما تظهر في رسومات المعابد وحفرياتها العديد من آلات والمنشدين والراقصين المصاحبين لها.
وفي إطار تصنيفه للآلات الموسيقية الفرعونية، قسم الخميسي ما رصده منها على جدران المعابد إلى 6 أقسام، منها آلات النفخ، والآلات الوترية، والإيقاعية، والمؤثرات التي تصدر عن رج واصطكاك الأجسام ببعضها، وقد وصلنا من كل هذا الصفارات الطويلة كثيرة الثقوب، والنايات القصيرة، فضلاً عن الصفارات النحيلة، و«المزدوجة»، التي تتكون من قصبتين، وتتميز بالقصر الشديد، وتظهر بالكاد في كف العازف، وإليها تعود آلة «المجرودة» البدوية الحالية، وهناك أيضاً الصفارة المزدوجة الطويلة والأخرى التي بلا ثقوب وتصدر نغمة واحدة فقط أو نغمتين.
وذكر الخميسي أن هناك تشابهاً عجيباً بين آلات الفراعنة وسواها مما يوجد في التخت الموسيقي المصري المعاصر، كما أن لدينا تشابهاً مع الطابع الموسيقي الفرعوني الذي يعتمد على الصوت الغنائي، حيث يذهب الجميع للاستماع للمغنيين والمغنيات، مما يعني أن الغناء أساس قديم لحفلات المصريين.
وفي الفصل الثالث من الكتاب سعى الخميسي إلى إجراء عدد من التطبيقات العملية على ألحان موسيقية مصرية قدمها ملحنون مثل سيد درويش، وزكريا أحمد، ومحمد الموجي، ومنير مراد، ومحمد عبد الوهاب، ومحمود الشريف، وغيرهم، ولفت إلى أن الدعوات التي تنادي باحتقار الطقطوقة سوف تجعل المصريين يمحون غالبية تراثهم الموسيقي، فمعظم ما قدم عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد وشادية، وليلى مراد وعبد المطلب يعود في أصله إليها، وقد تمتعت بأهمية بالغة لدى عدد أكبر من جهابذة المدارس الموسيقية المصرية بمن فيهم سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد فوزي، وشهدت ازدهاراً كثيراً بعد الاهتمام بها وتقديمها ضمن أحداث الأفلام على مدى تاريخ السينما المصرية.
وخصص الخميسي الفصل الرابع من كتابه للحديث عما تعاني منه الموسيقى العربية، وأشار إلى أن مشاكلها تأتي من كونها غنائية بالكامل، وفردية، وتخلو من الحوار، مما يشير حسب وجهة نظره إلى أن الموسيقى العربية تفتقر إلى المعزوفات والغناء الجماعي والحواري، ويحتل المرتبة الأولى في أهميتها الغناء الفردي، مما ينتج عنه في النهاية احتلال المطربين صدارة المشهد بدلاً من العازفين، أما الفصل الخامس والأخير فقد ارتكز على التأثير الغربي على الموسيقى العربية، وتسببت فيه مدارس محمد علي باشا الموسيقية التي افتتحها، وقام بالتدريس فيها موسيقيون فرنسيون، واستخدموا مناهج وعلوم وآلات غربية، مما أدى إلى العصف بعلوم الشرق الموسيقية وزعزعة ركائزها، وقسمتها إلى مدرستين الأولى مدرسة السيمفونيين، والثانية مدرسة الموسيقى العربية.


Art

اختيارات المحرر

فيديو