حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

حكاية ناصر جروس مع الكتاب تعيدنا إلى المشاركة العربية في معرض فرانكفورت

في كواليس النشر ومعارض الكتب على مدار نصف قرن
الخميس - 20 ذو الحجة 1442 هـ - 29 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15584]

قليلأ ما يلجأ ناشر إلى كتابة سيرته المهنية والحديث عن كواليس عالم النشر، والكشف عن خفايا ثقافية، وما يدور في خلفيات معارض الكتب. لكن ناصر جروس قرر أن يبوح ويسرد ويؤرشف، ويكتب حكايته كناشر لبناني بدأ مع شقيقه الراحل باسل بمركز لتوزيع الكتب، ومن ثم أسسا مكتبة «لوبوكان» التي أدارها شقيقهما رفيق، ومن بعدها افتتح الشقيقان مكتبة كبيرة في أحد الشوارع الرئيسية في طرابلس. واستطاع ناصر وباسل أن يطلقا دار نشر «جروس برس» عام 1980، وكان ذلك في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث النجاة بالروح، هو ما يشغل الناس، فيما انصرف آل جروس إلى لعب دور ثقافي، سواء في التوزيع أو المساهمة الفاعلة في المعارض، أو حتى التعاون مع المدارس. وكان أول كتابين أصدرتهما دار «جروس برس»، هما «عودة النصارى إلى جرود كسروان» و «حوادث لبنان وسوريا».
يجمع الموّلّف الأنيق، الذي يحمل اسم «حكايتي مع الكتاب» الذي أصدره مؤخراً الناشر ناصر جروس، بين السيرة الذاتية الشخصية، والحياة المهنية التي خطاها على مدار أكثر من ستين سنة بصبحة الكتب. من مبنى قديم في شارع عز الدين في أحياء طرابلس القديمة حيث مركز توزيع الكتب، المجاور لمركز توزيع الصحف وهي المهمة التي تولاها عمه ووالده لسنوات طوال. ومن هنا ورث الإخوة جروس علاقتهم بالورق، وصولاً إلى نيويورك وفرانكفورت، ولندن، والمحافل الدولية المختلفة، يتحدث الناشر عن رحلة غنية، ويكشف عن معلومات عديدة ومثيرة.
يتحدث جروس عن هجرة العائلة من فلسطين، والطفولة في طرابلس، والمرحلة الجامعية في بيروت، ومن ثم الانطلاقة المهنية التي لا تشبه تخصصه في الحقوق. حيث سيلعب، من طرابلس، بتوزيع الكتب الآتية من مصر وغيرها من الدول العربية، دوراً مهماً. ومن هذا الباب ستكون المشاركة في معارض الكتب، ومن بعدها تأسيس «جروس برس»، وانتخاب ناصر جروس عام 1992 في عضوية مجلس إدارة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين، ثم يعاد انتخابه. كان ذلك مع نهاية الحرب الأهلية، وعودة السلام والحياة الطبيعية إلى لبنان، حيث انطلقت مرحلة تأسيسية جديدة، وبدأت نقابة الناشرين تفعّل من وجودها. ويسلط جروس الضوء على الدور الذي لعبه شخصياً، سواء في معرض طرابلس أو من خلال استحداث «معرض لبنان الدولي للكتاب»، كما العلاقات التي نسجها مع جهات أوروبية ومن ثم أميركية. وربما أكثر ما يلفت في الكتاب، هو الشق المتعلق بمشاركة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004. هذا الحدث الذي أسال الكثير من الحبر يومها، وتسبب بخلافات وتقاذف للتهم بين الناشرين العرب أنفسهم.
ومعلوم أن بيروت شهدت لسنوات معرضين للكتاب في السنة، أحدهما كان ينظمه النادي الثقافي العربي، وهو أقدم معرض عربي للكتاب تأسس عام 1956، وآخر مستجد هو الذي كانت تنظمه نقابة الناشرين اللبنانيين واستمر لثماني دورات، قبل أن يعاد توحيد المعرضين. ويشرح جروس، أن هذا المعرض الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول جدواه، وكان مديراً له، بأن الغاية منه كانت، أن ينفتح لبنان على حركة النشر الدولية، وتبادل عملية بيع وشراء الحقوق، ونسج علاقات مع مسؤوليين دوليين في عالم الكتب. وهو في رأيه ما تحقق، وفتح باباً للتعاون في مجالات واسعة.
ومما يقوله الكتاب، إن شرارة استضافة العرب كضيف شرف في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 انطلقت من الدورة الأولى لهذا المعرض، حيث بدأ تعاون مع «معهد غوته» في بيروت حيث خرج الألمان بانطباع إيجابي. ويكتب جروس أنه على الأثر اتصل بالمسؤولين في معرض فرانكفورت ودعاهم للمشاركة في الدورة الثالثة، وهكذا كان حيث أدار الجناح الألماني في معرض بيروت، ولمدة خمس سنوات متواليات، ستيفن بارتلمس، وهذا ما فتح الباب على تعاون مع مؤسسات دولية عدة استفاد منها الناشرون اللبنانيون، والعرب.
