تداعيات رفع سعر اللقاحات ستكون وخيمة

تداعيات رفع سعر اللقاحات ستكون وخيمة

الخميس - 11 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 26 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15339]

يفتقر العالم إلى المساواة، وجاء وباء (كوفيد - 19) لينذر بتفاقم تلك الحالة من انعدام العدالة، وبات لزاماً على البلدان الأكثر فقراً أن تناضل لسداد ديونها. فقد أُرغمت الدول الفقيرة تحت وطأة أنظمتها الصحية الهشة ومدنها المزدحمة، على فرض قيود أكثر صرامة وضرراً على المستوى الاقتصادي، وارتفعت معدلات الفقر لديها بشكل كبير. والآن فإن هذه الدول تخشى أن تؤدي جهود التعافي من مراحل من الوباء العالمي إلى إلحاق المزيد من الضرر بها، نظراً للتكلفة الباهظة لعمليات التلقيح.
لذلك لا ينبغي لنا أن نندهش حين نقول إن العديد من البلدان النامية، بقيادة الهند وجنوب أفريقيا، قالت الأسبوع الماضي خلال جلسة لـ«مجلس حقوق الملكية الفكرية» التابع لـ«منظمة التجارة العالمية» إن المدفوعات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية لا بد أن يجري تعليقها طيلة فترة استخدام لقاحات فيروس (كوفيد - 19)، حيث يخشون من أن تؤدي حقوق الملكية الفكرية إلى عرقلة جهود توفير المنتجات الطبية بأسعار معقولة في الوقت المناسب لمواطنيهم.
من المقرر أن يجتمع المجلس بكامل أعضائه لهذا الغرض في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وأياً كانت النتيجة، فستكون المزايدة طلقة تحذيرية لنظام حقوق الملكية الفكرية بشكله الحالي. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإقناع البلدان الفقيرة بالحصول على اللقاحات، بل إن الأمر يدور حول السماح لهذه البلدان باختيار اللقاح الذي يناسب شعوبهم وبنيتهم التحتية على أفضل وجه، وضمان حصولهم على القدر الكافي من الجرعات بسرعة كافية، حتى لا يضطروا إلى الانتظار حتى عام 2024 لاستئناف حياتهم الطبيعية، فيما يتحرك الغرب والصين إلى الأمام في هذا الصدد.
من الواضح أن هذا الالتماس مبالغ فيه بدرجة كبيرة، إذ إنه ليس هناك من الأسباب ما يدعو إلى تعليق كل حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بتفشي الوباء، لأن قلة قليلة فقط من البلدان النامية ستكون مهتمة باللقاح الذي أنتجته شركة مثل «موديرنا» الذي يتطلب نوعاً من مرافق التخزين المبردة التي ستناضل من أجل بنائها.
كانت أغلب هذه الشركات قد راهنت بالفعل على اللقاح الذي تنتجه شركة «أسترا زينيكا المحدودة» بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية، الذي وعدت الشركة ببيعه بسعر التكلفة للعديد من البلدان النامية. ومع الأنباء التي تحدثت في نهاية الأسبوع الجاري عن فاعلية اللقاح بنسبة 70 في المائة في المتوسط في التصدي لـفيروس (كوفيد - 19)، فإن أي حجة مفادها أن تعليق حقوق الملكية بالنسبة لكميات الجملة أمر مطلوب لمنع الضرائب التي تفرضها البلدان الفقيرة على مخازن الأدوية الكبيرة قد بدأت تفقد وقعها.
ومع ذلك تظل الحقيقة أنه إذا ما اضطرت تدفقات رأس المال هذه إلى التحقق على أرض الواقع - إن لم يكن من أجل اللقاحات، فإن ذلك يعني فرض رسوم على العلاجات أو الاختبارات المتطورة - فإن الدول النامية ستثور. ولذلك يتعين علينا أن نضمن عدم دفع البلدان الأكثر فقراً إلى أقصى الحدود إذا أردنا تجنب انهيار الاعتراف العالمي بحقوق الملكية الفكرية على نحو قد يؤدي إلى تراجع الإبداع في مختلف أنحاء العالم.
هذا هو الاختبار الأول لما يواجه نظام الملكية الفكرية العالمي، ولن يكون الأخير. إن المستقبل الذي يقوم فيه أصحاب الخوارزميات، أو رأس المال، أو البيانات، أو المنصات في الغرب بالحصول على نظير حقوق ملكية دائمة، سواء من المستهلكين أو الحكومات في البلدان الأكثر فقراً لهو أمر أقل ترجيحاً مقارنة بالحال في بقية دول العالم الأغنى. فنظام الملكية الفكرية الذي لا يتمتع بالقدر الكافي من المرونة لإدارة هذه الأزمة هو ذلك النظام الذي سوف ينكسر تحت ثِقَل ذلك النظام التقني غير المرن.
أو بعبارة أخرى، من مصلحة الجميع - بما في ذلك سكان أفقر بلدان العالم، الذين يعتمدون على إبداع أغنى بلدان العالم لتحسين حياتهم - أن يتخلصوا من ذلك الشعور قبل أن تتاح لهم فرصة حشد الزخم السياسي. وتدرك بعض الشركات هذه الحقيقة، فقد وعدت شركة «أسترا زينيكا» على سبيل المثال بعدم تحقيق الربح من اللقاح ما دام (كوفيد - 19) يمثل وباء (ولو أن الكيفية التي ستعلن بها نهاية الوباء تظل غامضة).
بعض قادة الدول الغنية يفعلون ذلك أيضاً، حيث استضاف بوريس جونسون مؤتمراً عالمياً للقاحات، وتعهدت المملكة المتحدة حتى الآن بتقديم 700 مليون دولار لصندوق اللقاحات المشترك «COVAX». وساعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إطلاق مبادرة «تسريع وتيرة مكافحة كوفيد» الذي يقدم أفضل فرصة للتوزيع ليس للقاحات فحسب، بل أيضاً للاختبارات التشخيصية والعلاجات.ورغم ذلك فقد أنتجت غالبية حكومات الدول الغنية حزم مواجهة الوباء، وهي خطط قومية صارمة. ولا يمثل رقم 38 مليار دولار الذي جمعته مبادرة «تسريع وتيرة مكافحة كوفيد» الذي أطلقه ماكرون أقل من 1 في المائة من المبلغ الذي التزم به العالم الغربي لحزم التحفيز السخية. ولا تزال مبادرة ماكرون تناضل لجمع المال، بعد أن جمعت 3 مليارات دولار فقط حتى الآن.
كانت الولايات المتحدة هي المذنب الأكبر، إذ لم يُبد الرئيس دونالد ترمب أو الديمقراطيون في الكونغرس أي اهتمام بالمساعدة في تمويل هذا الجهد، حتى بالرغم من أن آمال البلاد في الازدهار في المستقبل تعتمد على نظام حقوق الملكية الفكرية العالمي. وإذا كان الرئيس المنتخب جو بايدن راغباً في إثبات أن الولايات المتحدة ستساهم مرة أخرى بنية حسنة في تلك الجهود العالمية، فبوسعه أن يبدأ بأن تقطع إدارته وعداً على نفسها بأنها ستفعل كل ما يلزم لضمان تمويل العمل بمبادرة «تسريع وتيرة المواجهة» السالفة الذكر بالكامل. وإذا ما اختارت الولايات المتحدة أن تجلس في مقعد المتفرجين في نهاية الصفوف، فسوف تتلاشى آمالها في استعادة الاحترام والزعامة العالميين.


- بالاتفاق مع {بلومبرغ}


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة