ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

حول مؤتمر الحوار السياسي الذي تستضيفه تونس

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق
TT

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

ليبيا... لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق

انطلقت في تونس الاجتماعات الأمنية والسياسية التونسية - الليبية الرفيعة المستوى؛ تمهيداً لتنظيم «مؤتمر الحوار السياسي الليبي الأول» الذي سينظم في العاصمة التونسية، في حين أعلنت موفدة الأمم المتحدة بالنيابة ستيفاني وليامز نجاح اجتماعات جنيف بين كبار القادة العسكريين الليبيين ضمن ما عرف بمجموعة «5+5» في تحقيق اتفاق هدنة أمنية شاملة غير مسبوقة.
هذا المؤتمر الأممي الليبي فتح آفاقاً للتسوية السياسية الشاملة والانتعاش الاقتصادي في دور دول الجوار الليبي، إلا أنه كشف في الوقت نفسه عن صراعات جديدة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة الليبية. وبينما تحركت السلطات في كل من تونس والجزائر والمغرب ومصر دعماً لـ«التسوية السياسية» التي يمكن أن تخدم مصالحها الاقتصادية على المديين القصير والبعيد، تعاقبت تحرًكات العواصم الغربية لمحاولة التأثير في مقررات هذا المؤتمر، المرشح أن يحدد مصير بلد تقدر احتياطه من النفط بأكثر من 20 مليار البراميل، ومن الغاز بعشرات تريليونات من الأمتار المكعبة. فهل يسفر مؤتمر تونس عن الحوار الليبي عن نتائج ملموسة بما يخدم الاستقرار الأمني والمصالح الاقتصادية في ليبيا والدول المجاورة لها، وخاصة في البلدان التي انهار اقتصادها بشكل كبير بعد أزمة «كوفيد - 19» مثل تونس، أم يحصل العكس؟ وهل يساهم الانفراج الأمني والسياسي في ليبيا في إنقاذ دول جوارها من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟

تكشف تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين عن ليبيا، بعد زيارات قاموا بها إلى تونس والجزائر والرباط وطرابلس والقاهرة والخرطوم وجنيف، عن وجود «إرادة سياسية لإيقاف الحرب المدمرة التي تعصف بليبيا منذ حرب الإطاحة بحكم معمر القذافي في 2011»، حسب تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط» الدبلوماسي التونسي السابق في ليبيا والخبير لدى الاتحاد الأوروبي البشير الجويني. لكن الجويني استطرد وحذر من «الإفراط في التفاؤل، ومن تجاهل لعبة المصالح المحلية والعربية والدولية في ليبيا، ومن تعمّق الخلاف حولها بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وأميركا وروسيا وتركيا...».
الدبلوماسي التونسي ذكّر بكون القمة العربية التي عقدت في تونس مطلع شهر أبريل (نيسان) 2019 بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعمت «المؤتمر الوطني الجامع» الذي كان مقرراً عقده بجنوب ليبيا يوم 19 من الشهر ذاته. إلا أن الأوضاع العسكرية تفجّرت بعد أيام من مغادرة القادة العرب وأمين عام الأمم المتحدة تونس... وكانت الحرب الشاملة في العاصمة طرابلس ومعظم مدن الغرب الليبي.
من جانبيه، لم يستبعد علي اللافي، الإعلامي التونسي الخبير في الشؤون الليبية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تضرم بعض الجهات مجدداً «فتيل الحرب والاقتتال بالقرب من حقول إنتاج النفط وموانئ تصديرها؛ وهو ما يعني إجهاض أحلام الشعب الليبي وشعوب دول الجوار التي لديها مصالح كبيرة في ليبيا، وتطمع في أن تفوز بجانب من صفقات إعادة البناء ومن فرص إنعاش الحركة التجارية والسياحية معها». وأشار اللافي إلى كون ليبيا كانت توظف قبل حرب الإطاحة بالقذافي في 2011 نحو مليوني عامل عربي، نصفهم من مصر ونصفهم الآخر من تونس وبقية دول الجوار.
أيضاً، أورد السفير الليبي السابق بتونس أحمد النقاصة، أن ليبيا كانت الشريك الاقتصادي الأول لتونس قبل ثورات 2011، وأن المبادلات الرسمية وغير الرسمية معها كانت توفر مورد الرزق الأول لملايين التونسيين، خاصة في محافظات الوسط والجنوب.