وللمرة الأولى نعرف أن ناصر جروس هو الذي اقترح على إدارة معرض فرانكفورت استقبال العرب كضيف شرف، وأن هؤلاء شرحوا له أن عراقيل كثيرة تحول دون ذلك، منها أن ضيف الشرف عادة ما يكون دولة وليس مجموعة دول، وعدم احترام العرب لحقوق المؤلف والملكية الفكرية، وكذلك انخفاض سقف حرية التعبير هي من العوائق. وأن جروس أقنع الجانب الألماني عام 1999 بأن المشاركة يمكن أن تكون تحت سقف الجامعة العربية، وأن حرية النشر العربي واحترام الحقوق مما يمكن تطويرهما بالتعاون والمساندة. ساعد أن كان غسان سلامة وزيراً للثقافة في لبنان، فعرض الموضوع خلال اجتماع لوزراء الثقافة العرب، تمت الموافقة، ورفع الأمر إلى الجامعة العربية، وخصص لهذه المشاركة مبلغ ستة ملايين دولار، تسهم بها كل دولة عربية بحصة توازي نسبة مساهمتها في ميزانية الجامعة، وكلف غسان سلامة بالإشراف العام على تنفيذ الحدث ومتابعته.
هنا يروي جروس أن أمرين حصلا، همشا الدور اللبناني، ترك هو مجلس إدارة النقابة في هذه الفترة، وطلب الأمين العام لأمم المتحدة من غسان سلامة أن يكون ممثله الخاص في العراق، فاعتذر الرجل من متابعة الإشراف وعين مكانه دكتور محمد غنيم من مصر. ويقول جروس «هنا شعرت أن المشروع سيواجه صعوبات. وبالفعل تصرف غنيم وكأنه يدير مشروعاً خاصاً. اصطدم بالجميع من إدارة معرض فرانكفورت والدول العربية المشاركة، وخاصة الخليجية، التي سددت القسم الأكبر من الميزانية إلى اتحاد الناشرين العرب. كانت ميزانية المشروع قد نصّت على ترجمة 500 كتاب تمثل الإبداع العربي إلى الألمانية، ولكن لسوء الحظ لم يترجم إلا حوالي 100 عنوان أكثريتها لا قيمة أدبية لها».
هي من المرات القليلة في الكتاب التي يلقي فيها جروس باللائمة على شخص بعينه. وهي وجهة نظر تستحق أن تقارن بآراء أخرى، لفهم ما حدث في تلك الفترة، وسبب الإرباك واللغط الكبيرين اللذين أحاطا بالمشاركة التي شغلت عالم الكتاب العربي يومها. إذ يضيف جروس أنه عندما ذهب الفريق اللبناني إلى فرانكفورت للقاء إدارة المعرض «فوجئنا بانزعاجها من تصرفات دكتور محمد غنيم غير المهنية، وغير المبنية على الآداب واللياقة».
على أي حال، يعتبر جروس هذه المشاركة فتحت الباب واسعاً، أمام علاقات عربية دولية في عالم النشر، كان لها كثير من الأثر الإيجابي، منها مشاركة العرب في معرض لندن للكتاب كضيف شرف عام 2008، ومن ثم مساهمة ناصر جروس حين كان ممثلا لمعرض أميركا للكتاب في الشرق الأوسط، في استضافة العالم العربي كضيف شرف في معرض نيويورك للكتاب عام 2009.
الكتاب مليء بالمعلومات لمن يريد كشف خلفيات العمل النقابي في اتحاد الناشرين اللبنانيين. جروس نقابي حتى العظم وقد صب جلّ اهتمامه ولسنوات طوال على تمتين دور النقابة، وتفعيل علاقة الناشرين اللبنانيين والعرب بمسؤولين غربيين عن النشر، وهو ما عاد بالنفع العميم، لكن هذا لم يمنع كما يقول جروس من التذمر من دوره، وخاصة عندما كان مديراً لمعرض لبنان الدولي للكتاب. فقد انزعج البعض من حيويته وعلاقاته، ورغب البعض بالتخلص منه واخراجه، وهذا ما حصل. وهو لا يندم لأنه أهمل عمله التجاري من أجل النقابة، ولتحقيق حلمه بتطوير العمل وفتح أبواب النشر العربي على العالم. يقول إنه كان ينسى التسويق لكتبه، أو عقد صفقات كما آخرين، حيث ينغمس في مهماته النقابية، ولم يفعل كما غيره ممن أولوا مصالحهم الشخصية على الشأن العام. لم يندم على ما فعل، بعد أن تم إخراجه من مجلس النقابة، لكنه يعيد النظر في كل سبق، وبكم التضحيات التي قدمها، دون أن يمنعه ذلك من المضي في العمل مع جهات عدة، مستفيداً من علاقاته الدولية، لمساعدة دول عربية في تطوير عملها في مجال النشر.
من يرد أن يقرأ عن الخلافات داخل النقابة، التي تحكمت بها المصالح الشخصية والولاءات السياسية فلا بد أنه سيستمتع بالعودة الى الكتاب. لكن يكتب لجروس أنه لم يلجأ إلى التشفي، أو الإثارة. ولم يذكر بالاسم إلا أولئك الذين أراد أن يتحدث عن مآثرهم، وإنجازاتهم.
لكن الكتاب يعطي صورة واضحة عن متاعب عالم الناشر في لبنان والعالم العربي، حيث إنه يعرج على اتحاد الناشرين العرب من خلال معرفته الوثيقة به. الكتاب من القطع الكبير والأنيق المزود بصور، ووثائق، ومقالات ومقابلات ورسائل من الأرشيف.


لبنان لبنان أخبار

اختيارات المحرر

فيديو