خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

نائب الرئيس السوري السابق روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن «النظام انتقل من إسقاط صدام للدفاع عنه»

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
TT

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994

تحكي مسيرة عبد الحليم خدام وأوراقه، قسماً رئيسياً من قصة سوريا في العقود الأخيرة. خدام، الذي كان يعرف بـ«أبو جمال»، تنقل في مناصب عدة، وكان شاهداً ومشاركاً في أحداث رئيسية عصفت بسوريا ودورها في الإقليم، منذ تسلم حزب «البعث» الحكم في عام 1963، إلى حين خروجه من البلاد وإعلان انشقاقه في 2005.
خلال عقود، تنقل «أبو جمال» بين مناصب عدة. كان محافظاً لحماة لحظة الصراع مع «الإخوان المسلمين» بداية الستينات، ومحافظاً لريف دمشق لحظة سقوط القنيطرة في نهاية ذلك العقد. وكان وزيراً للخارجية، ثم نائباً للرئيس خلال المحطات الأساسية في دمشق وتمددها في لبنان، إلى حد أنه كان يسمى «حاكم لبنان».
بقي «الملف اللبناني» في عهدة خدام إلى عام 1998، عندما نقله الأسد إلى نجله الدكتور بشار، الذي عاد من لندن بعد وفاة باسل، شقيقه الأكبر، في عام 1994، الأمر الذي لم يكن مريحاً لخدام وحلفائه في لبنان.
ومع تراجع دوره السياسي في دمشق، عقد مؤتمر «البعث» في يونيو (حزيران) 2005، وتقدم خدام باستقالة من جميع المناصب السياسية والحزبية، واحتفظ بمنصبه كعضو في القيادة المركزية لـلحزب. بعدها، خرج إلى لبنان في طريقه إلى المنفى في باريس التي بقي فيها حتى وفاته العام الماضي (فاروق الشرع أصبح نائباً للرئيس في بداية 2006، قبل أن يعفى من هذا المنصب قبل سنوات). وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فرضت العزلة على دمشق. وفي نهاية 2005، أعلن خدام انشقاقه، واتهم النظام السوري بـ«قتل الصديق رئيس الوزراء اللبناني». كما شكل من منفاه، مع «الإخوان المسلمين» بقيادة علي صدر الدين البيانوني، تحالف «جبهة الخلاص» لمعارضة النظام. وفي دمشق، اتهم بـ«الخيانة العظمى» وصودرت ممتلكاته.
لم يلعب خدام دوراً سياسياً بارزاً بعد انتفاضة 2011، حيث كرس وقته لكتابة مذكراته، ونشر في عام 2003 كتاباً عن آرائه السياسية وموقفه من الديمقراطية والحرية، بعنوان: «النظام العربي المعاصر».
«الشرق الأوسط» زارت أوراق خدام ووثائقه، وتبدأ اليوم بنشر فصول من مذكراته في حلقات عن مراحل أساسية من تاريخ سوريا ودورها. ولا تشكل هذه الحلقات تأريخا لهذه المراحل، بقدر ما هي رواية خدام عنها:

بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسلُّم بشار الأسد مقاليد الحكم، ركّز على العلاقات مع العراق، وقامت سوريا بنشاطات عربية ودولية للدفاع عن النظام العراقي ضد الأعمال العدوانية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، كما اتخذت مواقف قوية ضد توجهات الولايات المتحدة الأميركية في شن الحرب على العراق. وفي تلك المرحلة، استقبل بشار الأسد عدداً من القياديين العراقيين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا الأشد عداءً للنظام في سوريا وإيران، ومنهم علي حسن المجيد وطه ياسين رمضان.
وبذلك، انتقل النظام من مرحلة العمل لإسقاط النظام العراقي، إلى مرحلة الدفاع عنه في المحافل العربية والدولية، في وقت كانت إيران، عبر حلفائها في المعارضة العراقية، تعمل على الخلاص من صدام حسين ومن نظامه.
كانت الوفود العراقية والسورية لا تنقطع عن تبادل الزيارات، والعمل على عقد اتفاقات ثنائية بين الدولتين. ولعل أبلغ ما يعبر عن تلك الحالة زيارة رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد قبل الحرب على العراق بفترة قصيرة، حيث اجتمع مع الرئيس العراقي صدام حسين، وقدّم له سيفاً دمشقيّاً، وألقى كلمة جاء فيها: «أُقدِّم لكم هذا السيف الدمشقي، مؤكداً أننا معكم، وأن العدوان على العراق هو عدوان على سوريا».
في تلك المرحلة، عُقد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن برعاية إيرانية وأميركية، ومثّل الجانب الإيراني فيه أحد كبار مسؤولي الاستخبارات ومعه وفد مرافق، ومثّل الجانب الأميركي ثلاثة أعضاء من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وعمل الوفدان على إنجاح المؤتمر الذي اتخذ مجموعة من القرارات، استخدمها الأميركيون في تغطية الحرب.
مع اشتداد الحملة الأميركية على العراق، وحشد القوات في المنطقة، وعجز الولايات المتحدة الأميركية في إقناع مجلس الأمن باتخاذ قرار يغطي الحرب على العراق، أصبح واضحاً أن الحرب باتت وشيكة خلال أيام، مما أثار القلق في سوريا من امتداد الحرب إلى أراضيها، لا سيما أن الموقف السوري كان قويّاً إلى جانب العراق، كما أن حالة من الإجماع الوطني قامت آنذاك في سوريا إلى جانب العراق.
في ضوء ذلك الواقع، ذهب الرئيس بشار الأسد إلى طهران، وقد رافقته، لمناقشة الوضع مع القيادة الإيرانية والعمل على توحيد الموقف في مواجهة التطورات الجديدة المقلقة والمقبلة في المنطقة.
توجهنا إلى طهران في 16 مارس (آذار) عام 2003. وأجرينا فور وصولنا مباحثات مع الرئيس محمد خاتمي ثم «المرشد» الإيراني علي خامنئي، وهذا محضر الاجتماعين:
بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ الحديث الرئيس السوري، متسائلاً: «ماذا نستطيع أن نفعل قبل الحرب بوقت قصير؟ وماذا سنفعل في حال حصول الحرب، والتي ستدوم لفترة طويلة، وربما لسنوات؟ ولا أقصد أن الولايات المتحدة ستستقر، وإن استقرت وحققت الأمن، فستنتقل إلى إيران وسوريا».
أجابه خاتمي: «هذه أسئلة صحيحة وفي وقتها. نحن في إيران نفكر دوماً في هذه النقاط، ودائماً مبعوثي، وخاصة السيد (كمال) خرازي، خلال اتصالاته مع الأصدقاء، وخصوصاً السيد خدام، نأتي على ذكر ذلك».
وتابع خاتمي: «اسمحوا لي أن أشرح لكم. كان لي حول الموضوعين لقاءان: الأول مع وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف، والثاني اتصال مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك. السيد شيراك هو الذي بادر، ودام الاتصال نصف ساعة. والملاحظ من كلا الرجلين أن لديهما قلقاً من أن يتم الاعتداء على العراق، لكن قلقهما كان أكبر من ذلك، وكلاهما كان يعبر عن أن الحرب واقعة قريباً».
وأضاف خاتمي: «كان ذلك يوم الثلاثاء أو الأربعاء، حيث قالا: علينا أن نسعى إلى ألا يمتد الاعتداء إلى ما وراء العراق، وكان يساور الرجلين قلق من أن مهاجمة العراق هي الخطوة الأولى. وأنا أريد أن أستنتج وأضيف هذا القلق إلى الرأي العام العالمي. فهذا القلق يُعتبر من قِبل الرأي العام العالمي إيجابيّاً لنا، وهو يتلخص في معارضة عميقة وأساسية إزاء الاتجاه الأحادي الذي تقوم به أميركا وتمارسه. ولهذا السبب طلبتُ خلال اجتماعي غير الرسمي بالقمة الإسلامية أن يقوم ممثلنا بالاتصال مع شيراك والجميع، باعتبار هذا التأييد مطلباً عالميّاً».
