تأملات مبعوث للملف السوري: لحظات مظلمة قبل الفجر

تأملات مبعوث للملف السوري: لحظات مظلمة قبل الفجر

الخميس - 24 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 10 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15353]
مارتن لنغدن
المبعوث البريطاني إلى سوريا

لا يتحدث الدبلوماسيون دوماً بوضوح، وينبع حرصنا في استخدام اللغة من سبب وجيه، فالتوجه غير المباشر غالباً ما يكون مفيداً على نحو أكبر في رسم حدود اتفاق ما أو تمهيد الطريق أمام جهود التعاون الدولي. غالباً، وليس دائماً.
ويتطلب حجم وحدة الأزمة القائمة في سوريا منا جميعاً التحدث بجلاء وصدق أكبر حول الواقع الذي تتكشف ملامحه أمامنا، والخطيئة الكبرى وراء الاستمرار في رفض عمل ما يجب عمله إذا كانت هناك رغبة حقيقية في إنقاذ سوريا من كارثة أكثر فداحة.
بطبيعتهم، يتحلى الدبلوماسيون بالتفاؤل، ذلك أننا متمرسون في إيجاد حلول مبتكرة لقضايا شائكة. بيد أنه في الوقت ذاته يتعين علينا التحلي بالواقعية والصدق. في الحقيقة، حجم الدمار الذي لحق بسوريا يعني أن إعادة تأهيل البلاد سيكون دوماً مهمة صعبة. لكن رفض نظام الأسد المشاركة بجدية في عملية إصلاح سياسي، حسبما يطالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مع استمراره في الوقت ذاته في سلوكه القمعي، الذي يؤتي بنتائج عكسية، أطال أمد شقاء الكثيرين وأهدر وقتاً ثميناً. وفي يومنا هذا، أصبح الوقت - مثل الغذاء والوقود - سلعة توشك على النفاد داخل سوريا.
وغالباً ما قيل، إنه رغم أن الاحتمالات تشير إلى أن النظام سيفوز في الحرب في سوريا، فإنه سيواجه صعوبات جمة في «الفوز» بالسلام، بمعنى أن النصر العسكري للنظام لن يكون باستطاعته أبداً إصلاح أي من الأسباب الجوهرية للأزمة الراهنة، أو تحقيق استقرار حقيقي أو توفير الأمن والرخاء للشعب السوري.
اليوم، تقف سوريا على حافة الهاوية. وتشكل الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية التي ألمت بالبلاد تهديداً خطيراً ومتفاقماً للسوريين. من جهتها، حذرت الأمم المتحدة هذا الشهر تحذيراً صادماً من أن مليوني سوري إضافيين الآن أصبحوا في حاجة ملحة لمساعدات إنسانية، ليرتفع الإجمالي إلى 13 مليوناً. وتتصدر سوريا اليوم القائمة العالمية لمتطلبات التمويل الإنساني.
ومع زيادة المسار السلبي الخطر الذي يتبعه النظام سوءاً من أسبوع لآخر، هل لا يزال من الممكن وقف هذا التردي والتحرك نحو علاجه؟
في حال الاستمرار في النهج الحالي للنظام السوري، فإن الإجابة بالقطع لا. ومع اقتراب الشتاء، تحتشد صفوف المواطنين الذين تعتمل نفوسهم بيأس متزايد طلباً للحصول على الوقود والخبز، في الوقت الذي تبدو خطابات النظام حول «عودة الأوضاع إلى طبيعتها» أكثر خواءً يوماً تلو آخر. الواضح أن النظام وداعميه، يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإصلاح هذه السفينة التي تحدق بها الأخطار، لكن في كل الأحوال يتركز اهتمامهم حصراً على ضمان البقاء لهم وللنخب المتآكلة.
وبدلاً عن الانخراط بجدية في العملية التي صاغتها الأمم المتحدة، وهي عملية بمقدورها بالفعل نقل سوريا إلى وضع أفضل وخلق مساحة أمام الدعم المالي الدولي والمصالحة الوطنية، تسعى دمشق حصراً لتعطيل أي تحرك نحو الأمم. ويأمل النظام السوري في أن تفلح الانتخابات المقررة العام المقبل، والتي بالطبع لن يسمح للكثير للغاية من السوريين بالمشاركة فيها، في خلق فرصة للبدء من جديد وقلب الصفحة. لكن كيف يمكن أن تأمل في قلب صفحة بينما الكتاب نفسه تلتهمه النيران؟
الواضح أن سوريا بحاجة إلى مساعدات اقتصادية ضخمة - وبسرعة، لكن هذه المساعدة لن تأتي من موسكو. في الواقع، قدمت روسيا حداً أدنى من المساعدات المالية لسوريا، ذلك أن حلفاء النظام يأخذون من سوريا، ولا يعطونها. في المقابل، نجد أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة وشركاء أوروبيين يقدمون النصيب الأكبر من الدعم المالي للسوريين، عبر كامل أرجاء البلاد وما وراء ذلك.
