حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

في كواليس النشر ومعارض الكتب على مدار نصف قرن

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت
TT

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

قليلأ ما يلجأ ناشر إلى كتابة سيرته المهنية والحديث عن كواليس عالم النشر، والكشف عن خفايا ثقافية، وما يدور في خلفيات معارض الكتب. لكن ناصر جروس قرر أن يبوح ويسرد ويؤرشف، ويكتب حكايته كناشر لبناني بدأ مع شقيقه الراحل باسل بمركز لتوزيع الكتب، ومن ثم أسسا مكتبة «لوبوكان» التي أدارها شقيقهما رفيق، ومن بعدها افتتح الشقيقان مكتبة كبيرة في أحد الشوارع الرئيسية في طرابلس. واستطاع ناصر وباسل أن يطلقا دار نشر «جروس برس» عام 1980، وكان ذلك في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث النجاة بالروح، هو ما يشغل الناس، فيما انصرف آل جروس إلى لعب دور ثقافي، سواء في التوزيع أو المساهمة الفاعلة في المعارض، أو حتى التعاون مع المدارس. وكان أول كتابين أصدرتهما دار «جروس برس»، هما «عودة النصارى إلى جرود كسروان» و «حوادث لبنان وسوريا».
يجمع الموّلّف الأنيق، الذي يحمل اسم «حكايتي مع الكتاب» الذي أصدره مؤخراً الناشر ناصر جروس، بين السيرة الذاتية الشخصية، والحياة المهنية التي خطاها على مدار أكثر من ستين سنة بصبحة الكتب. من مبنى قديم في شارع عز الدين في أحياء طرابلس القديمة حيث مركز توزيع الكتب، المجاور لمركز توزيع الصحف وهي المهمة التي تولاها عمه ووالده لسنوات طوال. ومن هنا ورث الإخوة جروس علاقتهم بالورق، وصولاً إلى نيويورك وفرانكفورت، ولندن، والمحافل الدولية المختلفة، يتحدث الناشر عن رحلة غنية، ويكشف عن معلومات عديدة ومثيرة.
يتحدث جروس عن هجرة العائلة من فلسطين، والطفولة في طرابلس، والمرحلة الجامعية في بيروت، ومن ثم الانطلاقة المهنية التي لا تشبه تخصصه في الحقوق. حيث سيلعب، من طرابلس، بتوزيع الكتب الآتية من مصر وغيرها من الدول العربية، دوراً مهماً. ومن هذا الباب ستكون المشاركة في معارض الكتب، ومن بعدها تأسيس «جروس برس»، وانتخاب ناصر جروس عام 1992 في عضوية مجلس إدارة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين، ثم يعاد انتخابه. كان ذلك مع نهاية الحرب الأهلية، وعودة السلام والحياة الطبيعية إلى لبنان، حيث انطلقت مرحلة تأسيسية جديدة، وبدأت نقابة الناشرين تفعّل من وجودها. ويسلط جروس الضوء على الدور الذي لعبه شخصياً، سواء في معرض طرابلس أو من خلال استحداث «معرض لبنان الدولي للكتاب»، كما العلاقات التي نسجها مع جهات أوروبية ومن ثم أميركية. وربما أكثر ما يلفت في الكتاب، هو الشق المتعلق بمشاركة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004. هذا الحدث الذي أسال الكثير من الحبر يومها، وتسبب بخلافات وتقاذف للتهم بين الناشرين العرب أنفسهم.
ومعلوم أن بيروت شهدت لسنوات معرضين للكتاب في السنة، أحدهما كان ينظمه النادي الثقافي العربي، وهو أقدم معرض عربي للكتاب تأسس عام 1956، وآخر مستجد هو الذي كانت تنظمه نقابة الناشرين اللبنانيين واستمر لثماني دورات، قبل أن يعاد توحيد المعرضين. ويشرح جروس، أن هذا المعرض الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول جدواه، وكان مديراً له، بأن الغاية منه كانت، أن ينفتح لبنان على حركة النشر الدولية، وتبادل عملية بيع وشراء الحقوق، ونسج علاقات مع مسؤوليين دوليين في عالم الكتب. وهو في رأيه ما تحقق، وفتح باباً للتعاون في مجالات واسعة.
ومما يقوله الكتاب، إن شرارة استضافة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 انطلقت من الدورة الأولى لهذا المعرض، حيث بدأ تعاون مع «معهد غوته» في بيروت حيث خرج الألمان بانطباع إيجابي. ويكتب جروس أنه على الأثر اتصل بالمسؤولين في معرض فرانكفورت ودعاهم للمشاركة في الدورة الثالثة، وهكذا كان حيث أدار الجناح الألماني في معرض بيروت، ولمدة خمس سنوات متواليات، ستيفن بارتلمس، وهذا ما فتح الباب على تعاون مع مؤسسات دولية عدة استفاد منها الناشرون اللبنانيون، والعرب.
