آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

سياسية ألمانية شابة يكرهها اليمين المتشدد... ولا ترتاح لها موسكو وبكين

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل
TT

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

آنالينا بيربوك... زعيمة «الخضر» الطامحة إلى خلافة ميركل

للمرة الأولى منذ تأسيس حزب «الخضر» البيئي في ألمانيا قبل 41 سنة، يعلن هذا الحزب مرشحاً له لمنصب المستشارية. وللمرة الأولى، يصعب فعلاً تخيل الحكومة المقبلة في ألمانيا من دون أن يكون حزب «الخضر» شريكاً أساسياً فيها، إن لم يكن هو من يقودها.
الحزب اختار لهذا المنصب ترشيح آنالينا بيربوك (40 سنة) التي تشغل منصب الزعيم المشترك للحزب إلى جانب روبرت هابيك (51 سنة) منذ عام 2018. ومع أن بيربوك لم تكن معروفة كثيراً حتى انتخابها لقيادة الحزب بشكل مشترك، ولطالما اعتبرت حظوظها أقل من هابيك للحصول على ترشيح الحزب لمنصب المستشار، فإنها نجحت في الحصول على الترشيح. وليس هذا فحسب، بل باتت بيربوك الآن تشكل رمزاً للتجديد والشباب في الانتخابات المقبلة المقررة خلال سبتمبر (أيلول) المقبل في ألمانيا. وهذا، بالأخص لدى مقارنتها بالمرشحين الآخرين لمنصب المستشارية، وهما الرجلان «الستّينيان» أرمين لاشيت (60 سنة) مرشح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (المحافظ) وحاكم ولاية شمال الراين ووستفاليا، وأولاف شولتز (62 سنة) وزير المالية ومرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي).
ولكن منذ حصول بيربوك على ترشيح حزبها في أبريل (نيسان) الماضي، وسط تغطية إيجابية واسعة من الصحافة الألمانية، بدأت تظهر تحديات متكرّرة أمامها تضعها خفّفت تألقها، إلى درجة باتت تقلق الحزب البيئي من أن تؤثر على شعبيته وتمنعه من الوصول للسلطة التي باتت في متناول اليد.

غالباً ما تشاهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي غارقة في محادثة خاصة هادئة مع آنالينا بيربوك، عادة في إحدى زوايا قاعات البوندستاغ (مجلس النواب في البرلمان الألماني) قبيل انطلاق جلسات النقاش. فالمستشارة التي حكمت ألمانيا لمدة 16 سنة، إلا أنها فشلت في أن توصل مرشحتها المفضلة آنغريته كرامب كارنباور إلى الحكم لخلافتها، تبدو أحياناً وكأنها تمسك بيد بيربوك، المرأة الوحيدة الآن في السباق لخلافتها، تمهيداً لتسليمها الشعلة. ولا شك، في أن العلاقة الشخصية بين المستشارة وزعيمة «الخضر» الشابة لافتة. ورغم أن ميركل لا تقول ما يظهر تأييدها علانية للسيدة التي ترأس حزباً منافساً، من الواضح أنها تكنّ لها احتراماً خاصاً.
الواقع أن السيدتين تتشاركان الكثير من المزايا. ومع أن بيربوك ترأس حزباً ولد عام 1980 من مجموعة من اليساريين المهتمين بحماية البيئة والمنادين بالسلام، فإن الحزب شهد تغيّرات لافتة عديدة منذ ذلك الحين قرّبته في بعض السياسات من مواقف الديمقراطيين المسيحيين التي تغيّرت بدورها في عهد ميركل. إذ بينما تحوّل حزب «الخضر» إلى قوة أكثر «واقعية» في سياساتها اليومية رغم استمرار حمله راية البيئة، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي اتجه يساراً ليغدو أقرب إلى حزب وسطي منه إلى تنظيم يميني محافظ، وهو حتماً اليوم أقرب إلى «الخضر» في سياسته البيئية التي تبنّاها وطبقها إبّان عهود ميركل الأربعة.
من ناحية أخرى، بعدما كانت فكرة تحالف «الخضر» مع حزب يميني وسطي بعيدة المنال، قبل بضع سنوات، فهي باتت واقعاً لا مفر منه. وهذه التجربة «التحالفية» جرّبها «الخضر» منذ سنوات في السياسة المحلية بولاية بادن – فورتمبيرغ، حيث يقود حكومة الولاية مع الديمقراطيين المسيحيين بنجاح منذ عام 2011. وللعلم، في الماضي، عندما شارك «الخضر» في الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) للمرة الأولى عام 1998 وبقي في السلطة حتى العام 2005 عندما تسلمت ميركل الحكم، كان يشارك في ائتلاف يقوده آنذاك الاشتراكيون برئاسة المستشار غيرهارد شرودر.
ولكن حتى آنذاك، بدت السلطة وكأنها غيّرت حزب «الخضر» وجعلت سياسته أقرب إلى الواقع منها إلى المثالية الحالمة الذي كانت عليه أفكاره عند تأسيسه. ولعل من أكثر اللحظات دلالة في رمزيتها إلى بدء «تحوّل» منهجية الحزب، كان عام 1999 عندما تعرّض وزير الخارجية يوشكا فيشر (القيادي في حزب «الخضر») آنذاك إلى هجوم بالطلاء من قبل أحد أنصار الحزب الرافضين للتدخل العسكري في كوسوفو الذي كان فيشر – كوزير للخارجية – قد وافق عليه على الرغم من رفض «الخضر» المبدئي للحروب والتزامهم بالسلام.

بدايات الواقعية السياسية
كان واضحاً آنذاك أن فجوة الانقسام داخل حزب «الخضر» أخذت تتسع بين «الواقعيين» و«المتطرفين المثاليين». وهي فجوة لم تتقلص منذ ذلك الحين رغم الصمت المخيّم على أجنحة الحزب منذ انتخاب بيربوك وهابيك لمنصب الزعامة مشتركة للحزب عام 2018 وبدء صعود الخضر في استطلاعات الرأي، واقترابه من دخول السلطة مجدداً.
هذه المرة، قد يدخل «الخضر» فردوس السلطة مجدّداً، ولكن على الأرجح في ائتلاف مع الديمقراطيين المسيحيين لا الاشتراكيين الذين انهارت نسبة التأييد الشعبي لهم إلى مستويات قياسية؛ إذ إنها لا تزيد اليوم وفق استطلاعات الرأي على الـ14 في المائة. ومع أن حزب «الخضر» في ألمانيا لطالما أقرب في سياساته إلى اليسار من اليمين، فإن تحالفاً مع اليمين ما عاد مستبعداً اليوم، وبخاصة، في ظل اتجاه الحزبين «الخضر» والاتحاد الديمقراطي المسيحي، نحو ساحة الوسط، وباتا على توافق في العديد من السياسات، ولا سيما، البيئية منها التي تعد الركيزة الأساسية لتفكير «الخضر».
أما عن آنالينا بيربوك، فإنها كانت ولا تزال من المساهمين في تحويل «الخضر» إلى حزب أكثر واقعية يعتمد أحيانا سياسات خارجية أكثر صرامة حتى من الديمقراطيين المسيحيين، خاصة، فيما يتعلق بالصين وروسيا. وهي منذ انتخابها زعيمة للحزب، تصعّد بيربوك لهجتها تجاه بكين وموسكو متعهدة بأخذ مواقف أشد صرامة منهما في حال دخلت السلطة.

