صناعة الديكتاتور

مغمورون تأخذهم أقدارهم نحو العمل السياسي فالقفز على السلطة

هتلر وسط الجماهير
هتلر وسط الجماهير
TT

صناعة الديكتاتور

هتلر وسط الجماهير
هتلر وسط الجماهير

حسب سير الحكام الطغاة الثمانية الذين ضمّهم البروفسور الهولندي الأصل فرانك ديكوتير، لكتابه الأحدث «الديكتاتوريّون: عبادة الفرد في القرن العشرين» الصادر عن دار «بلومزبري» للنشر 2020، فإن الطريق المؤدي إلى الديكتاتوريّة يبدو معروفاً ويمكن توقعه وحتى تأليف الرّوايات الديستوبيّة اعتماداً على مراحله كتيمة سردٍ مركزيّة. البداية دائماً لأفراد مغمورين تأخذهم أقدارهم نحو العمل السياسيّ، فالقفز على السلطة بلبس عباءة آيديولوجيا شعبويّة والاستفادة من حال فوضى وتذمّر مجتمعيّة –يسميها البعض حالة ثوريّة- وتالياً الإطاحة عن طريق العنف الدموي بكل المنافسين المحتملين، وإبقاء الجميع دائماً تحت المراقبة اللصيقة وبخاصة العائلة والمقربين والجيش، وتركهم مسمّرين على رؤوس الأصابع عبر موجات تطهير مفاجئة وقاسية، وانعطافات سياسيّة حادة تكشف الموالين للفرد - الزعيم مقابل أولئك المغفلين الذين صدقوا الحكاية الآيديولوجية. وبعد تحوّل المجتمع إلى بيئة ضخمة من التكاذب والتظاهر، تصبح مسألة المحافظة على المنصب عند الديكتاتور أقرب إلى حياكة المسرحيّات والمهرجانات المبهرة منها إلى السياسة المحضة، ويتم من خلالها توظيف أدوات نسج التصورات ومصادر المعلومات المتاحة للمواطنين لصالح تضخيم الدّور الذي يلعبه ومحاولة بناء صورة إيجابيّة عن شخصيّته في نظر العالم الخارجيّ، ولو من خلال تقديم تنازلات آيديولوجيّة أو سياسيّة -غير موجهة للاستهلاك المحلي- يتم تخوين كل من يعترض عليها.
وإذا كان لنا أن نسلّم بدقّة اللّوحات الثمانية التي رسمها ديكوتير -أستاذ الإنسانيّات بجامعة هونغ كونغ ومؤلف ثلاثيّة تاريخيّة عن عهد ماو فازت بعدة جوائز ومُنع تداولها على البر الصيني- بحذق الخبير العارف لكلٍّ من موسوليني (إيطاليا) وهتلر (ألمانيا) وستالين (روسيا) وماو (الصين) وكيم إل سونغ (كوريا الشماليّة) ودوفيلييه (هايتي) وتشاوتشيسكو (رومانيا) ومينغيستو (إثيوبيا) رغم اقتصاره على تجارب عادت الغرب ولو شكليّاً، وامتناعه المريب عن تقديم نماذج دعمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في أوقات مختلفة بأفريقيا وأميركا اللاتينيّة، فإنه لا بدّ من الوصول إلى قناعة بما خصّ مشروع الحداثة البشري بعد الخروج من ربقة العصور الوسطى –أقلّه فيما يتعلّق بأنظمة الحكم– بأنه لم يكن سوى عبث دموي كلّف البشريّة ملايين الضحايا بلا طائل، وأننا كبشر ما ابتعدنا قيد أنملة في واقع الأمر عن النموذج الكلاسيكي لتفردّ الأقليّة –أو الفرد– بالسلطة والموارد على حساب الأكثريّة منذ تأسيس التجمعات البشريّة الأولى في العصور القديمة ونشوء المدن - الدّول. وإذا كان ديكوتير مصرّاً على اقتصار نماذجه في القرن العشرين وخارج الفضاء الأنغلوفونيّ، فإن أجواء الخداع العام وصناعة الأخبار الكاذبة وهيمنة النخب المحيطة بالسلطة كما رسمها في إطار حكاياته عن ديكتاتوريي ذات القرن، لا تبعد في مجملها من حيث الجوهر والمنطق عمّا تعيشه المجتمعات الغربيّة تحديداً رغم كلّ الرطانة الآيديولوجيّة عن الديمقراطيّة والقيم الحضاريّة وحقوق الإنسان، فيما الجرائم الدمويّة المنسوبة للقادة الثمانيّة تُرتكب مثيلاتها اليوم من دون إراقة الدّماء مباشرة من قبل لجان حكم نخبوية تنفّذ سياسات انعدام العدالة الاقتصادية والتجهيل والتواطؤ في نشر المواد المسرطنة والأدوية غير الآمنة وتدمير البيئة واستهلاك الموارد المحدودة، وهو مع ذلك يكتفي بسرد سير هؤلاء الديكتاتوريين، ولا يحاول فرض منهجيّة ناظمة لمسار صعودهم ونهاياتهم رغم تعدد الإشارات، ولا بناء نوع من (بروفايل) سيكولوجي مشترك حول شخصياتهم وأوضاعهم النفسيّة رغم كثرة الشواهد، ولا ربط تجارب ديكتاتوريّات حداثة القرن العشرين بما قبلها أو بعدها، تاركاً الباب مشرعاً بالكامل أمام القارئ، الذي ما إن ينتقل في مطالعته من سيرة أحدهم إلى سيرة تالية حتى يجد نفسه أسير عقد المقارنات بحثاً عن نسق تاريخي أو سيكولوجي ما، ومناظرة الماضي القريب بالحاضر. والمؤلف في ذلك منع كتابه من الوقوع ضحيّة جدالات نظريّة محضة، أو الارتباط بسياسات مرحليّة وآنيّة الطابع، بل اكتفى حصراً بدور المؤرخ غير المنفعل، الأمر الذي لا شكّ سيتيح عمراً أطول لمضمونه.