وتابع خاتمي: «كلا الرجلين، شيراك وإيفانوف، توصلا إلى الجزم بوقوع الحرب، وقال شيراك إننا مستعدون لاستخدام الفيتو (حق النقض في مجلس الأمن)، لكن أميركا استعدت للحرب. وموقفه أن هذا الاتجاه المعارض لأميركا يجعل الحرب، إذا حصلت، اعتداءً غير مشروع. وقال: لنا الحق بالتصرف بعد ذلك. فقد استذكر شيراك رأيي الذي أدليت به، وقلت إن الغارات الجوية قد تكبد العراق وشعبه خسائر جسيمة، ولكن لا تؤدي إلى سقوط صدام. لذلك، سيكونون مرغمين على خوض حرب ذرية. وأنا أخمِّن وأقدِّر أن الجيش العراقي والحرس سيقومان بالدفاع عن المدن».
وقال خاتمي: «الانتصار الحاسم الذي تحصل عليه أميركا: أن تقصِّر فترة الحرب وتصل للانتصار في فترة قصيرة. لكن، إذا طالت المدة ستخسر أميركا. ويكفي أن تعود إلى أميركا جثث الجنود الأميركيون حتى ينقلب الرأي العام الأميركي ضد الرئيس جورج بوش وسياسته. لذلك لا أعتقد أن أميركا ستتمكن من إنهاء هذه الحرب. لكن هناك نقطة غامضة: لا أعرف مدى استعداد العراقيين للمقاومة والصمود. أنا لا أريد أن نسمح بوقوع الحرب، لكن إن وقعت الحرب فلا بد أن لا تكون أميركا منتصرة فيها بسهولة. النقطة الثالثة إن وقعت الحرب ماذا يجب علينا أن نفعل؟».
وأضاف خاتمي: «الموضوع الآخر الذي طرحته مع شيراك: أن المعركة تؤدي إلى تشديد وزيادة موجة العنف في العالم. أميركا في أفغانستان لم تحقق هدفها بالقضاء على زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أسامة بن لادن بل جعلته بطلاً، والآن تُنتج بطلاً آخر اسمه صدام، وستزداد موجة التطرف. وأيدني شيراك، لكنه قال إن الأميركيين ليسوا من أهل هذه المنطقة».

وقال: «قبل أن ندخل في المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد وقوع الحرب، أكرر سؤالاً: كيف ترون الوضع في حال وقوع الحرب بالنسبة لصمود الشعب العراقي، وبخاصة حرب المدن، لأنه إن طالت المدة ستكون الأضرار أكثر؟».
عقّب الأسد، قائلاً: «لو كان من يحارب غير الأميركيين لكان سقوط صدام أسرع، لكن الأميركيين تتحكم بهم الحماقة. قالوا إنهم سيحسمون الحرب خلال أيام أو أسابيع. لقد حصروا أنفسهم بهذا الزمن دون داعٍ».
وأضاف: «إذا سألنا العراقي: من تكره أكثر، أميركا أم صدام؟ سيكون هناك من يقول صدام، ولكن الإحساس أن الشعب العراقي سيقاتل مع صدام. لذلك، أعتقد أن مجموعة من العراقيين يهتمون بجانب، بينما آخرون في جانب آخر».
وتابع الأسد: «شيء آخر: سيقتل الأميركيون أعداداً كبيرة من العراقيين، وعندها سينسى الشعب أن هناك صدام حسين. بالنسبة للحرس الجمهوري والحزبيين المحيطين بالنظام، وأنا أتكلم هنا عن الحرس الجمهوري القريب، يوجد عدد كبير من القيادات السياسية والعسكريين يمكن تقسيمهم إلى نوعين: الأول مستفيد من النظام، والثاني مرتكب لجرائم وإعدامات. ستبدأ حماقة أميركا... هي لم تترك منفذاً لأحد من هؤلاء، فأصدرت لائحة تضم 1700 معارض يُمنع دخولهم العراق، وتكلمت عن حاكم عسكري للعراق. في الواقع ستكون هناك معركة، ولكن، بعد أيام سيكون الجميع ضد أميركا».
قال خاتمي: «كل المعارضة اليوم تقف ضد أميركا. علينا أن نحاول دفع الشيعة والسنة إلى تجاوز الخلافات».
عاد الأسد إلى الحديث، قائلاً: «نحن أكثر دولة تقف مع صدام، وهو أقل دولة تنسق معنا. إنه نظام غريب يعيش في عالم آخر. كنت أتحدث من قبل وأقول إن من المفترض أن أوسّع المشاركة الداخلية، فلدينا الآن في سوريا انتخابات بلدية. وكنا نتحدث في الطائرة عن كيفية توسيع هذه المشاركة. صدام حسين يفعل العكس. لقد قسّم العراق بالأمس إلى أربع مناطق، وسلَّم إحدى المناطق لعلي حسن المجيد الملقب بالكيماوي، وهذا سيقلب الصورة ضد صدام. نحن كسوريين وإيرانيين كيف نتعامل مع المعارضة؟ من الضروري استيعاب المعارضة في الخارج، ولكنها لا تستطيع أن يكون لها دور. نحن بحاجة لعلاقات أوسع في داخل العراق. بالنسبة لنا في سوريا، العلاقة ضعيفة بسبب عدم وجود الثقة بين نظامينا».
وأضاف الأسد: «هذا الموضوع بحاجة لدراسة تفصيلية بالاسم، لأن أي مجلس أو شخص يأتي لحكم العراق يكون هؤلاء الأشخاص. أميركا لم تقبل اقتراح دولة عربية استبدال صدام بشخص آخر هو عزت الدوري. هذا تصوّري لهذه النقطة».
علّق خاتمي، قائلاً: «نحن أيضاً لا نعرف ماذا يجري داخل العراق. أنا أقتنع بمثل هذا الشعور المتناقض تجاه صدام وأميركا، وأعتقد أنه إن طالت الحرب ورأى الشعب الخسائر واستطاع الجيش والحرس الجمهوري المقاومة، سيكون الزمن على حساب الجانب الأميركي.
وفي إطار العمل لمستقبل العراق لا بد من إبعاد أي توجه يهدد الموقف، وإبعاد الأخطار المهمة التي تتمثل في الطائفية والتناحر بين الفصائل، لأن هذا يسهّل عمل أميركا، كأن يطالب الشيعي بحصة وكذلك الكردي وغيرهما، وهذا سيكون سُمّاً لمستقبل العراق، وأنا أرى أنه لا بد من التفكير بمستقبل عراقي ديمقراطي، بحيث لا يكون العراق بيد الأميركيين حتى إذا لم يكن عدوّاً لأميركا».
وتابع خاتمي: «موقف المعارضة الآن متصف بالرعونة، في حين أن التصرف الأميركي متصف بالعنجهية. إن أكبر رهان على المعارضة الآن هو أن أميركا عاملتهم بطريقة سيئة، والكل أبدى انزعاجه من تصرفاتها، بمن فيهم (أحمد) الجلبي، القريب جدّاً من أميركا. هذا الأمر ساعد في عودة الجميع إلى رشدهم والتقليل من العمل في الاتجاه الطائفي».
وأضاف: «لتركيا دور كبير في هذه المرحلة. ورغم التزامات تركيا تجاه أميركا، فإنني ألاحظ أن الجماعة التي تحكم تميل للعمل معنا ومع العالم الإسلامي. يجب علينا أن نكون حذرين من قيام دولة كردية، ولا بد من تكريس الفكرة القائلة بأن أكراد إيران هم إيرانيون، وأكراد العراق عراقيون، وأكراد تركيا أتراك، وفي هذا المجال لا بد من طمأنة الأتراك وتبديد مخاوفهم. على كل حال، يجب التنسيق بيننا وبينكم وبين المعارضة العراقية في هذه الأمور».
عقّب الأسد: «في المعارضة حالتان: الأولى وصلت إلى مرحلة النضج ولن تتعامل مع أميركا، والثانية هرولت باتجاه أميركا عندما أشارت إليها. هؤلاء، إن وصلوا إلى الحكم لن يعملوا مع سوريا وإيران، بل سيكونون في الجانب الأميركي. لذلك، لا بد من توسيع العلاقات وخلق عناصر أخرى للتنسيق. العنصر الأكبر هو الأكراد. لديهم خوف وهم يفكرون بإقامة وطن. هذه النقطة هي الأهم. لقد بحثت هذا الأمر مع (الرئيس التركي الأسبق) عبد الله غول، ومنذ أيام ذهب وفد أمني سوري إلى تركيا. المحور الأساسي للتعاون بين سوريا وتركيا الآن هو موضوع الدولة الكردية، وهذا يجمع كل التيارات في تركيا، من العسكر وغيرهم، لأن هذا يقلق تركيا وسوريا وإيران والعراق، ويجب التنسيق بيننا في هذا الموضوع».
أخذ خاتمي الحديث فقال: «الآن تركيا مهمة جدّاً لمرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها. تركيا تتلقى أوامرها من أميركا، وبدا ذلك بشكل واضح في مؤتمر القمة الإسلامية. يجب ألا نحصر أنفسنا في اللقاء السداسي في إسطنبول. أعتقد أننا نستطيع أن نكون قوة إقليمية في المنطقة تضم سوريا وإيران وتركيا، وذلك في مرحلة الحرب وما بعدها، لكون تركيا متضررة مثلنا. حتى نهاية أبريل (نيسان) ستظهر الأمور بالنسبة للحرب، وستتوضح صورة حكومة (رجب طيب) إردوغان الجديدة، وربما تصبح الأمور أسوأ في الساحة العراقية. أقترح عقد لقاء قمة ثلاثي، أو على مستوى الوزراء، لبحث ما يمكن تحقيقه (...) أرى أن عقد اجتماع ثلاثي على مستوى وزاري وبعده قمة، سيكون له أثر كبير، سواء وقعت الحرب أم لا، وسواء انتصرت أميركا أم لا. وعلينا التفكير بالموضوع منذ الآن. سبق لنا أن اقترحنا موضوع 5+6. أي اجتماع يضم خمسة أعضاء من مجلس الأمن وست دول مجاورة للعراق، وقد رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، ولكنها لم تتحقق. هل يمكن طرح الفكرة اليوم، خصوصاً بعد المواقف التي تتخذها كل من فرنسا وروسيا والصين؟».
تدخّل في الحديث كمال خرازي: «الرئيس خاتمي طرح فكرة الوفاق الوطني»، فأجابه خاتمي: «المشكلة أن هذه الفكرة لم تُعجب أحداً». فتساءل خرازي: «إن طُرحت هذه الفكرة ثانية، هل يمكن أن تبصر النور؟». أجابه الأسد: «كان الطرح هو المفاوضات بين الأطراف، فالوقت غير مناسب، لأن الطرح سيكون: مَن يأخذ أكثر؟ وسيتم التناحر بين القوميات، وسيظهر للعالم أن الموضوع داخلي وليس موضوع عدوان. نحن نريد التركيز على العدوان. الجانب الآخر الذي أراه مناسباً هو تحقيق التطور. لقد تحدثنا مع العراقيين كثيراً. هم لا يُنسقون معنا، لا في اللجنة الخماسية ولا في أي شيء آخر. وعندما نتحدث معهم عن المعارضة، يقولون نحن لا نخاف من أحد».