وللمرة الأولى نعرف أن ناصر جروس هو الذي اقترح على إدارة معرض فرانكفورت استقبال العرب كضيف شرف، وأن هؤلاء شرحوا له أن عراقيل كثيرة تحول دون ذلك، منها أن ضيف الشرف عادة ما يكون دولة وليس مجموعة دول، وعدم احترام العرب لحقوق المؤلف والملكية الفكرية، وكذلك انخفاض سقف حرية التعبير هي من العوائق. وأن جروس أقنع الجانب الألماني عام 1999 بأن المشاركة يمكن أن تكون تحت سقف الجامعة العربية، وأن حرية النشر العربي واحترام الحقوق مما يمكن تطويرهما بالتعاون والمساندة. ساعد أن كان غسان سلامة وزيراً للثقافة في لبنان، فعرض الموضوع خلال اجتماع لوزراء الثقافة العرب، تمت الموافقة، ورفع الأمر إلى الجامعة العربية، وخصص لهذه المشاركة مبلغ ستة ملايين دولار، تسهم بها كل دولة عربية بحصة توازي نسبة مساهمتها في ميزانية الجامعة، وكلف غسان سلامة بالإشراف العام على تنفيذ الحدث ومتابعته.
هنا يروي جروس أن أمرين حصلا، همشا الدور اللبناني، ترك هو مجلس إدارة النقابة في هذه الفترة، وطلب الأمين العام لأمم المتحدة من غسان سلامة أن يكون ممثله الخاص في العراق، فاعتذر الرجل من متابعة الإشراف وعين مكانه دكتور محمد غنيم من مصر. ويقول جروس «هنا شعرت أن المشروع سيواجه صعوبات. وبالفعل تصرف غنيم وكأنه يدير مشروعاً خاصاً. اصطدم بالجميع من إدارة معرض فرانكفورت والدول العربية المشاركة، وخاصة الخليجية، التي سددت القسم الأكبر من الميزانية إلى اتحاد الناشرين العرب. كانت ميزانية المشروع قد نصّت على ترجمة 500 كتاب تمثل الإبداع العربي إلى الألمانية، ولكن لسوء الحظ لم يترجم إلا حوالي 100 عنوان أكثريتها لا قيمة أدبية لها».
هي من المرات القليلة في الكتاب التي يلقي فيها جروس باللائمة على شخص بعينه. وهي وجهة نظر تستحق أن تقارن بآراء أخرى، لفهم ما حدث في تلك الفترة، وسبب الإرباك واللغط الكبيرين اللذين أحاطا بالمشاركة التي شغلت عالم الكتاب العربي يومها. إذ يضيف جروس أنه عندما ذهب الفريق اللبناني إلى فرانكفورت للقاء إدارة المعرض «فوجئنا بانزعاجها من تصرفات دكتور محمد غنيم غير المهنية، وغير المبنية على الآداب واللياقة».
على أي حال، يعتبر جروس هذه المشاركة فتحت الباب واسعاً، أمام علاقات عربية دولية في عالم النشر، كان لها كثير من الأثر الإيجابي، منها مشاركة العرب في معرض لندن للكتاب كضيف شرف عام 2008، ومن ثم مساهمة ناصر جروس حين كان ممثلا لمعرض أميركا للكتاب في الشرق الأوسط، في استضافة العالم العربي كضيف شرف في معرض نيويورك للكتاب عام 2009.
الكتاب مليء بالمعلومات لمن يريد كشف خلفيات العمل النقابي في اتحاد الناشرين اللبنانيين. جروس نقابي حتى العظم وقد صب جلّ اهتمامه ولسنوات طوال على تمتين دور النقابة، وتفعيل علاقة الناشرين اللبنانيين والعرب بمسؤولين غربيين عن النشر، وهو ما عاد بالنفع العميم، لكن هذا لم يمنع كما يقول جروس من التذمر من دوره، وخاصة عندما كان مديراً لمعرض لبنان الدولي للكتاب. فقد انزعج البعض من حيويته وعلاقاته، ورغب البعض بالتخلص منه واخراجه، وهذا ما حصل. وهو لا يندم لأنه أهمل عمله التجاري من أجل النقابة، ولتحقيق حلمه بتطوير العمل وفتح أبواب النشر العربي على العالم. يقول إنه كان ينسى التسويق لكتبه، أو عقد صفقات كما آخرين، حيث ينغمس في مهماته النقابية، ولم يفعل كما غيره ممن أولوا مصالحهم الشخصية على الشأن العام. لم يندم على ما فعل، بعد أن تم إخراجه من مجلس النقابة، لكنه يعيد النظر في كل سبق، وبكم التضحيات التي قدمها، دون أن يمنعه ذلك من المضي في العمل مع جهات عدة، مستفيداً من علاقاته الدولية، لمساعدة دول عربية في تطوير عملها في مجال النشر.
من يرد أن يقرأ عن الخلافات داخل النقابة، التي تحكمت بها المصالح الشخصية والولاءات السياسية فلا بد أنه سيستمتع بالعودة الى الكتاب. لكن يكتب لجروس أنه لم يلجأ إلى التشفي، أو الإثارة. ولم يذكر بالاسم إلا أولئك الذين أراد أن يتحدث عن مآثرهم، وإنجازاتهم.
لكن الكتاب يعطي صورة واضحة عن متاعب عالم الناشر في لبنان والعالم العربي، حيث إنه يعرج على اتحاد الناشرين العرب من خلال معرفته الوثيقة به. الكتاب من القطع الكبير والأنيق المزود بصور، ووثائق، ومقالات ومقابلات ورسائل من الأرشيف.



المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.