خريطة طريق عالمية للقضاء على التهاب السحايا بحلول 2030

تطوير لقاحات جديدة رخيصة... وتحسين استراتيجيات الوقاية

طبيب يفحص أشعة الرأس لمصاب بالتهاب السحايا
طبيب يفحص أشعة الرأس لمصاب بالتهاب السحايا
TT

خريطة طريق عالمية للقضاء على التهاب السحايا بحلول 2030

طبيب يفحص أشعة الرأس لمصاب بالتهاب السحايا
طبيب يفحص أشعة الرأس لمصاب بالتهاب السحايا

يحتفل العالم في نهاية شهر أبريل (نيسان) من كل عام باليوم العالمي لالتهاب السحايا (World Meningitis Day) حيث يقوم اتحاد منظمات التهاب السحايا Confederation of Meningitis Organisations CoMO بتنظيم حملة توعوية ضد هذا المرض الذي يمكن أن يودي بحياة الإنسان بشكل مأساوي في أقل من 24 ساعة.
ولا يعرف الكثير من الناس عن المرض، ويمكن بسهولة الخلط بين أعراضه وأمراض أخرى مثل الأنفلونزا أو الملاريا أو حتى كوفيد - 19. ويؤدي التأخير في التشخيص والعلاج إلى قتل الأرواح وترك العديد من الأشخاص يعانون من آثار خطيرة تدوم مدى الحياة.
وتأمل منظمة الصحة العالمية هزيمة التهاب السحايا بحلول عام 2030 وفق خريطة طريق عالمية تنهي معاناة ملايين الأشخاص المصابين بالمرض.
مؤتمر طبي
بمناسبة اليوم العالمي لالتهاب السحايا، عقد خلال الأسبوع الماضي مؤتمر طبي تحت عنوان «التهاب السحايا – بي وأهمية التطعيم»، نظمته الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع بالتعاون مع الشريك الاستراتيجي للجمعية «ملتقى الخبرات FEXC» وبدعم من شركة جي إس كي (gsk) وبمساندة من شركة أو إم دي (OMD).
تحدث في المؤتمر عدد من الأطباء المتخصصين في هذا المجال مؤكدين على أنه رغم التقدم الكبير الذي تم إحرازه على مدار العقود القليلة الماضية، فلا يزال التهاب السحايا مرضًا يخشى منه في جميع أنحاء العالم مع ارتفاع معدل وفياته والميل إلى التسبب في الأوبئة التي تمثل تحديًا كبيرًا للأنظمة الصحية والاقتصادية والمجتمع. وقد تسبب التهاب السحايا في وفاة ما يقدر بنحو 290 ألف شخص في عام 2017، كما تسبب في إصابة واحد من كل خمسة أفراد مصابين بآثار مدمرة طويلة الأجل، وله عواقب وخيمة مع تأثير عاطفي واجتماعي واقتصادي كبير على الأفراد والأسر والمجتمعات.
مرض المكورات السحائية
تحدثت في المؤتمر الدكتورة رجاء الردادي أستاذ مساعد واستشاري الطب الوقائي رئيس قسم طب المجتمع في جامعة الملك عبد العزيز بجدة حول وبائيات مرض المكورات السحائية، وأوضحت أن التوزيع العالمي للمجموعات المصلية من النيسرية السحائية (Neisseria meningitides) متغير، ففي الأميركتين وأوروبا وأستراليا تعتبر المجموعات المصلية بي B، سي C، هي الأكثر شيوعًا، بينما تسبب المجموعة المصلية إيه (A) غالبية الأمراض في أفريقيا وآسيا. وفي بعض الأحيان يمكن أن تظهر المجموعات المصلية، وتزداد أهميتها في بلد أو منطقة معينة، مثل المجموعة المصلية سي (C) في الصين أو المجموعة المصلية واي (Y) في أميركا الشمالية.
> عالميا. أشارت نتائج دراسة وبائيات مرض المكورات السحائية الغازية (invasive) واستراتيجيات التطعيم في شمال أفريقيا، التي نشرت في المجلة العالمية للأمراض المعدية International Journal of Infectious Diseases (العدد 104، لعام 2021)، أنه رغم أن مرض المكورات السحائية الغازية يعتبر متوطنا في العديد من دول شمال أفريقيا ويتم الإبلاغ عنه إلا أن هناك أوجه قصور موجودة فيما يتعلق بترصد كل بلد واستراتيجيات التطعيم وفهم المرض. وقد أظهرت الدراسة أن التهاب السحايا البكتيري في شمال أفريقيا الناجم عن النيسرية السحائية يؤثر في الغالب على الأطفال الصغار (الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات)، وكانت المكورات السحائية من المجموعة المصلية بـ(Meningitis B) هي النمط المصلي الأكثر تحديدًا، حيث شكلت في المغرب 95 في المائة، في تونس 80 في المائة، في الجزائر 59 في المائة، في مصر 51 في المائة.
