آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

سياسية ألمانية شابة يكرهها اليمين المتشدد... ولا ترتاح لها موسكو وبكين

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل
TT

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

للمرة الأولى منذ تأسيس حزب «الخضر» البيئي في ألمانيا قبل 41 سنة، يعلن هذا الحزب مرشحاً له لمنصب المستشارية. وللمرة الأولى، يصعب فعلاً تخيل الحكومة المقبلة في ألمانيا من دون أن يكون حزب «الخضر» شريكاً أساسياً فيها، إن لم يكن هو من يقودها.
الحزب اختار لهذا المنصب ترشيح آنالينا بيربوك (40 سنة) التي تشغل منصب الزعيم المشترك للحزب إلى جانب روبرت هابيك (51 سنة) منذ عام 2018. ومع أن بيربوك لم تكن معروفة كثيراً حتى انتخابها لقيادة الحزب بشكل مشترك، ولطالما اعتبرت حظوظها أقل من هابيك للحصول على ترشيح الحزب لمنصب المستشار، فإنها نجحت في الحصول على الترشيح. وليس هذا فحسب، بل باتت بيربوك الآن تشكل رمزاً للتجديد والشباب في الانتخابات المقبلة المقررة خلال سبتمبر (أيلول) المقبل في ألمانيا. وهذا، بالأخص لدى مقارنتها بالمرشحين الآخرين لمنصب المستشارية، وهما الرجلان «الستّينيان» أرمين لاشيت (60 سنة) مرشح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (المحافظ) وحاكم ولاية شمال الراين ووستفاليا، وأولاف شولتز (62 سنة) وزير المالية ومرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي).
ولكن منذ حصول بيربوك على ترشيح حزبها في أبريل (نيسان) الماضي، وسط تغطية إيجابية واسعة من الصحافة الألمانية، بدأت تظهر تحديات متكرّرة أمامها تضعها خفّفت تألقها، إلى درجة باتت تقلق الحزب البيئي من أن تؤثر على شعبيته وتمنعه من الوصول للسلطة التي باتت في متناول اليد.

غالباً ما تشاهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي غارقة في محادثة خاصة هادئة مع آنالينا بيربوك، عادة في إحدى زوايا قاعات البوندستاغ (مجلس النواب في البرلمان الألماني) قبيل انطلاق جلسات النقاش. فالمستشارة التي حكمت ألمانيا لمدة 16 سنة، إلا أنها فشلت في أن توصل مرشحتها المفضلة آنغريته كرامب كارنباور إلى الحكم لخلافتها، تبدو أحياناً وكأنها تمسك بيد بيربوك، المرأة الوحيدة الآن في السباق لخلافتها، تمهيداً لتسليمها الشعلة. ولا شك، في أن العلاقة الشخصية بين المستشارة وزعيمة «الخضر» الشابة لافتة. ورغم أن ميركل لا تقول ما يظهر تأييدها علانية للسيدة التي ترأس حزباً منافساً، من الواضح أنها تكنّ لها احتراماً خاصاً.
الواقع أن السيدتين تتشاركان الكثير من المزايا. ومع أن بيربوك ترأس حزباً ولد عام 1980 من مجموعة من اليساريين المهتمين بحماية البيئة والمنادين بالسلام، فإن الحزب شهد تغيّرات لافتة عديدة منذ ذلك الحين قرّبته في بعض السياسات من مواقف الديمقراطيين المسيحيين التي تغيّرت بدورها في عهد ميركل. إذ بينما تحوّل حزب «الخضر» إلى قوة أكثر «واقعية» في سياساتها اليومية رغم استمرار حمله راية البيئة، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي اتجه يساراً ليغدو أقرب إلى حزب وسطي منه إلى تنظيم يميني محافظ، وهو حتماً اليوم أقرب إلى «الخضر» في سياسته البيئية التي تبنّاها وطبقها إبّان عهود ميركل الأربعة.
من ناحية أخرى، بعدما كانت فكرة تحالف «الخضر» مع حزب يميني وسطي بعيدة المنال، قبل بضع سنوات، فهي باتت واقعاً لا مفر منه. وهذه التجربة «التحالفية» جرّبها «الخضر» منذ سنوات في السياسة المحلية بولاية بادن – فورتمبيرغ، حيث يقود حكومة الولاية مع الديمقراطيين المسيحيين بنجاح منذ عام 2011. وللعلم، في الماضي، عندما شارك «الخضر» في الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) للمرة الأولى عام 1998 وبقي في السلطة حتى العام 2005 عندما تسلمت ميركل الحكم، كان يشارك في ائتلاف يقوده آنذاك الاشتراكيون برئاسة المستشار غيرهارد شرودر.
ولكن حتى آنذاك، بدت السلطة وكأنها غيّرت حزب «الخضر» وجعلت سياسته أقرب إلى الواقع منها إلى المثالية الحالمة الذي كانت عليه أفكاره عند تأسيسه. ولعل من أكثر اللحظات دلالة في رمزيتها إلى بدء «تحوّل» منهجية الحزب، كان عام 1999 عندما تعرّض وزير الخارجية يوشكا فيشر (القيادي في حزب «الخضر») آنذاك إلى هجوم بالطلاء من قبل أحد أنصار الحزب الرافضين للتدخل العسكري في كوسوفو الذي كان فيشر – كوزير للخارجية – قد وافق عليه على الرغم من رفض «الخضر» المبدئي للحروب والتزامهم بالسلام.