علَّق خاتمي: «المعارضة لا تروق لأحد». أجابه الأسد: «نستطيع إعطاءها وعوداً وهمية على الطريقة الأميركية، ومع ذلك يمكن طرح الموضوع مع وزير الخارجية العراقي. المشكلة الأولى في الحرب هي صدّام نفسه». قال خاتمي: «بالنسبة للحرب، أميركا تتعامل بقوة، وربما لديها مشاريع وخطط. هل أنتم مطمئنون إلى إمكانية قيام الجيش بعمل ما في الداخل؟ إن انتصرت أميركا بسرعة سيكون الأمر صعباً». أجابه الأسد: «الحل في المقاومة». فتابع خاتمي: «إذا وقعت الحرب؟»، فقال الأسد: «يجب الإعداد للمقاومة قبل الحرب«.
هنا علَّق خاتمي: «لا بد من وجود أهداف عدة: أولاً، لا نريد وقوع الحرب، وثانياً، إن قامت لا نريد أن تنتهي بسرعة، وثالثاً، مستقبل العراق. يجب العمل والتنسيق لتحقيق هذه الأهداف، ولا بد من التباحث حول كيفية التعامل مع المعارضة.
النقطة الأخرى هي أنه يجب معرفة ما يجري داخل العراق وكيفية التأثير فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لمستقبل العراق. يجب أن تنصبّ جهودنا على تجنب الطائفية، ويجب أن يكون شرطُنا للعمل مع المعارضة هو التزامها بعدم إثارة المشكلات. نحن لا نفرّق بين سُنّي وشيعي. إن حدث أمر كهذا، وهذا ما يقلقني، فإن المعارضة ستسقط، وهذا يسبب خسارة».
عقّب الأسد: «للطرح الطائفي في العراق نتائج سلبية. قبل طرح أي أمر يجب أن يكون له هدف. التركيز على المعارضة يخيف الأميركيين، لكن هذا يتطلب بحث العلاقات مع العشائر. اليوم يوزع الأميركيون الأموال والهواتف على رؤساء العشائر. لا أعرف إن كان هؤلاء سيلتزمون مع أميركا، ولكنهم في الوقت الحالي سعداء بالأموال. ما هي علاقتكم بالعشائر؟».
أجابه خاتمي: «لا توجد علاقات بيننا، ولكني أعتقد أن للمعارضة اتصالات مع العشائر، ولها ارتباطات أخرى». رد الأسد: «سيكون التعامل صعباً إلى حد ما».
تدخلتُ في الحديث قائلاً: «لدي اقتراح: إن وجهتي نظر سوريا وإيران متطابقتان. لا بد من إيجاد منهجية للعمل. هناك أطراف عدة في المعارضة مخترَقة من قِبل الأميركيين. أقترح تشكيل مجموعة عمل تدرس المعارضة العراقية. هناك الكثير من أطراف المعارضة رفضت العمل تحت المظلة الأميركية، وهناك من يعتقد أن الحرب فرصة مناسبة للانقضاض على النظام».
أجاب خاتمي: «أنا لستُ معكم، لكنني أوافقكم بأن هناك بعض المخترَقين من قِبل أميركا، لكن في الوقت نفسه البعض لم يعارض». أجبته: «بعض المشاركين يقولون إنهم يعملون مع المخابرات الأميركية والبريطانية. وبالفعل، فقد حضر المؤتمر أعضاء من المخابرات المركزية الأميركية كمراقبين، كما حضره أعضاء من المخابرات الإيرانية كمراقبين أيضاً، وبالتالي لا بد من تدقيق وضع المعارضة العراقية وتصحيح أوضاع من نستطيع التأثير عليهم».
أجاب خاتمي: «لا شك أنهم فضّلوا التعامل مع أميركا، لكنّ تعامل أميركا السيئ معهم جعلهم ينظرون إلى المعارضة وكأن لها موقفاً موحَّداً ضد أميركا. ولهذا السبب تراجعت المعارضة في أربيل، وأميركا لا تقبل بهذه المعارضة إلا أناساً يقفون معها 100 في المائة. قال المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد للمعارضة: نحن لا نقبل بالمعارضة وسنزرع حاكماً عسكرياً في العراق، وبعد الهدوء سنضع حاكماً سياسياً، وسننشئ دستوراً عراقياً، وأقصى شيء يمكننا عمله معكم هو التشاور».
وأضاف: «عندما تقوم أميركا بالعمل العسكري لن يكون للمعارضة أي نشاط. لقد خططت أميركا لتحقيق ما تريده في العراق، وجميع أطراف المعارضة كانت منزعجة منها، وقرروا في أربيل إصدار بيان معارض لأميركا، وهذا شيء جيد، وكان له أثر في تغيير اللهجة الأميركية. لذلك أنا لست معك بوجود أطراف معارضة تعمل مع أميركا وأخرى مستقلة تماماً، لكن في الوقت ذاته، أي طرف من المعارضة سيرى مصلحته مع أميركا سيقترب منها، بالإضافة إلى بعض الأطراف التي تعتمد على أميركا منذ البداية. الجانب الأميركي يصر على من يتبعون له، ولكن في الوقت ذاته أنا أؤيد وجهة نظركم بأن هناك خارج المعارضة من هم أكثر مقاومة وجديّة، ولكن يجب أن نكون واقعيين».
وتابع قائلاً: «هذا الاقتراح من الرئيس بشار بأن نجلس مع تركيا اقتراح حكيم، ولا بد من أن ننظر للمعارضة بإطار واسع لنَحول دون اتساع الخلافات، ونَحول دون وقوع المعارضة في أحضان أميركا، وسنكون سعداء جدّاً بأن يكون لنا نوع من الوجود. أنا أوافق على مجموعة العمل، فالإنسان لا يُخير دائماً بين الجيد والسيئ، ولكن يجب التمييز بين السيئ والأسوأ».
وبعد أن أنهينا اللقاء مع الرئيس خاتمي، توجّهنا للقاء المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي بدأ الحديث مُرحباً بنا، متمنياً أن تكون الزيارة مفيدة لكِلا البلدين. بعد ذلك تحدث الأسد، قائلاً: «التنسيق بين بلدينا عالٍ، وبكل تأكيد ستحقق زيارتنا النجاح، وسوف تضفي هذه الزيارة بعض (الرتوش) على التنسيق بين بلدينا. لقد عكَس نقاشنا اليوم تطابق وجهات النظر بين بلدينا. ناقشنا موضوع العراق بشكل موسّع، ويوجد تحليلات كثيرة، والرؤية سوداوية حول هذا الموضوع، والنقاط البيضاء فيه هي تحالفنا ومواقفنا وتاريخنا. لقد سقطت الأقنعة وكل شيء اتضح. أميركا عبّرت عن موقفها وقالت إنها تريد احتلال العراق وتنصيب حاكم عسكري، وقالت إنها ستحارب بعد ذلك سوريا وإيران وأي دولة لا تعجبها. نحن ندرك قوة أميركا العسكرية وإمكانات سوريا وإيران... ولكن نحن أصحاب الأرض».
أضاف الأسد: «قلنا في البداية إننا لا نريد حدوث الحرب لأنها ضارة للجميع، لكن من غير المعقول أن نجلس وننتظر مجيئها إلينا لاحقاً. لا يوجد دولة جارة للعراق تملك قرارها سوى سوريا وإيران، لكن أعتقد أن أهم شيء يمكن أن يحدث في حال حصول الحرب هو امتدادها حتى تتعب أميركا».
تحدث خامنئي قائلاً: «شكراً جزيلاً على هذا التحليل الجيد حول ما يجري في المنطقة. الحقيقة هي أننا دولتان شقيقتان، تجمعنا أمور كثيرة ومخاطر مشتركة، وهذا بحد ذاته عامل تشجيع لزيادة التعاون الكامل بيننا. تواجه المنطقة وضعاً خطراً».
 

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.


بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.