> خليجيا. وأظهرت نتائج دراسة نشرت في مجلة العدوى والصحة العامة Journal of Infection and Public Health حول الاتجاهات والاختلافات في وبائيات مرض المكورات السحائية في الكويت، مثلا، كدولة خليجية أن الاستخدام الروتيني للقاح متعدد السكاريد رباعي التكافؤ ACYW - 135 ضد التهاب السحايا نجح في تقليل العبء المرتبط بالمجموعة المصلية للمرض في الكويت، وكانت المجموعة بي هي المسبب الرئيسي للمرض بشكل عام وبين الأطفال حتى سن 14 عامًا (39 في المائة) بشكل خاص.
> محليا. وفي المملكة العربية السعودية، يزورها حوالي 5 ملايين حاج كل عام، ما يمثل تحديًا كبيرًا في تقديم الخدمات الصحية واحتواء الأمراض المعدية الناتجة عن هذا التجمع الجماهيري الكبير ومنها التهاب السحايا.
أجريت أكبر دراسة جماعية ميدانية أثناء الحج حول احتمالية تواجد النيسرية السحائية في منطقة البلعوم الأنفي بين الحجاج وتقييم الحاجة إلى العلاج الوقائي بإعطاء سيبروفلوكساسين ciprofloxacin. نشرت الدراسة في مجلة اللقاح (j.vaccine.2017). أظهرت النتائج أن نتيجة الاختبار كانت عند 3.4 في المائة من الحجاج إيجابية أي وجود جرثومة N. meningitides في البلعوم الأنفي، وكانت 66.7 في المائة منها من المجموعة المصلية ب. وأشارت النتائج أيضا إلى ضرورة إعادة النظر في استمرار استخدام سيبروفلوكساسين كمضاد حيوي وقائي بالإضافة إلى اعتبار إضافة المجموعة المصلية بي كتحصين مطلوب.
عليه، فإن مرض المكورات السحائية الغازية (Invasive) مرض خطير ولا يمكن التنبؤ به. وتعتبر المجموعة المصلية بي هي المجموعة المصلية الأكثر انتشارًا على مستوى العالم، وأيضا الأكثر شيوعًا في الدول العربية ودول الشرق الأوسط (شمال أفريقيا والكويت وتركيا)، وتعتبر أكثر شيوعًا وخطورة عند الرضع الذين تقل أعمارهم عن عام واحد. ويجب التخطيط لإجراءات وقائية خاصةً لموسمي الحج والعمرة.
الخدمات الوقائية
تؤكد الدكتورة رجاء الردادي على أهمية الرعاية الوقائية في إمكانية إنقاذ أكثر من 100000 حياة إضافية في كل عام إذا تلقى المزيد من الأشخاص الرعاية الوقائية الموصى بها، علما بأن عودة ظهور الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات تحدث في كثير من الأحيان بين الأفراد غير المطعمين عن قصد مما يعرض البالغين الشباب الذين لم يتم تلقيحهم لخطر مباشر للمرض.
وتنقسم الخدمات الوقائية إلى وقاية أولية، وقاية ثانية، وقاية من الدرجة الثالثة، وتتضمن الخدمات الوقائية السريرية التطعيمات، فحوصات المرض، والتدخلات الإرشادية السلوكية المقدمة للأفراد في جلسات سريرية بغرض الوقاية من المرض أو بدء العلاج المبكر للحالات التي لم تظهر بعد.
وتصنف الخدمات الوقائية وفقاً لتعريف الفوائد الصحية للخدمات الوقائية بالنسبة للأعباء التي يمكن الوقاية منها سريريًا، مثل المرض أو الإصابة أو الوفاة المبكرة التي يمكن منعها إذا تم تقديم الخدمة لجميع الأشخاص في المجموعة المستهدفة، ثم القيمة الاقتصادية وفعالية التكلفة بمقارنة صافي تكلفة الخدمة بفوائدها الصحية.
وتتلخص أهم الخدمات الوقائية السريرية في خمسة محاور، هي:
- التحصين. الاستشارة لمنع بدء التدخين بين الشباب. تشجيع الإقلاع عن التدخين بين البالغين. فحص سرطان القولون فحص ارتفاع ضغط الدم.
أعباء المرض