تتوفر بالطبع نصوص ومصادر كثيرة حول الديكتاتوريين أنفسهم الذين يضمّهم الكتاب، لا سيّما في عصر الإنترنت، حيث بحث صغير يتيح للقارئ العادي الوصول إلى ملايين الإشارات وآلاف المراجع بشأن أيٍّ منهم، ولا يمتلك ديكوتير معلومات جديدة غير متوفرة سابقاً، ولذا فإن رهانه –الرابح بالفعل– كان على نسج سرديّات موجزة دون إخلال بالمحطات الرئيسة في حياة موضوعاته، مع تجنّب فخ السقوط أسير محور تعداد الضحايا والجرائم لمصلحة الإضاءة على الجوانب المتعلقة بهندسة بناء الصورة الفرديّة لشخصيّة الديكتاتور في المخيال العام، وكيفيّة سقوطه المحتّم في البارانويا والوهم وانقطاع صلته بالواقع، وسعيه الحثيث للحصول على تقبّل الصحافيين الأجانب وتكريم قادة الدّول الأخرى. وهكذا تحفل السرديّات الثماني بتفاصيل ولطائف جانبيّة تسند الصورة وتشدّ القارئ للاستمرار، وتدفعه دفعاً نحو الانخراط الفاعل في لعبة المقارنات عبر خيوط مختلفة تمتد عبر الديكتاتوريّات الثماني.
هناك مثلاً خيط التحكّم بفيض المعلومات الذي يصل إلى المواطنين. فموسوليني، بعد أن أجرى محاولته الأولى للخطابة عبر الراديو وجد أن عدد المشتركين في خدمة الإذاعة قليل نسبةً لعدد السكان الكليّ، ولذا فقد أمر بتوزيع 40 ألفاً من أجهزة الاستماع مجاناً إلى كل مدرسة بالبلاد، ووفر 800 ألف منها بأسعار زهيدة لتصل إلى كل بيت، وأنشأ شبكة من مكبرات الصوت المرتبطة بالبث الإذاعي بحيث أصبح لا يمكن عمليّاً تجنّب الاستماع لخطاباته الكثيرة الطويلة ما دام المرء مقيماً في إيطاليا. وهو ما تبعه إليه هتلر الذي أوعز ببيع أجهزة الراديو بأقل من سعر التكلفة، وكان وراء تطوير إنتاج أعمدة بث إذاعي وصوتي متنقلة كانت تُستخدم بكثافة في مختلف المهرجانات والأنشطة العامّة للحزب النازي، وخصص في خضمّ أزمة انقطاع الورق في أثناء الحرب أربعة أطنان شهرياً لمصوره الفوتوغرافي الخاص، لأجل أن تستمر صوره بالتدفّق على المواطنين «لأهميتها الاستراتيجيّة». لكنّ ماو فاق الجميع بتخصيصه سبعة مصانع ضخمة في شنغهاي لطباعة بوسترات الدّعاية، وصور الرفيق القائد الرّمز، ونسخ الكتاب الأحمر الصغير –الذي يضم مقتطفات من أقواله ويسهل حمله في الجيوب. فيما عمل موردو على إنتاج الحبر الأحمر على مدار الساعة بالنظر إلى تكرر توقف مصانع الدعاية بسبب انقطاع مخزون الحبر لديها، وحوّل عدد مصانع للأحذية إلى إنتاج جبال من الأغلفة الجلديّة اللامعة للنسخ. كما تفوّق ماو على ستالين وكيم إل سونغ في صناعة دبابيس الشارات التي توضع على الملابس فوق القلب كتعبير علني عن الانتماء والولاء، فكانت الصين تنتج رسمياً خمسين مليوناً شهريّاً، دون استطاعتها تلبية الطلب، مما فتح المجال لتجارتها في السوق السوداء وانتشار النسخ المقلّدة، وتسبب بانقطاعات متكررة في إمدادات الألمنيوم لمصانع الأدوات المنزليّة والاستخدامات الصناعيّة الأخرى.
لكن ربما يكون الخيط الأهم الرابط بين السير الثماني مجمل التفاصيل الصغيرة -بخلاف العنف المجاني والتهديد والتعذيب والإخفاء– التي مارستها تلك الأنظمة الديكتاتوريّة وكان يتم من خلالها تفتيت المجتمعات، وزرع الخوف وثقافة التآمر بين النّاس، وكسر علاقة الأفراد بالواقع والحقيقة ومنطق الأشياء، لتتلاقى كل تلك التفاصيل معاً وتتقاطع وتتراكم كي تخلق إنساناً منعزلاً، مضطراً للرّضوخ للقهر، تلاحقه الهواجس ويتآكله فقدان الثقة بنفسه ومن حوله، مرغماً –إنْ آثر السلامة المؤقتة– إلى التظاهر لحظياً باعتناق آيديولوجيا الديكتاتور، وافتعال الحماسة الفائقة في تأييد شخصه.
الديكتاتوريّون: عبادة الفرد
في القرن العشرين
Dictators: The Cult of Personality in the Twentieth Century by Frank Dikötter, Bloomsbury Publishing
المؤلف: فرانك ديكوتير
الناشر: دار بلومزبري للنشر، 2020


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).