حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

في كواليس النشر ومعارض الكتب على مدار نصف قرن

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت
TT

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

قليلأ ما يلجأ ناشر إلى كتابة سيرته المهنية والحديث عن كواليس عالم النشر، والكشف عن خفايا ثقافية، وما يدور في خلفيات معارض الكتب. لكن ناصر جروس قرر أن يبوح ويسرد ويؤرشف، ويكتب حكايته كناشر لبناني بدأ مع شقيقه الراحل باسل بمركز لتوزيع الكتب، ومن ثم أسسا مكتبة «لوبوكان» التي أدارها شقيقهما رفيق، ومن بعدها افتتح الشقيقان مكتبة كبيرة في أحد الشوارع الرئيسية في طرابلس. واستطاع ناصر وباسل أن يطلقا دار نشر «جروس برس» عام 1980، وكان ذلك في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث النجاة بالروح، هو ما يشغل الناس، فيما انصرف آل جروس إلى لعب دور ثقافي، سواء في التوزيع أو المساهمة الفاعلة في المعارض، أو حتى التعاون مع المدارس. وكان أول كتابين أصدرتهما دار «جروس برس»، هما «عودة النصارى إلى جرود كسروان» و «حوادث لبنان وسوريا».
يجمع الموّلّف الأنيق، الذي يحمل اسم «حكايتي مع الكتاب» الذي أصدره مؤخراً الناشر ناصر جروس، بين السيرة الذاتية الشخصية، والحياة المهنية التي خطاها على مدار أكثر من ستين سنة بصبحة الكتب. من مبنى قديم في شارع عز الدين في أحياء طرابلس القديمة حيث مركز توزيع الكتب، المجاور لمركز توزيع الصحف وهي المهمة التي تولاها عمه ووالده لسنوات طوال. ومن هنا ورث الإخوة جروس علاقتهم بالورق، وصولاً إلى نيويورك وفرانكفورت، ولندن، والمحافل الدولية المختلفة، يتحدث الناشر عن رحلة غنية، ويكشف عن معلومات عديدة ومثيرة.
يتحدث جروس عن هجرة العائلة من فلسطين، والطفولة في طرابلس، والمرحلة الجامعية في بيروت، ومن ثم الانطلاقة المهنية التي لا تشبه تخصصه في الحقوق. حيث سيلعب، من طرابلس، بتوزيع الكتب الآتية من مصر وغيرها من الدول العربية، دوراً مهماً. ومن هذا الباب ستكون المشاركة في معارض الكتب، ومن بعدها تأسيس «جروس برس»، وانتخاب ناصر جروس عام 1992 في عضوية مجلس إدارة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين، ثم يعاد انتخابه. كان ذلك مع نهاية الحرب الأهلية، وعودة السلام والحياة الطبيعية إلى لبنان، حيث انطلقت مرحلة تأسيسية جديدة، وبدأت نقابة الناشرين تفعّل من وجودها. ويسلط جروس الضوء على الدور الذي لعبه شخصياً، سواء في معرض طرابلس أو من خلال استحداث «معرض لبنان الدولي للكتاب»، كما العلاقات التي نسجها مع جهات أوروبية ومن ثم أميركية. وربما أكثر ما يلفت في الكتاب، هو الشق المتعلق بمشاركة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004. هذا الحدث الذي أسال الكثير من الحبر يومها، وتسبب بخلافات وتقاذف للتهم بين الناشرين العرب أنفسهم.
ومعلوم أن بيروت شهدت لسنوات معرضين للكتاب في السنة، أحدهما كان ينظمه النادي الثقافي العربي، وهو أقدم معرض عربي للكتاب تأسس عام 1956، وآخر مستجد هو الذي كانت تنظمه نقابة الناشرين اللبنانيين واستمر لثماني دورات، قبل أن يعاد توحيد المعرضين. ويشرح جروس، أن هذا المعرض الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول جدواه، وكان مديراً له، بأن الغاية منه كانت، أن ينفتح لبنان على حركة النشر الدولية، وتبادل عملية بيع وشراء الحقوق، ونسج علاقات مع مسؤوليين دوليين في عالم الكتب. وهو في رأيه ما تحقق، وفتح باباً للتعاون في مجالات واسعة.
ومما يقوله الكتاب، إن شرارة استضافة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 انطلقت من الدورة الأولى لهذا المعرض، حيث بدأ تعاون مع «معهد غوته» في بيروت حيث خرج الألمان بانطباع إيجابي. ويكتب جروس أنه على الأثر اتصل بالمسؤولين في معرض فرانكفورت ودعاهم للمشاركة في الدورة الثالثة، وهكذا كان حيث أدار الجناح الألماني في معرض بيروت، ولمدة خمس سنوات متواليات، ستيفن بارتلمس، وهذا ما فتح الباب على تعاون مع مؤسسات دولية عدة استفاد منها الناشرون اللبنانيون، والعرب.