تحدث في المؤتمر الدكتور سامي عيد استشاري طب الأسرة والمشرف العام على مكتب الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع بجدة، حول أعباء مرض المكورات السحائية الغازية (Invasive Meningococcal Disease Burden). موضحا أنه يتم الإبلاغ عن إصابة أكثر من 1.2 مليون حالة سنويًا بالمرض في جميع أنحاء العالم، وأن معدلات الوفاة تتراوح ما بين 10 - 40 في المائة حسب الأعراض الإكلينيكية والموقع الجغرافي، وأن 10 - 15 في المائة من الأشخاص المصابين يموتون حتى مع إعطاء العلاج المناسب. وتظهر التهابات المكورات السحائية على شكل طيف من الأمراض السريرية المصحوبة بالتهاب السحايا (80 - 85 في المائة) من الحالات وتسمم الدم، وتشمل الأعراض الأقل شيوعًا الالتهاب الرئوي والتهاب التامور والتهاب المفاصل الإنتاني والتهاب الملتحمة والتهاب الإحليل. إن ما يصل إلى 20 في المائة من الناجين يعانون من عواقب خطيرة دائمة أو طويلة الأمد، بما في ذلك فقدان الأطراف، وفقدان السمع، والألم المزمن، وتندب الجلد، والعجز العصبي.
أما فئات الأشخاص الأكثر عرضة لخطر المرض، فهي:
- العمر: الرضيع أقل من عام، المراهقون والشباب.
- الاختلاط مع المصابين.
- عوامل في نمط الحياة: الازدحام في السكن، التدخين النشط والسلبي، نمط النوم غير المنتظم، الانتقال إلى مسكن جديد.
- الظروف المناعية/ القابلية الوراثية.
- السفر إلى المناطق الموبوءة.
والمضاعفات المميتة المحتملة لأمراض المكورات السحائية الشديدة تشتمل على: احتشاء دماغي - نوبات الصرع - زيادة الضغط داخل الجمجمة - فتق بالنسيج الدماغي - توقف القلب - فشل الجهاز التنفسي الأساسي - الحماض الأيضي - فشل الكلى - صدمة مستعصية وانهيار الدورة الدموية - التخثر المنتشر داخل الأوعية.
خريطة طريق عالمية
وافقت منظمة الصحة العالمية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 (بالقرار WHA73.9)، على خريطة طريق عالمية لهزيمة التهاب السحايا بحلول عام 2030 برؤية شاملة «نحو عالم خال من التهاب السحايا»، وثلاثة أهداف ذات رؤية، هي:
- القضاء على أوبئة التهاب السحايا البكتيرية.
- خفض الحالات بنسبة 50 في المائة والوفيات بنسبة 70 في المائة باستخدام اللقاحات.
- الحد من الإعاقة وتحسين نوعية الحياة بعد التهاب السحايا.
وهناك خمس ركائز مترابطة في خارطة الطريق العالمية لهزيمة التهاب السحايا:
- تطوير لقاحات جديدة ميسورة التكلفة، وتحقيق تغطية تحصين عالية، وتحسين استراتيجيات الوقاية والاستجابة للأوبئة.
- التشخيص والعلاج الذي يركز على التأكيد السريع لالتهاب السحايا والإدارة المثلى.
- مراقبة المرض لتوجيه الوقاية والمكافحة.
- رعاية ودعم المصابين بالتهاب السحايا، والتركيز على التعرف المبكر وتحسين الوصول إلى الرعاية والدعم فيما يتعلق بالآثار اللاحقة.
- الدعوة لضمان الوعي العالي بالتهاب السحايا، ومراعاة خطط البلدان، وزيادة الحق في خدمات الوقاية والرعاية اللاحقة.
وفي حين أن خريطة الطريق الخاصة بهزيمة التهاب السحايا تتناول جميع أنواع المرض بغض النظر عن السبب، فإنها تركز بشكل أساسي على الأسباب الرئيسية لالتهاب السحايا البكتيري الحاد (المكورات السحائية meningococcus، المكورات الرئوية pneumococcus، المستدمية النزليةHaemophilus influenzae، المكورات العقدية من المجموعة بـgroup B streptococcus)، والتي كانت مسؤولة عن أكثر من 50 في المائة من 290.000 حالة وفاة من التهاب السحايا لجميع الأسباب في عام 2017، وسببت أمراضًا غازية أخرى مثل تعفن الدم والالتهاب الرئوي، والتي تتوفر ضدها لقاحات فعالة (ستكون في المستقبل القريب). وستكون النسخة النهائية من خريطة الطريق ستكون متاحة في شهر مايو (أيار) 2021.