بدايات الواقعية السياسية
كان واضحاً آنذاك أن فجوة الانقسام داخل حزب «الخضر» أخذت تتسع بين «الواقعيين» و«المتطرفين المثاليين». وهي فجوة لم تتقلص منذ ذلك الحين رغم الصمت المخيّم على أجنحة الحزب منذ انتخاب بيربوك وهابيك لمنصب الزعامة مشتركة للحزب عام 2018 وبدء صعود الخضر في استطلاعات الرأي، واقترابه من دخول السلطة مجدداً.
هذه المرة، قد يدخل «الخضر» فردوس السلطة مجدّداً، ولكن على الأرجح في ائتلاف مع الديمقراطيين المسيحيين لا الاشتراكيين الذين انهارت نسبة التأييد الشعبي لهم إلى مستويات قياسية؛ إذ إنها لا تزيد اليوم وفق استطلاعات الرأي على الـ14 في المائة. ومع أن حزب «الخضر» في ألمانيا لطالما أقرب في سياساته إلى اليسار من اليمين، فإن تحالفاً مع اليمين ما عاد مستبعداً اليوم، وبخاصة، في ظل اتجاه الحزبين «الخضر» والاتحاد الديمقراطي المسيحي، نحو ساحة الوسط، وباتا على توافق في العديد من السياسات، ولا سيما، البيئية منها التي تعد الركيزة الأساسية لتفكير «الخضر».
أما عن آنالينا بيربوك، فإنها كانت ولا تزال من المساهمين في تحويل «الخضر» إلى حزب أكثر واقعية يعتمد أحيانا سياسات خارجية أكثر صرامة حتى من الديمقراطيين المسيحيين، خاصة، فيما يتعلق بالصين وروسيا. وهي منذ انتخابها زعيمة للحزب، تصعّد بيربوك لهجتها تجاه بكين وموسكو متعهدة بأخذ مواقف أشد صرامة منهما في حال دخلت السلطة.

الموقف من الصين وروسيا
بيربوك تصف الصين بأنها دولة «ذات نظام استبدادي»، وتدعو للوقوف بوجهها خاصة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان وما تعتبره سوء معاملتها لأقلية الويغور المسلمة. وتذهب بعيدا في دعواتها لمواجهة بكين في هذا الملف، مشددة أنه على أوروبا ألا تستورد «بضائع تنتجها العمالة الإجبارية». وبخلاف سياسة حكومة ميركل الحالية، تقول زعيمة «الخضر» أيضاً بأنها ستدعم «الحد من التعاون» مع التكنولوجيا الآتية من الصين، مثل «هواوي»؛ خوفاً من عمليات تجسّس للشركات الصينية لصالح سلطات بكين. أضف إلى ذلك، بينما تقر بيربوك بأن الصين كدولة «أكبر من أن نقطع العلاقات معها»، فهي تؤكد على «ضرورة محافظة الدول الديمقراطية على قيمها» في التعامل مع بكين.
أيضاً، تتبنى زعيمة «الخضر» موقفاً أكثر تشدداً بعد من روسيا، وتذهب إلى حد معارضة مشروع أنابيب غار «نورد ستريم 2» الذي ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر البحر وقد شارف على الاكتمال. والمعروف، أن الحكومة الحالية تتمسك بالمشروع، وميركل نفسها دافعت عنه مراراً في وجه الانتقادات الأوروبية والأميركية التي تخشى تأثيراً روسياً متصاعداً على برلين في حال أكمل المشروع الذي يتعرّض أصلاً لعقوبات أميركية. وعلى الرغم من أن بيربوك قد تغيّر إذا وصلت إلى السلطة موقفها من المشروع، الذي كلف ألمانيا مليارات اليوروات حتى الآن وشارف على الاكتمال، فإنها تروّج راهنا لسياسة أكثر صرامة مع موسكو في مجالات أخرى أيضاً. وهي تقول بأن «زيادة الضغوط» على روسيا بعد تحركاتها الأخيرة في أوكرانيا «يجب أن تكون أولوية في السياسة الخارجية لألمانيا».
مقاربة بيربوك هذه، الداعية لصرامة أكثر مع روسيا، عرّضتها لحملة تشويه وتجريح شخصي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يديرها على ما يبدو الكرملين. وبالفعل، اتهم تشيم أوزدمير، الخبير في السياسة الخارجية في حزب «الخضر»، موسكو بإدارة هذه الحملة، وقال لصحف ألمانية: «بهدف منع حزب الخضر من دخول السلطة، ليست هناك وسيلة خارج متناول الكرملين، وكل ما بوسعي فعله الآن أن أنصح جميع الذين يؤمنون بالديمقراطية ألا يشاركوا في حملة بوتين القذرة. البرلمان الألماني سيُنتخَب في ألمانيا وليس في موسكو أو أنقرة أو بكين».

اليمين المتطرف يكرهها
وفي سياق متصل، تواجه بيربوك حملة تشويه كانت قد بدأت أصلاً من الداخل الألماني، وبالذات، من حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي يروّج لعلاقات أقرب مع موسكو. ومن ثم، تحوّلت زعيمة «الخضر» كذلك إلى هدف للمؤمنين بـ«نظريات المؤامرة» والرافضين للاعتراف بخطورة فيروس «كوفيد - 19». وأخيراً، نقلت وسائل إعلام ألمانية عن خبراء أمنيين أن موسكو تستغل الشرخ الداخلي لزيادة الانقسام والتأليب ضد بيربوك.
كذلك، اتسع الشرخ حول زعيمة «الخضر» وازدادت حدة الانتقادات الموجهة إليها بعدما تسرّب بأنها استفادت من دفعة مالية مقدارها 1500 يورو من حزبها، في قانون خاص يسمح بدفع المبلغ لموظفين أثناء الجائحة من دون إخضاعه للضرائب. ومع أن المبلغ ضئيل، فإنه أحدث ضجة حول «صدقية» بيربوك، وبخاصة، أن القصة انفجرت في موازاة قصة أخرى تتعلق بمبلغ مالي آخر مقداره 25 ألف يورو، قالت بيربوك إنها «نسيت» التصريح عنه للبرلمان في السنوات الثلاث الماضية. وشنت الصحف الألمانية التي كانت لغاية الآن في صف بيربوك، حملة عليها واتهمتها بقلة الشفافية، متسائلة عما يقول ذلك عن أسلوبها في الحكم. وتجدر الإشارة إلى أن القانون الألماني يجبر النواب على التصريح بكامل مصادر دخلهم للإبقاء على الشفافية وللتأكد من أنهم لا يقبضون أموالاً من أشخاص أو شركات من أجل الترويج لسياسات معينة.
ووسط هذا الغبار المتصاعد، لم يساعد وضع بيربوك في وجه موجة الانتقادات والتساؤلات المشككة حول «ازدواج المعايير» عندها، تصريحاتها حول ضرورة رفع أشعار تذاكر الطائرات القصيرة المدى... إذ راح يتساءل المنتقدون عن عدد الرحلات القصيرة المدى التي يركبها أعضاء حزب «الخضر»، بينما هم يعظون بالعكس.