الموقف من الصين وروسيا
بيربوك تصف الصين بأنها دولة «ذات نظام استبدادي»، وتدعو للوقوف بوجهها خاصة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان وما تعتبره سوء معاملتها لأقلية الويغور المسلمة. وتذهب بعيدا في دعواتها لمواجهة بكين في هذا الملف، مشددة أنه على أوروبا ألا تستورد «بضائع تنتجها العمالة الإجبارية». وبخلاف سياسة حكومة ميركل الحالية، تقول زعيمة «الخضر» أيضاً بأنها ستدعم «الحد من التعاون» مع التكنولوجيا الآتية من الصين، مثل «هواوي»؛ خوفاً من عمليات تجسّس للشركات الصينية لصالح سلطات بكين. أضف إلى ذلك، بينما تقر بيربوك بأن الصين كدولة «أكبر من أن نقطع العلاقات معها»، فهي تؤكد على «ضرورة محافظة الدول الديمقراطية على قيمها» في التعامل مع بكين.
أيضاً، تتبنى زعيمة «الخضر» موقفاً أكثر تشدداً بعد من روسيا، وتذهب إلى حد معارضة مشروع أنابيب غار «نورد ستريم 2» الذي ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر البحر وقد شارف على الاكتمال. والمعروف، أن الحكومة الحالية تتمسك بالمشروع، وميركل نفسها دافعت عنه مراراً في وجه الانتقادات الأوروبية والأميركية التي تخشى تأثيراً روسياً متصاعداً على برلين في حال أكمل المشروع الذي يتعرّض أصلاً لعقوبات أميركية. وعلى الرغم من أن بيربوك قد تغيّر إذا وصلت إلى السلطة موقفها من المشروع، الذي كلف ألمانيا مليارات اليوروات حتى الآن وشارف على الاكتمال، فإنها تروّج راهنا لسياسة أكثر صرامة مع موسكو في مجالات أخرى أيضاً. وهي تقول بأن «زيادة الضغوط» على روسيا بعد تحركاتها الأخيرة في أوكرانيا «يجب أن تكون أولوية في السياسة الخارجية لألمانيا».
مقاربة بيربوك هذه، الداعية لصرامة أكثر مع روسيا، عرّضتها لحملة تشويه وتجريح شخصي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يديرها على ما يبدو الكرملين. وبالفعل، اتهم تشيم أوزدمير، الخبير في السياسة الخارجية في حزب «الخضر»، موسكو بإدارة هذه الحملة، وقال لصحف ألمانية: «بهدف منع حزب الخضر من دخول السلطة، ليست هناك وسيلة خارج متناول الكرملين، وكل ما بوسعي فعله الآن أن أنصح جميع الذين يؤمنون بالديمقراطية ألا يشاركوا في حملة بوتين القذرة. البرلمان الألماني سيُنتخَب في ألمانيا وليس في موسكو أو أنقرة أو بكين».

اليمين المتطرف يكرهها
وفي سياق متصل، تواجه بيربوك حملة تشويه كانت قد بدأت أصلاً من الداخل الألماني، وبالذات، من حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي يروّج لعلاقات أقرب مع موسكو. ومن ثم، تحوّلت زعيمة «الخضر» كذلك إلى هدف للمؤمنين بـ«نظريات المؤامرة» والرافضين للاعتراف بخطورة فيروس «كوفيد - 19». وأخيراً، نقلت وسائل إعلام ألمانية عن خبراء أمنيين أن موسكو تستغل الشرخ الداخلي لزيادة الانقسام والتأليب ضد بيربوك.
كذلك، اتسع الشرخ حول زعيمة «الخضر» وازدادت حدة الانتقادات الموجهة إليها بعدما تسرّب بأنها استفادت من دفعة مالية مقدارها 1500 يورو من حزبها، في قانون خاص يسمح بدفع المبلغ لموظفين أثناء الجائحة من دون إخضاعه للضرائب. ومع أن المبلغ ضئيل، فإنه أحدث ضجة حول «صدقية» بيربوك، وبخاصة، أن القصة انفجرت في موازاة قصة أخرى تتعلق بمبلغ مالي آخر مقداره 25 ألف يورو، قالت بيربوك إنها «نسيت» التصريح عنه للبرلمان في السنوات الثلاث الماضية. وشنت الصحف الألمانية التي كانت لغاية الآن في صف بيربوك، حملة عليها واتهمتها بقلة الشفافية، متسائلة عما يقول ذلك عن أسلوبها في الحكم. وتجدر الإشارة إلى أن القانون الألماني يجبر النواب على التصريح بكامل مصادر دخلهم للإبقاء على الشفافية وللتأكد من أنهم لا يقبضون أموالاً من أشخاص أو شركات من أجل الترويج لسياسات معينة.
ووسط هذا الغبار المتصاعد، لم يساعد وضع بيربوك في وجه موجة الانتقادات والتساؤلات المشككة حول «ازدواج المعايير» عندها، تصريحاتها حول ضرورة رفع أشعار تذاكر الطائرات القصيرة المدى... إذ راح يتساءل المنتقدون عن عدد الرحلات القصيرة المدى التي يركبها أعضاء حزب «الخضر»، بينما هم يعظون بالعكس.