حقائق عن التهاب السحايا

> التهاب السحايا يمكن أن يصيب الجميع ومن جميع الأعمار - ويمكن أن يكون قاتلاً في غضون ساعات قليلة.
> التهاب السحايا هو أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة العصبية، والتي يمكن أن تستمر مدى الحياة.
> يمكن أن تحدث أوبئة التهاب السحايا بسرعة مع عواقب صحية واقتصادية واجتماعية خطيرة.
> التهاب السحايا حالة طبية طارئة ويجب معالجتها بسرعة.
> التطعيم ضد المكورات السحائية والمكورات الرئوية والمستدمية النزلية من النوع بي يحمي من الأسباب الشائعة لالتهاب السحايا. واللقاحات الجديدة ستنقذ المزيد من الأرواح خلال العقد القادم.
> خريطة الطريق العالمية لهزيمة التهاب السحايا بحلول عام 2030 تعالج هذه المشكلة إلى جانب الوقاية والتشخيص والعلاج.
> يمكن أن تشتمل الأعراض على ما يلي: تصلب الرقبة - حمى - حساسية للضوء - ارتباك ونعاس – صداع – قيء - طفح جلدي - نوبات صرع. لن تظهر كل هذه الأعراض على الجميع ويمكن أن تحدث بأي ترتيب – وعند الرضع (انتفاخ اليافوخ – التدلي وعدم الاستجابة).

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

ما أفضل وقت لتناول مرضى السكري فيتامين «د»؟

صحتك فيتامين «د» معروف بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة حيث إن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين (بيكسلز)

ما أفضل وقت لتناول مرضى السكري فيتامين «د»؟

يُعدُّ فيتامين «د» من العناصر الغذائية الأساسية التي تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على توازن الجسم، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم مستويات السكر في الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)

دراسة تربط بين السجائر الإلكترونية والإصابة بسرطان الرئة والفم

خلص باحثون أستراليون في مراجعة جديدة للأدلة إلى أن السجائر الإلكترونية قد تسبب سرطان الرئة والفم.