تعريف بـ«الوجه الجديد»
رغم كل ما سبق، ما زالت آنالينا بيربوك قادرة على تقديم نفسها على أنها «وجه جديد» في السياسة الألمانية، وتشكّل تغييراً عن الوجوه القديمة التقليدية. وفي حين يتنقد معارضوها قلة خبرتها في الحكم - ولا سيما، في السياسة الخارجية - فإنها تدافع عن ذلك بالقول إن كونها أمّا لطفلين صغيرين اضطرت إلى البقاء معهما في المنزل أيام الإغلاق بسبب الجائحة، يقرّبها من الناس، ويجعلها تفهم مشاكلهم أكثر... وهو ما يعني أن التجربة تجعلها – في رأيها – جاهزة للمشاركة في السلطة.
ولدت آنالينا بيربوك في مزرعة بالقرب من مدينة هانوفر، عاصمة ولاية سكسونيا السفلى، ونشأت في منزل لوالدين متحرّرين كانا غالباً ما يشاركان بصحبة أولادهما في مظاهرات رافضة للحرب والانتشار النووي، وداعية للسلام. وبعدما أنهت دراستها الثانوية، التحقت بيربوك بجامعة هامبورغ، حيث تخصصت بالعلوم السياسية والقانون العام، ثم انتقلت بعد التخرّج إلى العاصمة البريطانية لندن عام 2004، حيث درست القانون الدولي وحصلت على شهادة الماجستير من «مدرسة لندن للاقتصاد» LSE المرموقة. وهي تعيش اليوم مع زوجها دانيال هولفلايش، وهو مستشار سياسي في حزب «الخضر»، وولديها، في مدينة بوتسدام القريبة من برلين.
بيربوك كانت تطمح لأن تصبح صحافية. وبالفعل، عملت لفترة أثناء فترة الدراسة مع صحيفة «هانوفرشيه ألغماينه تسايتونغ» المحلية، إلا أنها انتقلت لاحقاً إلى العمل السياسي بعد انضمامها إلى حزب «الخضر» عند إكمال دراستها عام 2005. وعام 2008 انتُخبت عضواً في المجلس التنفيذي لحزب «الخضر» في ولاية براندنبرغ (عاصمتها بوتسدام)، وأصبحت خلال العام نفسه ناطقة حزبية باسم الحزب للشؤون الأوروبية، وكذلك عملت مستشارة في شؤون السياسات الخارجية والأمنية لكتلة حزب «الخضر» النيابية.
دخلت بيربوك مجلس النواب في البرلمان الاتحادي عام 2013، بعدما كانت قد فشلت في الحصول على ترشيح حزبها على لائحته في انتخابات العام 2009. وبعد دخولها البرلمان، أصبحت بيربوك الناطقة باسم حزبها في شؤون السياسات المناخية. وعام 2017، حافظت على مقعدها في الانتخابات العامة الفائتة، ثم انتخبت زعيمة مشتركة للحزب في العام التالي 2018. وأخيراً، يوم 19 أبريل من العام الحالي، نجحت بيربوك في الحصول على تأييد حزبها للترشح لمنصب المستشارية، لتغدو أول سياسي من حزب «الخضر» يترشح لهذا المنصب الرفيع، وثاني امرأة بعد ميركل.



شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
TT

شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)

قد تشكّل الزيارة «التاريخية»، كما وصفتها موسكو وبيونغ يانغ، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية، نقطة تحوّل رئيسية في الصراع المتفاقم بين روسيا والغرب. لقد نفّذ «سيد الكرملين» عملياً بعض تهديداته المعلنة على خلفية زيادة انخراط الغرب في الحرب الأوكرانية. ولم يعد الأمر يقتصر على التلويح بتسليح «خصوم الولايات المتحدة وحلفائها»، بل خيار وُضع على مسار التنفيذ وينتظر القرار السياسي في اللحظة المناسبة للكرملين. بيد أن الأمر الأكثر إثارة في مُخرجات زيارة بيونغ يانغ كمُن في إطلاق إشارة جدية بجهوزية الكرملين لتوسيع «رقعة المواجهة» الدائرة في أوكرانيا وحولها، لتشمل مناطق في العالم، مشتعلة بملفات ساخنة ومعقدة للغاية. ولذلك؛ كان طبيعياً أن تثير الزيارة ونتائجها قلقاً جدياً لدى الغرب. وأن تفتح أيضاً باباً واسعاً للنقاش حول رؤية الكرملين لملامح «العالم الجديد المتعدد الأقطاب» الذي لطالما روّج له بوتين، وآليات بناء تحالفاته في المنظومتين الإقليمية والدولية التي يسعى لتكريسها.

لعل العنوان الأبرز لزيارة الرئيس فلاديمير بوتين كوريا الشمالية تمثّل في توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، التي حملت في أحد بنودها تأكيداً مثيراً للغاية حول «الدفاع المشترك» ضد أخطار خارجية قد تهدّد البلدين أو أحدهما.

هذه الصيغة بحد ذاتها شكّلت مادة غنية للنقاش، وأساساً لزيادة مخاوف الغرب حيال سياسات بوتين الإقليمية.

وقبل الدخول في تفاصيل الاتفاق وآليات تطبيقه المحتملة، تجدر الإشارة إلى نقطتين فارقتين. النقطة الأولى هي أن الاتفاقية بشكلها الراهن تشكل استعادة مباشرة للإرث السوفياتي بكل ما يحمل هذا الأمر من رسائل وإشارات من جانب الكرملين حول مدى استعداده للمضي في صراعه القائم مع الغرب إلى أقصى مدى ممكن. ولذلك؛ يمكن ملاحظة أن الاتفاقية تشكل تطويراً مباشراً لـ«معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة المُبرمة» بين «كوريا الديمقراطية والاتحاد السوفياتي» في العام 1961 في ذروة «الحرب الباردة».

والنقطة الثانية أن هذه أول اتفاقية من نوعها توقّعها روسيا المعاصرة خارج الإطار الجغرافي للفضاء السوفياتي السابق، بمعنى أنها خارج نطاق مجالها الحيوي وفضاء مصالحها المباشرة. وللعلم، كانت روسيا أبرمت اتفاقاً مماثلاً فقط مع حليفتها الأقرب بيلاروسيا، وكما أبرمت اتفاقات جماعية حملت المضمون نفسه في إطار «معاهدة الأمن الجماعي» مع بلدان سوفياتية سابقة، لكن هذه المعاهدة ظلت في غالب الأحيان حبراً على ورق. ولم تشهد تحركاً جماعياً «ضد خطر خارجي» على أحد بلدان المجموعة إلا في حالات محدودة للغاية.

بداية حقبة جديدة!

بناءً عليه؛ تكتسب الاتفاقية مع بيونغ يانغ أهمية إضافية. وهو ما دفع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى إعلان بداية «حقبة جديدة». وقال بعد التوقيع إنه «تم الإعلان عن البداية الرسمية لعلاقات التحالف بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية والاتحاد الروسي؛ ما يمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ تطور العلاقات الكورية - الروسية».

الواقع، وفق قسطنطين أسمولوف، الباحث البارز في مركز الدراسات الكورية في معهد الصين وآسيا الحديثة التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أن تسمية الاتفاقية بحد ذاتها تشير إلى ارتفاع كبير في مستوى العلاقات الثنائية. ورأى أن «الشراكة الاستراتيجية» تقفز بالعلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ «خطوات عدة دفعة واحدة».