فرصة للمصانع وللتجار
في اتجاه موازٍ، يعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين، منهم محسن حسن، وزير التجارة التونسي السابق، أن «الاتفاق السياسي الليبي، تتويج لمحادثات تونس وسويسرا وألمانيا والمغرب ومصر، يمكن أن يكون فرصة لإعادة الحياة للمبادلات التجارية ولاتفاقيات التصدير السابقة بين مئات المصانع التونسية والجزائرية والمصرية مع المؤسسات الليبية ومع بقية الأسواق الأفريقية في دول جنوبي الصحراء». وأورد محسن حسن في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تطبيع الأوضاع في ليبيا قد يساعد تونس على تحقيق نسبة نمو سنوية في الناتج الخام لا تقل عن نقطة كاملة، ويمكن أن يساعد السلطات والأطراف الاقتصادية على تخفيف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة في البلاد. كذلك، أورد محمد المسيليني، وزير التجارة السابق والقيادي في حزب الشعب القومي العربي، أن عشرات الآلاف من صغار التجار والمستثمرين التونسيين يعتمدون على شراكتهم مع ليبيا. بيد أن المسيليني أعرب عن تخوفه من تعثر مسار المصالحة والتسوية السلمية في ليبيا بعد تعاقب حالات غلق المعبرين الحدوديين بين تونس وليبيا في مستوى «رأس الجدير» و«الذهيبة - وازن»، بسبب خلافات بين كبار المهرّبين وقادة بعض المجموعات العسكرية الليبية، والاضطرابات الاجتماعية في الجهات الحدودية من الجانب التونسي.

السودان ودول جنوبي الصحراء
وفي السياق نفسه، قال حكيم بن حمودة، الخبير الاقتصادي لدى الصناديق الأفريقية والدولية والوزير التونسي السابق للاقتصاد والمالية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدراسات التي أجرتها مؤسسات الاتحاد الأفريقي تؤكد أن دول الجوار الليبي، وخاصة تونس والسودان ومصر، تأثرت اقتصادياً سلباً بالحرب الطويلة التي تشهدها ليبيا من 2011». وتوقع بن حمودة أن «تنتعش اقتصاديات هذه الدول والقطاع الخاص فيها في حال نجاح مسار الانفراج السياسي والأمني في ليبيا بعد المؤتمر الأممي في تونس».
أما الدبلوماسي سعيد بحيرة، الكاتب العام السابق لوزارة الخارجية وممثل تونس في «الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة»، فقد نوّه بـ«الصبغة الاستراتيجية للشراكة بين ليبيا وجيرانها، وخاصة مع تونس ومصر والجزائر والمغرب». وذكّر بالمبادرات السياسية التي سبق أن صدرت خلال الأعوام الماضية في تونس، ومن بينها المبادرة الثلاثية التونسية – الجزائرية – المصرية، ومبادرة «دول الجوار الليبي»، وأدت إلى عقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات عن ليبيا في تونس ومصر والدول المغاربية.
أيضاً، نوّه سعيد بحيرة بإعادة تعيين سفير لتونس في طرابلس بعد سنوات من الغياب. وأثنى على خصال السفير التونسي الجديد الأسعد العجيلي، الذي كان مكلفاً ملف العلاقات مع ليبيا في الخارجية التونسية، وسبق له أن تابعه عن قرب عندما كان سفيراً لتونس في القاهرة. لكن بحيرة – بدوره - حذّر من «الإفراط في التفاؤل بسيناريو تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس ربطاً بعلاقة بالانفراج السياسي والأمني والعسكري في ليبيا»، واعتبر أن «القوى العظمى، التي تتحكم في المتغيرات الإقليمية والحروب بالوكالة التي تشهدها المنطقة، قد لا تسمح لبعض الدول العربية مثل تونس بأن تلعب دوراً يتجاوز حجمها في ليبيا»، خاصة عند إبرام صفقات إعادة الإعمار.