تعريف بـ«الوجه الجديد»
رغم كل ما سبق، ما زالت آنالينا بيربوك قادرة على تقديم نفسها على أنها «وجه جديد» في السياسة الألمانية، وتشكّل تغييراً عن الوجوه القديمة التقليدية. وفي حين يتنقد معارضوها قلة خبرتها في الحكم - ولا سيما، في السياسة الخارجية - فإنها تدافع عن ذلك بالقول إن كونها أمّا لطفلين صغيرين اضطرت إلى البقاء معهما في المنزل أيام الإغلاق بسبب الجائحة، يقرّبها من الناس، ويجعلها تفهم مشاكلهم أكثر... وهو ما يعني أن التجربة تجعلها – في رأيها – جاهزة للمشاركة في السلطة.
ولدت آنالينا بيربوك في مزرعة بالقرب من مدينة هانوفر، عاصمة ولاية سكسونيا السفلى، ونشأت في منزل لوالدين متحرّرين كانا غالباً ما يشاركان بصحبة أولادهما في مظاهرات رافضة للحرب والانتشار النووي، وداعية للسلام. وبعدما أنهت دراستها الثانوية، التحقت بيربوك بجامعة هامبورغ، حيث تخصصت بالعلوم السياسية والقانون العام، ثم انتقلت بعد التخرّج إلى العاصمة البريطانية لندن عام 2004، حيث درست القانون الدولي وحصلت على شهادة الماجستير من «مدرسة لندن للاقتصاد» LSE المرموقة. وهي تعيش اليوم مع زوجها دانيال هولفلايش، وهو مستشار سياسي في حزب «الخضر»، وولديها، في مدينة بوتسدام القريبة من برلين.
بيربوك كانت تطمح لأن تصبح صحافية. وبالفعل، عملت لفترة أثناء فترة الدراسة مع صحيفة «هانوفرشيه ألغماينه تسايتونغ» المحلية، إلا أنها انتقلت لاحقاً إلى العمل السياسي بعد انضمامها إلى حزب «الخضر» عند إكمال دراستها عام 2005. وعام 2008 انتُخبت عضواً في المجلس التنفيذي لحزب «الخضر» في ولاية براندنبرغ (عاصمتها بوتسدام)، وأصبحت خلال العام نفسه ناطقة حزبية باسم الحزب للشؤون الأوروبية، وكذلك عملت مستشارة في شؤون السياسات الخارجية والأمنية لكتلة حزب «الخضر» النيابية.
دخلت بيربوك مجلس النواب في البرلمان الاتحادي عام 2013، بعدما كانت قد فشلت في الحصول على ترشيح حزبها على لائحته في انتخابات العام 2009. وبعد دخولها البرلمان، أصبحت بيربوك الناطقة باسم حزبها في شؤون السياسات المناخية. وعام 2017، حافظت على مقعدها في الانتخابات العامة الفائتة، ثم انتخبت زعيمة مشتركة للحزب في العام التالي 2018. وأخيراً، يوم 19 أبريل من العام الحالي، نجحت بيربوك في الحصول على تأييد حزبها للترشح لمنصب المستشارية، لتغدو أول سياسي من حزب «الخضر» يترشح لهذا المنصب الرفيع، وثاني امرأة بعد ميركل.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.