وهنا، لا بد من استعادة نص المعاهدة الأصلية التي طُوّرت؛ إذ نصّت المادة 1 من «معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة» لعام 1961 على ما يلي: «إذا تعرض أحد الطرفين المتعاقدين لهجوم مسلح من قِبل أي دولة أو تحالف دول، وبالتالي وجد نفسه في حالة حرب، فإن الطرف المتعاقد الآخر يقدم على الفور المساعدة اللازمة. المساعدات العسكرية وغيرها من المساعدات بكل الوسائل المتاحة لها». وهكذا استُعير النص حرفياً تقريباً في الاتفاقية الجديدة مع إضافة نكهة معاصرة عبر الكلام عن التحديات الجديدة و«العدوان» المحتمل من خصوم الطرفين. وفي هذا الإطار تبرز إشكالية التعامل مع النص الموقع، وما إذا كان الهدف منه تطبيقاً عملياً أم توجيه رسائل تهديد لأطراف ثالثة.

هنا يقول بعض الخبراء الروس إنه «من الواضح أن السؤال الذي يطرح نفسه: مَن سيصف ما يشكّل عدواناً؟ على سبيل المثال، إذا قالت كوريا الشمالية إنها تعرّضت لهجوم، هل ينبغي لروسيا أن تتفق مع وجهة النظر هذه؟ أم يتوجب عليها أن تقيّم بنفسها أن هذا عدوان، وما إذا كان الوضع يتطلب تفعيل بند الدفاع المشترك؟».

رسالة إلى «الجيران»

الواضح أن الضمانات الأمنية التي قدّمتها روسيا لكوريا الشمالية تستهدف في المقام الأول أقرب جيرانها - اليابان وكوريا الجنوبية -، فضلاً عن حليفتهما الأكبر الولايات المتحدة. ولقد تجلى ذلك في خطاب بوتين، الذي ذكر فيه تحديداً توسيع البنية التحتية العسكرية الأميركية في شمال شرق آسيا، فضلاً عن زيادة حجم وكثافة التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية واليابان. ووفقاً لخبراء، فإن «الإشارة الواضحة إلى خصوم الطرفين قد تدفع بيونغ يانغ نحو نشاط عسكري أكبر في المنطقة».

أسمولوف يضع تفسيره لأحكام الاتفاقية المُبرمة عبر الإشارة إلى احتمالات تطبيق أحكام المساعدة المتبادلة في سياق العملية العسكرية في أوكرانيا. ويقول: «من الناحية النظرية، دعونا نتخيّل موقفاً يقوم فيه الجانب الأوكراني مرة أخرى بقصف بيلغورود بطائرات قدّمتها الولايات المتحدة. يعلن الجانب الروسي أن هذا بالفعل هجوم على أراضيه، ويتجاوز حدود المنطقة العسكرية الشمالية، ويطلب المساعدة من كوريا الشمالية. أي أن الاتهامات الموجهة ضد موسكو وبيونغ يانغ حول تعاون عسكري في أوكرانيا ستتحول عملياً وقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً».

ولكن في المقابل، ثمة من يقول إن مفهوم «المساعدة المتبادلة» أُدرِج في الاتفاقية بشكل غير واضح عمداً؛ بهدف توظيفه وفقاً للحاجة السياسية عند الضرورة.

الرئيسان الروسي والكوري الشمالي يتأهبان لتوقيع الاتفاقية الدفاعية (رويترز)

أداة ضغط سياسي

«إلى حد ما، يمكن اعتبار زيارة بوتين لبيونغ يانغ نفسها إحدى أدوات الضغط السياسي»، كما يقول روبرت وينستانلي تشيسترز، المحاضر في جامعة ليدز البريطانية. بمعنى أن أهمية الزيارة الحقيقية تتجلى في أبعادها من وجهة نظر جيوسياسية، أكثر من أن تكون محطة لإعلان تحالف عسكري. ولتوضيح هذه الفكرة يقول الباحث إن على الولايات المتحدة وحلفائها أن يأخذوا هذا العامل (الاتفاقية مع روسيا) في الاعتبار عند محاولاتهم لمواجهة بيونغ يانغ؛ الأمر الذي سيقلل من احتمالية الصدام العسكري مع كوريا الشمالية. وبذا يبدو التطور جزءاً من سياسة الردع للطرفين أكثر من أن يكون «تحالفاً عسكرياً واسع النطاق» بين روسيا وكوريا الشمالية.