خلافات فرنسا وإيطاليا وتركيا
في هذه الأثناء، حذر عدد من الخبراء العسكريين والاقتصاديين التونسيين، مثل الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمارك) في تونس، من «سيناريو انحياز تونس إلى أحد أطراف النزاع الليبي أو إلى إحدى الدول التي ثبت تدخلها المباشر في الحرب الليبية عسكرياً ومادياً، ومن بينها تركيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة وإيطاليا، وبعض الدول العربية». وناشد الجنرال محمد المؤدب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» المسؤولين التونسيين والقيادات العربية «التزام الحياد التام مستقبلاً في النزاع الليبي خدمة لمصالحهم ودعماً لجهود صناع القرار في ليبيا من أجل وقف الحرب والانتصار على كل الميليشيات المسلحة المحلية والأجنبية».
لكن، في هذه الأثناء، وعلى الرغم من «التصريحات المتفائلة بالتسوية السياسية» الصادرة عن الموفدة الأممية ستيفاني وليامز وعن السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند، بعد زيارات الأخير إلى كل من باريس والقاهرة وأنقرة، فإن بعض المراقبين يتعاملون بحذر مع تصريحات قيادات دول أخرى فاعلة في ليبيا، بينها فرنسا وروسيا وإيطاليا وتركيا. إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن «مبادرة فرنسية» جديدة لإعادة تجميع قيادات من كل دول الجوار الليبي، بما فيها السودان وتشاد والنيجر. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: هل سيتعلق الأمر بمجهود تكميلي لمسار الحوار السياسي الأممي الذي ينظم في تونس وأعلنت عنه ستيفاني وليامز بعد مشاورات مع الرئيس التونسي قيس سعيّد في قصر قرطاج... أم بمسار بديل ومشروع موازٍ؟
وهل سوف تقدم المبادرة الفرنسية «مشروعاً جديداً للتسوية» تحسباً لفشل مؤتمر تونس، أم تكون مجرد تحرك للضغط وضمان مصالح باريس والشركات الفرنسية في ليبيا في مرحلة إعادة الإعمار؟
كذلك... هل لن يشوش تحرك باريس بقوة عشية انطلاق اجتماعات تونس عن ليبيا على التحركات التي قام بها أخيراً في المنطقة وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان مايك بومبيو ومارك إسبر، والقائد العام لقوات «أفريكوم» الجنرال ستيفان تاونسند، والسفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند؟
المنذر بن عيّاد، الخبير التونسي في العلاقات الأميركية - العربية، لم يستبعد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تسعى بعض العواصم الإقليمية والأوروبية إلى «تمديد الأزمة»، وإلى «تأجيل موعد الاتفاق السياسي الليبي - الليبي» إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. كذلك، لم يستبعد بن عيّاد «تأجيل» التسوية السياسية في ليبيا إلى ما بعد تحقيق توافقات واضحة في بقية «بؤر التوتر والنزاعات الإقليمية»... وبينها الخلافات الأميركية - الروسية والتركية - اليونانية والفرنسية والإسرائيلية حول مستقبل شرق المتوسط وتوزيع حقول الغاز والنفط التي اكتشفت فيه..
حقيقة الأمر، أن كل السيناريوهات واردة؛ لأن المعركة تمسّ بلداً عضواً في «منظمة الدول المصدرة للنفط» عدد سكانه 6 ملايين نسمة... وتقدر بعض الدراسات أن أكثر من ثلاثة أرباع ثرواته الباطنية لم يقع الكشف عنها بعد أو لم يبدأ استغلالها.

«حقول النفط المشتركة»
على صعيد متصل، يتطلع خبراء ومسؤولون سياسيون في تونس والجزائر ومصر وبقية دول الجوار الليبي إلى أن يؤدي الانفراج السياسي والأمني في ليبيا إلى إعادة تفعيل مشاريع شراكة اقتصادية عملاقة بين ليبيا وجيرانها، بما في ذلك في قطاع المحروقات والغاز الصخري أو ما يسمى بـ«غاز الشيست».
ولقد أثبتت الدراسات المشتركة قبل ثورات 2011، أن حدود ليبيا مع جيرانها، وخاصة مع مصر شرقاً ومع تونس والجزائر غرباً مناطق غنية جداً بحقول المحروقات غير المستغلة وبـ«صحارٍ تزخر بالغاز الصخري الذي قد يجعل من ليبيا خامس أكبر دولة منتجة له في العالم». وتجدر الإشارة إلى أنه سبق أن اتفقت القيادة الليبية في عهد معمر القذافي، مراراً، مع نظيراتها في تونس والجزائر ومصر على الاستغلال المشترك لبعض الثروات الباطنية، براً وبحراً، من بينها حقل «البوري» في السواحل التونسية - الليبية. كذلك اتفقت على إنشاء «مناطق اقتصادية حرة مشتركة» في المحافظات الحدودية تركز فيها مصانع ومؤسسات تجارية وزراعية وتنموية.
وعلى الرغم من تعثر تنفيذ بعض القرارات السابقة، فإن اقتصاديات الكثير من المدن في الجنوب التونسي، مثل تطاوين وبن قردان ومدنين وجربة وقابس وصفاقس، تعتمد على المبادلات مع ليبيا، وأصبحت تحتضن «أسواقاً مشتركة» عملاقة يؤمها سنوياً ملايين الجزائريين والسياح الأوروبيين والمواطنين.
أيضاً ناقشت سلطات تونس والجزائر وليبيا قبل 2011 الاستغلال المشترك للمحروقات داخل نطاق منطقة غدامس الحدودية، الذي يمتد في مساحات شاسعة حسب الدراسات الجيولوجية في الصحراء التي تربط بين البلدان الثلاثة. وسبق لشركات نفط وغاز عربية وأوروبية وأميركية أن دخلت في سباق للفوز بصفقات التنقيب والإنتاج في «المثلث الحدودي الليبي – التونسي - الجزائري» في غدامس، إلا أن كل تلك الصفقات تعثرت وتسببت في خلافات مع القذافي ومستشاريه، وأجهضت بعد سقوطه.
ومن جهتها، سبق لـ«صوناتراك»، مؤسسة النفط والغاز العملاقة في الجزائر، أن أبرمت اتفاقات مع الجانب الليبي قبل 2011 بهدف أن يستغل البلدان معاً ثروات حقلي «الوفاء» الليبي و«الرار» الجزائري، بيد أن الاضطرابات الأمنية وإغلاق حقل «الوفاء» الليبي بعد 2011 أثر سلباً على قدرات الإنتاج حقل «الرار» في محافظة إيليزي.
ومعلومٌ، أنه سبق لليبيا وتونس والجزائر ومصر أن دخلت منذ 40 سنة في نزاعات حول بعض حقول النفط والغاز الموجودة بالقرب من الحدود البرية أو في عرض البحر. وبلغ الأمر حد التلويح بالحرب مراراً بين ليبيا وكل من مصر وتونس. وأيضاً، لجأت الحكومتان التونسية والليبية إلى التقاضي في آخر عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بسبب خلافات حول آبار نفط في حدودهما البحرية وبالقرب من «الجرف القاري».


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.