صحتك يسهم تناول البقوليات المعلبة في خفض الكولسترول الضار وتحسين صحة القلب (رويترز)

7 أطعمة مُصنّعة يُمكن إدراجها في نظام غذائي صحي

رغم السمعة السلبية التي تحيط بالأطعمة المُصنّعة يؤكد خبراء التغذية أن ليس كل ما يتم معالجته صناعياً يكون ضاراً بالصحة 

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

يُثير عدم الاستقرار الاقتصادي الناجم عن الحرب الإيرانية قلقاً اجتماعياً متزايداً يؤثر على الصحة النفسية للكثيرين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك وضعية النوم تعد من أكثر الأسباب شيوعاً لتنميل اليدين (بيكسلز)

ما سبب تنميل اليدين أثناء النوم؟

يُعدّ تنميل اليدين أثناء النوم من الأعراض الشائعة التي قد تُقلق الكثيرين خصوصاً عندما يتكرر أو يوقظ الشخص من نومه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما أفضل وقت لتناول مرضى السكري فيتامين «د»؟

فيتامين «د» معروف بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة حيث إن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين (بيكسلز)
فيتامين «د» معروف بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة حيث إن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين (بيكسلز)
TT

ما أفضل وقت لتناول مرضى السكري فيتامين «د»؟

فيتامين «د» معروف بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة حيث إن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين (بيكسلز)
فيتامين «د» معروف بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة حيث إن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين (بيكسلز)

يُعدُّ فيتامين «د» من العناصر الغذائية الأساسية التي تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على توازن الجسم، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم مستويات السكر في الدم. وقد أظهرت دراسات عدَّة وجود علاقة بين انخفاض مستوياته وزيادة خطر الإصابة بداء السكري، ما يجعله محل اهتمام خاص لدى المرضى.

وعلى الرغم من أن البحوث لا تزال مستمرة لحسم تأثير المكملات الغذائية من فيتامين «د» في السيطرة على المرض، فإن فهم آلية عمله وأفضل طرق تناوله يُعدَّان خطوة ضرورية لتعزيز الصحة الأيضية، وضمان الاستفادة القصوى منه.

فيتامين «د» وسكر الدم

يُعرف فيتامين «د» بأهميته لصحة العظام وجهاز المناعة، إلا أن دوره يتجاوز ذلك ليشمل تنظيم هرمون الإنسولين ومستويات الغلوكوز في الدم. وتتحقق هذه الوظيفة عبر آليات عدة، منها: تعزيز قدرة الإنسولين على نقل الغلوكوز داخل الخلايا، والمساهمة في تنظيم مستويات الكالسيوم، إضافة إلى ارتباطه بمستقبلات خاصة في خلايا «بيتا» بالبنكرياس، وهي خلايا أساسية مسؤولة عن إفراز الإنسولين. كما يُحفِّز فيتامين «د» إفراز هذا الهرمون، ويساعد في تقليل الالتهابات التي تُعدُّ من العوامل الرئيسية في مقاومة الإنسولين وداء السكري من النوع الثاني.

ورغم أهميته، يُعدُّ فيتامين «د» من الفيتامينات التي يصعب الحصول على كميات كافية منها عبر الغذاء وحده، نظراً لندرة مصادره الطبيعية، ما يجعل المكملات الغذائية خياراً شائعاً لتعويض هذا النقص. ومع ذلك، فإن فاعلية هذه المكملات قد تتأثر بعوامل عدة، من أبرزها توقيت تناولها وطريقة استخدامها.

امتصاص أفضل مع الوجبات

يُصنَّف فيتامين «د» ضمن الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون، أي أنه لا يذوب في الماء، ويُمتص بصورة أفضل عند تناوله مع الأطعمة التي تحتوي على دهون. لذلك، يُنصح بتناول مكملات فيتامين «د» مع الوجبات الرئيسية، لتعزيز امتصاصه والاستفادة منه بشكل أكبر.

وقد أظهرت دراسة شملت 17 شخصاً أن تناول فيتامين «د» مع الوجبة الرئيسية أدى إلى زيادة مستوياته في الدم بنحو 50 في المائة، بعد فترة تراوحت بين شهرين وثلاثة أشهر. كما بيَّنت دراسة أخرى أُجريت عام 2014 على 50 شخصاً من كبار السن، أن تناوله مع وجبة غنية بالدهون رفع مستوياته بنسبة 32 في المائة خلال 12 ساعة، مقارنة بتناوله مع وجبة خالية من الدهون.

ولتعزيز امتصاص هذا الفيتامين، يُنصح بإدراج مصادر صحية للدهون ضمن النظام الغذائي، مثل:

- الأفوكادو.

- المكسرات.

- البذور.

- الأسماك الدهنية، كالسلمون والسردين.

- منتجات الألبان كاملة الدسم.

- البيض.

إدراجه في الروتين اليومي

يفضَّل بعض الأشخاص تناول مكملات فيتامين «د» في الصباح، وهو خيار عملي يساعد على الالتزام بتناول الجرعة اليومية بانتظام. فربط تناول الفيتامين بوجبة الفطور يُسهِّل تذكُّره؛ خصوصاً لدى من يعتمدون على أكثر من مكمل غذائي؛ إذ قد يصبح تنظيم المواعيد لاحقاً خلال اليوم أمراً معقداً.

لذلك، يُعدُّ إدراج فيتامين «د» ضمن الروتين الصباحي، وتناوله مع وجبة متوازنة، من الطرق الفعالة لضمان الاستمرارية وتحقيق أقصى استفادة ممكنة.

وفي جميع الأحوال، تبقى المواظبة على تناوله بشكل منتظم العامل الأهم في الحفاظ على مستوياته الطبيعية في الجسم.

من الجدير بالذكر أن انخفاض مستويات فيتامين «د» قد يؤثر سلباً في كفاءة الخلايا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين، ما ينعكس على قدرة الجسم على تنظيم سكر الدم. لذا، فإن الحفاظ على مستويات كافية من هذا الفيتامين يُعدُّ عنصراً مهماً في دعم الصحة العامة، ولا سيما لدى مرضى السكري أو المعرَّضين للإصابة به.


9 نصائح غذائية للحماية من أمراض القلب

الإكثار من تناول الخضراوات والفواكه يعزز صحة القلب (معاهد الصحة الوطنية الأميركية)
الإكثار من تناول الخضراوات والفواكه يعزز صحة القلب (معاهد الصحة الوطنية الأميركية)
TT

9 نصائح غذائية للحماية من أمراض القلب

الإكثار من تناول الخضراوات والفواكه يعزز صحة القلب (معاهد الصحة الوطنية الأميركية)
الإكثار من تناول الخضراوات والفواكه يعزز صحة القلب (معاهد الصحة الوطنية الأميركية)

أصدرت جمعية القلب الأميركية تحديثاً جديداً لإرشاداتها الغذائية لعام 2026، مؤكدة أن الالتزام بنمط غذائي صحي طوال الحياة يمكن أن يقلِّل بشكل كبير خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وأوضحت الجمعية أن هذه الإرشادات تأتي في وقت تزداد فيه معدلات ارتفاع ضغط الدم والسمنة والسكري، المرتبطة بسوء التغذية وقلة النشاط البدني. ونُشرت التوصيات، الثلاثاء، في دورية «Circulation».

وتُعدُّ أمراض القلب من أبرز أسباب الوفاة عالمياً، وتشمل مجموعة من الحالات مثل تضيق الشرايين وارتفاع ضغط الدم وقصور القلب. وغالباً ما ترتبط هذه الأمراض بعوامل نمط الحياة، مثل سوء التغذية، وقلة النشاط البدني، والتدخين، وزيادة الوزن.

وحددت الإرشادات الجديدة 9 خطوات رئيسية يمكن دمجها بسهولة في الحياة اليومية، وتقوم على أساس تحقيق التوازن بين السُّعرات الحرارية والنشاط البدني للحفاظ على وزن صحي. وتشمل الخطوات الإكثار من الخضراوات والفواكه مع تنويع الأنواع والألوان، واختيار الحبوب الكاملة مثل القمح والشوفان والأرز، بدلاً من الحبوب المكرَّرة؛ من بينها الطحين الأبيض. كما تدعو الإرشادات إلى الاعتماد على مصادر بروتين صحية، خصوصاً النباتية مثل البقوليات والمكسرات، إلى جانب تناول الأسماك وتقليل اللحوم الحمراء والمصنَّعة.

وتُشدّد أيضاً على التحول من الدهون المشبعة إلى الدهون غير المشبعة الموجودة في الزيوت النباتية والأفوكادو، وتقليل الأطعمة فائقة المعالجة والسكريات المضافة في المشروبات والأطعمة، وخفض استهلاك الملح واستخدام بدائل طبيعية مثل الأعشاب والتوابل، مع تجنب الكحول؛ نظراً لارتباطه بارتفاع ضغط الدم ومخاطر صحية أخرى.

وتتضمن الإرشادات أيضاً تحديثات مهمة تعكس تطور الأدلة العلمية، منها التركيز على مصادر بروتين متنوعة وصحية بدلاً من اللحوم، والتوسع في مفهوم الدهون المفيدة، مع إبراز المخاطر المتزايدة للأطعمة فائقة المعالجة، والتشديد على تقليل الصوديوم وزيادة تناول الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم مثل الأفوكادو والسبانخ والموز، للمساعدة في ضبط ضغط الدم. كما أكدت الجمعية أنه لا يوجد مستوى آمن تماماً لاستهلاك الكحول فيما يتعلق ببعض المخاطر الصحية.

كما تبرز الإرشادات أهمية البدء المبكر، إذ توصي بأن يبدأ الأطفال اتباع نمط غذائي صحي منذ عمر عام واحد، مع تأكيد الدور المحوري للأسرة في ترسيخ هذه العادات، وضرورة تكييف النظام الغذائي وفقاً للعمر والحالة الصحية لكل فرد.

ولا تقتصر فوائد هذا النمط الغذائي على صحة القلب، بل تمتد إلى الوقاية من السكري من النوع الثاني، ودعم صحة الدماغ، وتقليل خطر بعض أنواع السرطان، إلى جانب تحسين وظائف الكلى. كما يسهم هذا النظام في توفير معظم العناصر الغذائية الأساسية، ما يقلل الحاجة للمكملات الغذائية في معظم الحالات.

وتؤكد الإرشادات أن الوقاية ممكنة، حيث يمكن تجنب ما يصل إلى 80 في المائة من أمراض القلب والسكتات الدماغية، من خلال تبنّي نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد.


دراسة تربط بين السجائر الإلكترونية والإصابة بسرطان الرئة والفم

السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)
السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

دراسة تربط بين السجائر الإلكترونية والإصابة بسرطان الرئة والفم

السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)
السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)

توصل باحثون إلى أن السجائر الإلكترونية قد تُسبب سرطان الرئة والفم، وحضوا الجهات التنظيمية على اتخاذ إجراءات فورية بدلاً من انتظار عقود لتحديد مستوى الخطر بدقة.

قام باحثون في مجال السرطان، بقيادة جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، بتحليل مراجعات للأدلة المستقاة من دراسات على الحيوانات، وتقارير حالات بشرية، وأبحاث مخبرية نُشرت بين عامي 2017 و2025، في واحد من أكثر التقييمات تفصيلاً حتى الآن حول ما إذا كانت السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين تُسبب السرطان.

وقال البروفسور المساعد برنارد ستيوارت، أحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن هناك مؤشرات تحذيرية مبكرة في الجسم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخطر الإصابة بالسرطان، بما في ذلك تلف الحمض النووي والالتهابات.

وخلصت المراجعة، التي نُشرت في مجلة «Carcinogenesis» اليوم الثلاثاء، إلى أن التدخين الإلكتروني مرتبط بهذه التغيرات التي تسبق الإصابة بالسرطان.