لكن يجب أن تكون تلك مساعدات إنسانية في الجزء الأكبر منها، بحيث تركز على تلبية الاحتياجات القصيرة الأجل، بما في ذلك الطعام والمأوى والتعليم الأساسي، وليس مساعدات اقتصادية بمعنى أوسع. وتبقى المملكة المتحدة وحلفاؤها واضحين وعاقدي العزم على عدم توفير دعم لإعادة إعمار سوريا إلا في إطار حل سياسي. ولا يعكس هذا موقفاً يقوم على المبادئ فحسب، وإنما بصراحة، يعكس كذلك حدود ما يمكننا فعله من أجل خلق اختلاف إيجابي.
في جوهرها، تحمل القضايا التي خلقت وتُبقي على الأزمة السورية، طابعاً سياسياً. أما التداعيات الاقتصادية، فليست سوى عرضية (وإن كان ذلك عرضياً فتاكاً) لذلك الداء الأوسع. ومن دون حدوث تغيير حقيقي في سلوك النظام، وتوفير بيئة آمنة لعقد انتخابات حرة ونزيهة بحق، لن تتمكن أي مساعدات اقتصادية مهما بلغ حجمها إعادة الاستقرار لسوريا، وتمكين اللاجئين من العودة إلى منازلهم والسماح بإقرار مصالحة وطنية وإعادة بناء البلاد.
في الواقع، لقد خضنا نضالاً مستمراً لضمان عدم تغيير مسار المساعدات الإنسانية الأساسية التي يجري تمريرها عبر قنوات الأمم المتحدة في دمشق على يد النظام واستغلالها لخدمة أجندته السياسية. وعليه، فإنه في وقت تحتاج سوريا بشدة إلى اقتصاد يوفر الوظائف والدخل للناس، لماذا يتعين على الدول الغربية المانحة المخاطرة بملء جيوب النظام وتعزيز محاباة الأقارب والفساد الذي استوطن في مفاصل الدولة السورية وأصابها بالعفن؟
الحقيقة أن كل المعنيين بهذه الأزمة يقفون في مواجهة اختيار بسيط وواضح: إما أن نعمل معاً بسرعة وتصميم لتحقيق حل سياسي ينهي حالة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام الدعم المالي، وإما نتبع المسار الوحيد البديل - الذي أخشى أننا نسير عليه بالفعل في الوقت الراهن - حيث تدفع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وغياب المستوى الأساسي من الأمن سوريا من على حافة الهاوية. النظام وأعوانه يقفون في مواجهة هذا الاختيار اليوم، بينما تقترب لحظة الحسم واتخاذ القرار.
لقد سبق أن قلت إن الدبلوماسيين كائنات تتميز بالتفاؤل بطبيعتها، وثمة أسباب تدعو لعدم اليأس. في الواقع أكثر اللحظات ظلاماً تلك التي تسبق بزوغ الفجر مباشرة، ولا يزال من الممكن أن نعاين أمامنا سبيلاً بمعاونة الأمم المتحدة والممثل الخاص لها غير بيدرسون للخروج من نفق هذه الأزمة.
على الصعيد الدولي، ليست هناك دولة تستفيد حقاً من وجود سوريا محطمة وغير مستقرة، وينبغي أن نسعى للاتفاق حول توجه مشترك لتحقيق تسوية تحترم المصالح الوطنية لجميع الأطراف المعنية. وداخل سوريا، يتعين على داعمي النظام أن يدركوا أنه من المتعذر استمرار الوضع القائم حالياً، خاصة أن التكاليف التي يتحملونها، وهم وراء دعم نظام فاشل، تتفاقم يوماً بعد آخر. في الواقع ما كان يوفر لهم الحماية ذات يوم أصبح الآن عبئاً.
وتبقى هناك رؤية بديلة: سوريا موحدة ومزدهرة وذات سيادة تمثل التركيب المتنوع بداخلها ويجري حكمها بما يخدم مصالح جميع السوريين، وليس أقلية قليلة للغاية. لقد تشرفت من خلال عملي هذا بمعرفة سوريا وشعبها، وأنا على ثقة من أنه حال إعطائهم الحرية وبدعم دولي، باستطاعة الشعب السوري، بصلابة السوريين وقوتهم وطاقتهم وعزيمتهم وإنسانيتهم وروحهم، إعادة بناء وطنهم الممزق وتحقيق كامل إمكاناته. وآمل من صميم قلبي أن يقدم أصحاب النفوذ الأكبر على صانعي القرار في دمشق أخيراً على فعل كل ما هو ضروري للسماح بإنجاز ذلك، قبل فوات الأوان.
* المبعوث البريطاني إلى سوريا


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة