حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

في كواليس النشر ومعارض الكتب على مدار نصف قرن

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت
TT

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

قليلأ ما يلجأ ناشر إلى كتابة سيرته المهنية والحديث عن كواليس عالم النشر، والكشف عن خفايا ثقافية، وما يدور في خلفيات معارض الكتب. لكن ناصر جروس قرر أن يبوح ويسرد ويؤرشف، ويكتب حكايته كناشر لبناني بدأ مع شقيقه الراحل باسل بمركز لتوزيع الكتب، ومن ثم أسسا مكتبة «لوبوكان» التي أدارها شقيقهما رفيق، ومن بعدها افتتح الشقيقان مكتبة كبيرة في أحد الشوارع الرئيسية في طرابلس. واستطاع ناصر وباسل أن يطلقا دار نشر «جروس برس» عام 1980، وكان ذلك في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث النجاة بالروح، هو ما يشغل الناس، فيما انصرف آل جروس إلى لعب دور ثقافي، سواء في التوزيع أو المساهمة الفاعلة في المعارض، أو حتى التعاون مع المدارس. وكان أول كتابين أصدرتهما دار «جروس برس»، هما «عودة النصارى إلى جرود كسروان» و «حوادث لبنان وسوريا».
يجمع الموّلّف الأنيق، الذي يحمل اسم «حكايتي مع الكتاب» الذي أصدره مؤخراً الناشر ناصر جروس، بين السيرة الذاتية الشخصية، والحياة المهنية التي خطاها على مدار أكثر من ستين سنة بصبحة الكتب. من مبنى قديم في شارع عز الدين في أحياء طرابلس القديمة حيث مركز توزيع الكتب، المجاور لمركز توزيع الصحف وهي المهمة التي تولاها عمه ووالده لسنوات طوال. ومن هنا ورث الإخوة جروس علاقتهم بالورق، وصولاً إلى نيويورك وفرانكفورت، ولندن، والمحافل الدولية المختلفة، يتحدث الناشر عن رحلة غنية، ويكشف عن معلومات عديدة ومثيرة.
يتحدث جروس عن هجرة العائلة من فلسطين، والطفولة في طرابلس، والمرحلة الجامعية في بيروت، ومن ثم الانطلاقة المهنية التي لا تشبه تخصصه في الحقوق. حيث سيلعب، من طرابلس، بتوزيع الكتب الآتية من مصر وغيرها من الدول العربية، دوراً مهماً. ومن هذا الباب ستكون المشاركة في معارض الكتب، ومن بعدها تأسيس «جروس برس»، وانتخاب ناصر جروس عام 1992 في عضوية مجلس إدارة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين، ثم يعاد انتخابه. كان ذلك مع نهاية الحرب الأهلية، وعودة السلام والحياة الطبيعية إلى لبنان، حيث انطلقت مرحلة تأسيسية جديدة، وبدأت نقابة الناشرين تفعّل من وجودها. ويسلط جروس الضوء على الدور الذي لعبه شخصياً، سواء في معرض طرابلس أو من خلال استحداث «معرض لبنان الدولي للكتاب»، كما العلاقات التي نسجها مع جهات أوروبية ومن ثم أميركية. وربما أكثر ما يلفت في الكتاب، هو الشق المتعلق بمشاركة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004. هذا الحدث الذي أسال الكثير من الحبر يومها، وتسبب بخلافات وتقاذف للتهم بين الناشرين العرب أنفسهم.
ومعلوم أن بيروت شهدت لسنوات معرضين للكتاب في السنة، أحدهما كان ينظمه النادي الثقافي العربي، وهو أقدم معرض عربي للكتاب تأسس عام 1956، وآخر مستجد هو الذي كانت تنظمه نقابة الناشرين اللبنانيين واستمر لثماني دورات، قبل أن يعاد توحيد المعرضين. ويشرح جروس، أن هذا المعرض الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول جدواه، وكان مديراً له، بأن الغاية منه كانت، أن ينفتح لبنان على حركة النشر الدولية، وتبادل عملية بيع وشراء الحقوق، ونسج علاقات مع مسؤوليين دوليين في عالم الكتب. وهو في رأيه ما تحقق، وفتح باباً للتعاون في مجالات واسعة.
ومما يقوله الكتاب، إن شرارة استضافة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 انطلقت من الدورة الأولى لهذا المعرض، حيث بدأ تعاون مع «معهد غوته» في بيروت حيث خرج الألمان بانطباع إيجابي. ويكتب جروس أنه على الأثر اتصل بالمسؤولين في معرض فرانكفورت ودعاهم للمشاركة في الدورة الثالثة، وهكذا كان حيث أدار الجناح الألماني في معرض بيروت، ولمدة خمس سنوات متواليات، ستيفن بارتلمس، وهذا ما فتح الباب على تعاون مع مؤسسات دولية عدة استفاد منها الناشرون اللبنانيون، والعرب.
وللمرة الأولى نعرف أن ناصر جروس هو الذي اقترح على إدارة معرض فرانكفورت استقبال العرب كضيف شرف، وأن هؤلاء شرحوا له أن عراقيل كثيرة تحول دون ذلك، منها أن ضيف الشرف عادة ما يكون دولة وليس مجموعة دول، وعدم احترام العرب لحقوق المؤلف والملكية الفكرية، وكذلك انخفاض سقف حرية التعبير هي من العوائق. وأن جروس أقنع الجانب الألماني عام 1999 بأن المشاركة يمكن أن تكون تحت سقف الجامعة العربية، وأن حرية النشر العربي واحترام الحقوق مما يمكن تطويرهما بالتعاون والمساندة. ساعد أن كان غسان سلامة وزيراً للثقافة في لبنان، فعرض الموضوع خلال اجتماع لوزراء الثقافة العرب، تمت الموافقة، ورفع الأمر إلى الجامعة العربية، وخصص لهذه المشاركة مبلغ ستة ملايين دولار، تسهم بها كل دولة عربية بحصة توازي نسبة مساهمتها في ميزانية الجامعة، وكلف غسان سلامة بالإشراف العام على تنفيذ الحدث ومتابعته.
هنا يروي جروس أن أمرين حصلا، همشا الدور اللبناني، ترك هو مجلس إدارة النقابة في هذه الفترة، وطلب الأمين العام لأمم المتحدة من غسان سلامة أن يكون ممثله الخاص في العراق، فاعتذر الرجل من متابعة الإشراف وعين مكانه دكتور محمد غنيم من مصر. ويقول جروس «هنا شعرت أن المشروع سيواجه صعوبات. وبالفعل تصرف غنيم وكأنه يدير مشروعاً خاصاً. اصطدم بالجميع من إدارة معرض فرانكفورت والدول العربية المشاركة، وخاصة الخليجية، التي سددت القسم الأكبر من الميزانية إلى اتحاد الناشرين العرب. كانت ميزانية المشروع قد نصّت على ترجمة 500 كتاب تمثل الإبداع العربي إلى الألمانية، ولكن لسوء الحظ لم يترجم إلا حوالي 100 عنوان أكثريتها لا قيمة أدبية لها».
هي من المرات القليلة في الكتاب التي يلقي فيها جروس باللائمة على شخص بعينه. وهي وجهة نظر تستحق أن تقارن بآراء أخرى، لفهم ما حدث في تلك الفترة، وسبب الإرباك واللغط الكبيرين اللذين أحاطا بالمشاركة التي شغلت عالم الكتاب العربي يومها. إذ يضيف جروس أنه عندما ذهب الفريق اللبناني إلى فرانكفورت للقاء إدارة المعرض «فوجئنا بانزعاجها من تصرفات دكتور محمد غنيم غير المهنية، وغير المبنية على الآداب واللياقة».
على أي حال، يعتبر جروس هذه المشاركة فتحت الباب واسعاً، أمام علاقات عربية دولية في عالم النشر، كان لها كثير من الأثر الإيجابي، منها مشاركة العرب في معرض لندن للكتاب كضيف شرف عام 2008، ومن ثم مساهمة ناصر جروس حين كان ممثلا لمعرض أميركا للكتاب في الشرق الأوسط، في استضافة العالم العربي كضيف شرف في معرض نيويورك للكتاب عام 2009.
الكتاب مليء بالمعلومات لمن يريد كشف خلفيات العمل النقابي في اتحاد الناشرين اللبنانيين. جروس نقابي حتى العظم وقد صب جلّ اهتمامه ولسنوات طوال على تمتين دور النقابة، وتفعيل علاقة الناشرين اللبنانيين والعرب بمسؤولين غربيين عن النشر، وهو ما عاد بالنفع العميم، لكن هذا لم يمنع كما يقول جروس من التذمر من دوره، وخاصة عندما كان مديراً لمعرض لبنان الدولي للكتاب. فقد انزعج البعض من حيويته وعلاقاته، ورغب البعض بالتخلص منه واخراجه، وهذا ما حصل. وهو لا يندم لأنه أهمل عمله التجاري من أجل النقابة، ولتحقيق حلمه بتطوير العمل وفتح أبواب النشر العربي على العالم. يقول إنه كان ينسى التسويق لكتبه، أو عقد صفقات كما آخرين، حيث ينغمس في مهماته النقابية، ولم يفعل كما غيره ممن أولوا مصالحهم الشخصية على الشأن العام. لم يندم على ما فعل، بعد أن تم إخراجه من مجلس النقابة، لكنه يعيد النظر في كل سبق، وبكم التضحيات التي قدمها، دون أن يمنعه ذلك من المضي في العمل مع جهات عدة، مستفيداً من علاقاته الدولية، لمساعدة دول عربية في تطوير عملها في مجال النشر.
من يرد أن يقرأ عن الخلافات داخل النقابة، التي تحكمت بها المصالح الشخصية والولاءات السياسية فلا بد أنه سيستمتع بالعودة الى الكتاب. لكن يكتب لجروس أنه لم يلجأ إلى التشفي، أو الإثارة. ولم يذكر بالاسم إلا أولئك الذين أراد أن يتحدث عن مآثرهم، وإنجازاتهم.
لكن الكتاب يعطي صورة واضحة عن متاعب عالم الناشر في لبنان والعالم العربي، حيث إنه يعرج على اتحاد الناشرين العرب من خلال معرفته الوثيقة به. الكتاب من القطع الكبير والأنيق المزود بصور، ووثائق، ومقالات ومقابلات ورسائل من الأرشيف.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.