وللمرة الأولى نعرف أن ناصر جروس هو الذي اقترح على إدارة معرض فرانكفورت استقبال العرب كضيف شرف، وأن هؤلاء شرحوا له أن عراقيل كثيرة تحول دون ذلك، منها أن ضيف الشرف عادة ما يكون دولة وليس مجموعة دول، وعدم احترام العرب لحقوق المؤلف والملكية الفكرية، وكذلك انخفاض سقف حرية التعبير هي من العوائق. وأن جروس أقنع الجانب الألماني عام 1999 بأن المشاركة يمكن أن تكون تحت سقف الجامعة العربية، وأن حرية النشر العربي واحترام الحقوق مما يمكن تطويرهما بالتعاون والمساندة. ساعد أن كان غسان سلامة وزيراً للثقافة في لبنان، فعرض الموضوع خلال اجتماع لوزراء الثقافة العرب، تمت الموافقة، ورفع الأمر إلى الجامعة العربية، وخصص لهذه المشاركة مبلغ ستة ملايين دولار، تسهم بها كل دولة عربية بحصة توازي نسبة مساهمتها في ميزانية الجامعة، وكلف غسان سلامة بالإشراف العام على تنفيذ الحدث ومتابعته.
هنا يروي جروس أن أمرين حصلا، همشا الدور اللبناني، ترك هو مجلس إدارة النقابة في هذه الفترة، وطلب الأمين العام لأمم المتحدة من غسان سلامة أن يكون ممثله الخاص في العراق، فاعتذر الرجل من متابعة الإشراف وعين مكانه دكتور محمد غنيم من مصر. ويقول جروس «هنا شعرت أن المشروع سيواجه صعوبات. وبالفعل تصرف غنيم وكأنه يدير مشروعاً خاصاً. اصطدم بالجميع من إدارة معرض فرانكفورت والدول العربية المشاركة، وخاصة الخليجية، التي سددت القسم الأكبر من الميزانية إلى اتحاد الناشرين العرب. كانت ميزانية المشروع قد نصّت على ترجمة 500 كتاب تمثل الإبداع العربي إلى الألمانية، ولكن لسوء الحظ لم يترجم إلا حوالي 100 عنوان أكثريتها لا قيمة أدبية لها».
هي من المرات القليلة في الكتاب التي يلقي فيها جروس باللائمة على شخص بعينه. وهي وجهة نظر تستحق أن تقارن بآراء أخرى، لفهم ما حدث في تلك الفترة، وسبب الإرباك واللغط الكبيرين اللذين أحاطا بالمشاركة التي شغلت عالم الكتاب العربي يومها. إذ يضيف جروس أنه عندما ذهب الفريق اللبناني إلى فرانكفورت للقاء إدارة المعرض «فوجئنا بانزعاجها من تصرفات دكتور محمد غنيم غير المهنية، وغير المبنية على الآداب واللياقة».
على أي حال، يعتبر جروس هذه المشاركة فتحت الباب واسعاً، أمام علاقات عربية دولية في عالم النشر، كان لها كثير من الأثر الإيجابي، منها مشاركة العرب في معرض لندن للكتاب كضيف شرف عام 2008، ومن ثم مساهمة ناصر جروس حين كان ممثلا لمعرض أميركا للكتاب في الشرق الأوسط، في استضافة العالم العربي كضيف شرف في معرض نيويورك للكتاب عام 2009.
الكتاب مليء بالمعلومات لمن يريد كشف خلفيات العمل النقابي في اتحاد الناشرين اللبنانيين. جروس نقابي حتى العظم وقد صب جلّ اهتمامه ولسنوات طوال على تمتين دور النقابة، وتفعيل علاقة الناشرين اللبنانيين والعرب بمسؤولين غربيين عن النشر، وهو ما عاد بالنفع العميم، لكن هذا لم يمنع كما يقول جروس من التذمر من دوره، وخاصة عندما كان مديراً لمعرض لبنان الدولي للكتاب. فقد انزعج البعض من حيويته وعلاقاته، ورغب البعض بالتخلص منه واخراجه، وهذا ما حصل. وهو لا يندم لأنه أهمل عمله التجاري من أجل النقابة، ولتحقيق حلمه بتطوير العمل وفتح أبواب النشر العربي على العالم. يقول إنه كان ينسى التسويق لكتبه، أو عقد صفقات كما آخرين، حيث ينغمس في مهماته النقابية، ولم يفعل كما غيره ممن أولوا مصالحهم الشخصية على الشأن العام. لم يندم على ما فعل، بعد أن تم إخراجه من مجلس النقابة، لكنه يعيد النظر في كل سبق، وبكم التضحيات التي قدمها، دون أن يمنعه ذلك من المضي في العمل مع جهات عدة، مستفيداً من علاقاته الدولية، لمساعدة دول عربية في تطوير عملها في مجال النشر.
من يرد أن يقرأ عن الخلافات داخل النقابة، التي تحكمت بها المصالح الشخصية والولاءات السياسية فلا بد أنه سيستمتع بالعودة الى الكتاب. لكن يكتب لجروس أنه لم يلجأ إلى التشفي، أو الإثارة. ولم يذكر بالاسم إلا أولئك الذين أراد أن يتحدث عن مآثرهم، وإنجازاتهم.
لكن الكتاب يعطي صورة واضحة عن متاعب عالم الناشر في لبنان والعالم العربي، حيث إنه يعرج على اتحاد الناشرين العرب من خلال معرفته الوثيقة به. الكتاب من القطع الكبير والأنيق المزود بصور، ووثائق، ومقالات ومقابلات ورسائل من الأرشيف.



من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.