وفي الوقت عينه، ووفقاً لخبراء روس، يُستبعَد أن يؤثر رفع مكانة علاقات بيونغ يانغ مع موسكو على علاقات الأولى مع بكين. وهنا يجب الأخذ في الاعتبار أن موسكو ما كانت لتقدم على خطوة كهذه من دون إبلاغ بكين. ويرجح خبراء أن يكون بوتين أبلغ الصينيين بنيته توقيع اتفاقية جديدة مع بيونغ يانغ إبان زيارته بكين في مايو (أيار). لكن هذا لا يعني أن الصين راضية تماماً عن وضع قد يؤجج التوتر أكثر في شبه الجزيرة الكورية. وهي ما زلت، وفقاً لخبراء، تفضل إدارة الملف عبر القوة الناعمة والدبلوماسية النشطة في مقابل الاندفاع الروسي «الساخن» في المواجهة القائمة مع الغرب.

عموماً، لا تزال الصين مُحتكِرة فعلياً مجال التعاون التجاري والاقتصادي مع كوريا الشمالية، مع محاولة موسكو تحقيق تكافؤ معين في هذا الشأن في المجال الأمني والعسكري. لكن التطور الأخير لا يعني أن بيونغ يانغ قد تنظر إلى روسيا كشريك أكثر أهمية من الصين. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن تستخدم كوريا الشمالية علاقتها مع روسيا لتحقيق التوازن وتوسيع قدراتها الاستراتيجية تجاه العلاقة مع الصين.

ملف العقوبات

الشق الثاني المهم للغاية في زيارة بوتين إلى كوريا الشمالية، تعلّق بملف العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ. إذ تطرق بوتين بشكل منفصل لموضوع العقوبات التي تخضع لها كل من روسيا وكوريا الشمالية، مع الفارق أن الأخيرة لا تخضع فقط لعقوبات أحادية الجانب، بل لتدابير يفرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أيضاً.

"أول اتفاقية من نوعها توقّعها روسيا المعاصرة خارج الإطار الجغرافي للفضاء السوفياتي السابق"

لذا حمل تعهده بـ»إعادة النظر في النظام التقييدي غير المحدد المدة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي تجاه بيونغ يانغ» أهمية خاصة. ثم أن هذا الموقف ارتبط بالحرب الأوكرانية بشكل مباشر، عبر إعلان بوتين إطلاق شارة البدء بتنشيط التعاون العسكري التقني مع كوريا الشمالية بعد اتهامه الدول الغربية بانتهاك الالتزامات الدولية فيما يتعلق بإمدادات محتملة لأسلحة بعيدة المدى وطائرات مقاتلة من طراز «إف - 16» إلى أوكرانيا.

لكن هذا الملف لا يقتصر على البُعد العسكري. وبجانب تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج ووقود الطائرات والصواريخ، فإن القرارات الدولية تحظر تزويد كوريا الشمالية بالغاز الطبيعي والمعادن والمعدات الصناعية والمركبات والسلع الفاخرة. كذلك يُحظر على هذا البلد تصدير الفحم والمأكولات البحرية والمنسوجات والأجهزة الكهربائية والخشب والموارد الطبيعية الأخرى، وعلى البنوك الكورية الشمالية فتح فروع أجنبية، وكان تم وضع حد لتوظيف العمال الكوريين الشماليين.

ماذا يمكن لروسيا أن تفعل في هذا الإطار؟

ظلت موسكو منذ بعض الوقت تضع عقبات أمام تشديد نظام العقوبات ضد بيونغ يانغ. وفي مايو 2022، منعت روسيا والصين مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة بشأن فرض قيود جديدة رداً على اختبارات الصواريخ الباليستية المتكررة. وفي مارس (آذار) 2024، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) ضد قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتمديد ولاية مجموعة من الخبراء الذين يراقبون الامتثال للعقوبات الدولية ضد كوريا الشمالية.

في المقابل، حتى بدعم من الصين، تظل روسيا عاجزة عن رفع العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الديمقراطية. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019، قدّمت موسكو وبكين مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي، يتضمن رفع الحظر على تصدير المأكولات البحرية والمنسوجات والتماثيل، وإعفاء مشاريع السكك الحديدية والطرق بين الكوريتين من العقوبات الأميركية، فضلاً عن رفع العقوبات الأميركية، وإنهاء حظر عمل الكوريين الشماليين في الخارج. ولكن في النهاية... لم تُطرح الوثيقة للتصويت. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قدمت روسيا والصين نسخة منقحة من القرار إلى أعضاء مجلس الأمن لكنهما فشلتا مجدداً في اعتماده. وهكذا، في ظل الحقائق الجيوسياسية الحالية، تظل فرص إقرار مثل هذه الوثيقة من قِبل بقية الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، عملياً معدومة.

مع هذا، قد تجد موسكو بدائل. منها مثلاً، إعلان وقف مؤقت للامتثال لعقوبات معينة ضد كوريا الشمالية لأسباب إنسانية؛ وهو الأمر الذي ستنتقده حتماً الولايات المتحدة وحلفاؤها. وبمقدور موسكو أيضاً اللجوء إلى تفسير «مبتكر» للعقوبات - وفق مبدأ «ما ليس محظوراً فهو مسموح به».

بالإضافة إلى ذلك، قد ترفض روسيا الامتثال للقيود الدولية المفروضة على توظيف العمال الكوريين الشماليين وتوريد الموارد الطبيعية والمعدات إلى بيونغ يانغ. وهنا يشدد خبراء على أن «عبر هذه الإجراءات، تستطيع روسيا أن توضح للمجتمع الدولي أن العقوبات غير فعالة ليس فقط في سياق كوريا الشمالية، ولكن أيضاً بشكل عام».

موسكو وبيونغ يانغ وقَّعتا اتفاقية ممر جسر تومانايا الحدودي

> بالإضافة إلى الاتفاقية الاستراتيجية الجديدة، وقّعت موسكو وبيونغ يانغ خلال الزيارة اتفاقيتين لا تقلان أهمية، الأولى بشأن بناء جسر بري عبر نهر تومانايا الحدودي الذي يتدفق إلى بحر اليابان، والأخرى حول التعاون في مجال الرعاية الصحية والتعليم الطبي والتعليم الطبي. ولقد ورد ذكر تومانايا سابقاً في بيان مشترك عقب المفاوضات بين بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ في منتصف مايو (أيار)؛ إذ أكد الطرفان في حينها أنهما «سيواصلان، إلى جانب كوريا الديمقراطية تبادل وجهات النظر البنّاءة حول موضوع ملاحة السفن الصينية في الروافد السفلية».لزيادة حجم التجارة، يعد الاتفاق على بناء جسر طريق عبر تومانايا أمراً مهماً؛ نظراً لأن الأطراف في حاجة إلى تعزيز الروابط اللوجيستية، فحالياً يرتبط البلدان براً فقط بخطوط سكك الحديد التي تمر عبر «جسر الصداقة».ولتوضيح أهمية المشروع أكثر، يقول خبراء إن الصين وكوريا الشمالية (التي يبلغ اعتمادها التجاري على بكين بنسبة 95 في المائة) لديهما الآن 18 نقطة تفتيش. وتهتم الصين بالوصول إلى بحر اليابان، لكن تطوير الأراضي في هذه المنطقة يعتمد على القرارات السيادية لموسكو وبيونغ يانغ.كذلك، يشير بعض الخبراء إلى أن مشروع الجسر البري عبر نهر تومانايا العميق القابل للملاحة طُرح للمرة الأولى في تسعينات القرن الماضي. وفي حال شرع البلدان حالياً في التنفيذ العملي للمشروع بعد توافر الإرادة السياسية والظروف الدولية الملائمة لهما، فإن هذا المسار سيخلق وضعاً جديداً تماماً بالنسبة إلى حركة البضائع والتجارة، وستكون الصين قادرة على الإبحار مباشرة بسفنها التجارية إلى بحر اليابان؛ الأمر الذي سيكون أكثر ربحية.ويخلص خبراء إلى أنه من الناحية النظرية، يمكن للصينيين لاحقاً، الحصول على الحق في مثل هذه التحركات للسفن الحربية أيضاً؛ ما من شأنه تغيير الوضع الاستراتيجي الإقليمي بشكل كبير.