وفي هذا الصدد، قال ستيوارت: «لا شك أن خلايا وأنسجة تجويف الفم والفم والرئتين تتأثر باستنشاق دخان السجائر الإلكترونية».

ولأن السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، فلا توجد بيانات كافية طويلة الأمد من أعداد كبيرة من مستخدمي السجائر الإلكترونية الذين أصيبوا بالسرطان لتحديد المخاطر بشكل قاطع. كما أن كثيراً من مستخدمي السجائر الإلكترونية يدخنون أيضاً، مما يجعل من الصعب التمييز بين آثار التدخين الإلكتروني وحده وآثار التبغ، وفق ما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لهذه الأسباب، لم يحدد التقرير عدد الأشخاص الذين قد يُصابون بالسرطان نتيجة التدخين الإلكتروني، بل قيّم ما إذا كان يُسبب أنواع التغيرات البيولوجية المعروفة بأنها تؤدي إلى المرض.

ومع ذلك، تضمن التقرير تقارير حالات من أطباء أسنان لاحظوا سرطان الفم لدى أشخاص استخدموا السجائر الإلكترونية فقط ولم يدخنوا أبداً. كما فحص دراسات على الحيوانات، وأشار ستيوارت إلى دراسة وجدت أن الفئران التي تعرضت لبخار السجائر الإلكترونية أصيبت بأورام الرئة بمعدلات أعلى من الفئران التي لم تتعرض له، على الرغم من أن هذه النتائج لا تُترجم بالضرورة بشكل مباشر إلى البشر.

وقال ستيورات: «استناداً إلى كل هذه المعلومات... توصلنا إلى أن السجائر الإلكترونية قد تسبب سرطان الرئة وسرطان الفم، مع أننا لا نستطيع تحديد مدى خطورة هذا التأثير».

قال كالفن كوكران، الباحث في قسم الصحة العامة بجامعة أوتاغو في نيوزيلندا، إنه تم تقييم ما يقرب من 8000 دراسة للوصول إلى هذا الاستنتاج، على الرغم من وجود مؤشرات تحذيرية سابقة تم تجاهلها أو التشكيك فيها في كثير من الأحيان، حتى من قبل الأطباء أنفسهم.

وأضاف كوكران: «نحن نخاطر بتكرار المصير نفسه مع التدخين الإلكتروني إذا لم نأخذ الأبحاث الناشئة والمؤشرات التحذيرية على محمل الجد». وتابع: «ينبغي على صانعي السياسات والحكومات والمنظمات الصحية النظر بجدية في كل دراسة من هذا القبيل. من غير المرجح أن نصل إلى لحظة حاسمة نستطيع فيها الجزم بأن التدخين الإلكتروني يسبب أنواعاً معينة من السرطان. هذا الأمر سيستغرق سنوات».

قال البروفسور ستيفن دافي، من جامعة كوين ماري بلندن، إن القول بأن التدخين الإلكتروني ضارٌّ مثل التدخين التقليدي استناداً إلى هذه الدراسة يُعدّ «مبالغةً في التفسير»، إذ «لا ينطوي التدخين الإلكتروني على التعرّض لمنتجات احتراق السجائر التي لها آثارٌ مسرطنةٌ جسيمة».

لكن ستيوارت قال إن التدخين الإلكتروني يُقيَّم غالباً من حيث المخاطر الصحية مقارنةً بالتدخين التقليدي، وأكد على أهمية تقييم ما إذا كان التدخين الإلكتروني يُسبّب السرطان «بشكلٍ مستقل».

وقالت البروفسورة بيكي فريمان، الباحثة في مجال مكافحة التبغ بجامعة سيدني: «هذه الدراسة هي الأولى التي تُؤكّد وجود احتمالٍ لزيادة خطر الإصابة بالسرطان لدى مُستخدمي التدخين الإلكتروني، مُقارنةً بغيرهم». وأضافت: «هذه المعلومات بالغة الأهمية، لا سيما للشباب الذين لم يُدخّنوا قط. التدخين الإلكتروني ليس بديلاً آمناً للتدخين التقليدي لغير المُدخّنين».