صناعة الديكتاتور

مغمورون تأخذهم أقدارهم نحو العمل السياسي فالقفز على السلطة

هتلر وسط الجماهير
هتلر وسط الجماهير
TT

صناعة الديكتاتور

هتلر وسط الجماهير
هتلر وسط الجماهير

حسب سير الحكام الطغاة الثمانية الذين ضمّهم البروفسور الهولندي الأصل فرانك ديكوتير، لكتابه الأحدث «الديكتاتوريّون: عبادة الفرد في القرن العشرين» الصادر عن دار «بلومزبري» للنشر 2020، فإن الطريق المؤدي إلى الديكتاتوريّة يبدو معروفاً ويمكن توقعه وحتى تأليف الرّوايات الديستوبيّة اعتماداً على مراحله كتيمة سردٍ مركزيّة. البداية دائماً لأفراد مغمورين تأخذهم أقدارهم نحو العمل السياسيّ، فالقفز على السلطة بلبس عباءة آيديولوجيا شعبويّة والاستفادة من حال فوضى وتذمّر مجتمعيّة –يسميها البعض حالة ثوريّة- وتالياً الإطاحة عن طريق العنف الدموي بكل المنافسين المحتملين، وإبقاء الجميع دائماً تحت المراقبة اللصيقة وبخاصة العائلة والمقربين والجيش، وتركهم مسمّرين على رؤوس الأصابع عبر موجات تطهير مفاجئة وقاسية، وانعطافات سياسيّة حادة تكشف الموالين للفرد - الزعيم مقابل أولئك المغفلين الذين صدقوا الحكاية الآيديولوجية. وبعد تحوّل المجتمع إلى بيئة ضخمة من التكاذب والتظاهر، تصبح مسألة المحافظة على المنصب عند الديكتاتور أقرب إلى حياكة المسرحيّات والمهرجانات المبهرة منها إلى السياسة المحضة، ويتم من خلالها توظيف أدوات نسج التصورات ومصادر المعلومات المتاحة للمواطنين لصالح تضخيم الدّور الذي يلعبه ومحاولة بناء صورة إيجابيّة عن شخصيّته في نظر العالم الخارجيّ، ولو من خلال تقديم تنازلات آيديولوجيّة أو سياسيّة -غير موجهة للاستهلاك المحلي- يتم تخوين كل من يعترض عليها.
وإذا كان لنا أن نسلّم بدقّة اللّوحات الثمانية التي رسمها ديكوتير -أستاذ الإنسانيّات بجامعة هونغ كونغ ومؤلف ثلاثيّة تاريخيّة عن عهد ماو فازت بعدة جوائز ومُنع تداولها على البر الصيني- بحذق الخبير العارف لكلٍّ من موسوليني (إيطاليا) وهتلر (ألمانيا) وستالين (روسيا) وماو (الصين) وكيم إل سونغ (كوريا الشماليّة) ودوفيلييه (هايتي) وتشاوتشيسكو (رومانيا) ومينغيستو (إثيوبيا) رغم اقتصاره على تجارب عادت الغرب ولو شكليّاً، وامتناعه المريب عن تقديم نماذج دعمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في أوقات مختلفة بأفريقيا وأميركا اللاتينيّة، فإنه لا بدّ من الوصول إلى قناعة بما خصّ مشروع الحداثة البشري بعد الخروج من ربقة العصور الوسطى –أقلّه فيما يتعلّق بأنظمة الحكم– بأنه لم يكن سوى عبث دموي كلّف البشريّة ملايين الضحايا بلا طائل، وأننا كبشر ما ابتعدنا قيد أنملة في واقع الأمر عن النموذج الكلاسيكي لتفردّ الأقليّة –أو الفرد– بالسلطة والموارد على حساب الأكثريّة منذ تأسيس التجمعات البشريّة الأولى في العصور القديمة ونشوء المدن - الدّول. وإذا كان ديكوتير مصرّاً على اقتصار نماذجه في القرن العشرين وخارج الفضاء الأنغلوفونيّ، فإن أجواء الخداع العام وصناعة الأخبار الكاذبة وهيمنة النخب المحيطة بالسلطة كما رسمها في إطار حكاياته عن ديكتاتوريي ذات القرن، لا تبعد في مجملها من حيث الجوهر والمنطق عمّا تعيشه المجتمعات الغربيّة تحديداً رغم كلّ الرطانة الآيديولوجيّة عن الديمقراطيّة والقيم الحضاريّة وحقوق الإنسان، فيما الجرائم الدمويّة المنسوبة للقادة الثمانيّة تُرتكب مثيلاتها اليوم من دون إراقة الدّماء مباشرة من قبل لجان حكم نخبوية تنفّذ سياسات انعدام العدالة الاقتصادية والتجهيل والتواطؤ في نشر المواد المسرطنة والأدوية غير الآمنة وتدمير البيئة واستهلاك الموارد المحدودة، وهو مع ذلك يكتفي بسرد سير هؤلاء الديكتاتوريين، ولا يحاول فرض منهجيّة ناظمة لمسار صعودهم ونهاياتهم رغم تعدد الإشارات، ولا بناء نوع من (بروفايل) سيكولوجي مشترك حول شخصياتهم وأوضاعهم النفسيّة رغم كثرة الشواهد، ولا ربط تجارب ديكتاتوريّات حداثة القرن العشرين بما قبلها أو بعدها، تاركاً الباب مشرعاً بالكامل أمام القارئ، الذي ما إن ينتقل في مطالعته من سيرة أحدهم إلى سيرة تالية حتى يجد نفسه أسير عقد المقارنات بحثاً عن نسق تاريخي أو سيكولوجي ما، ومناظرة الماضي القريب بالحاضر. والمؤلف في ذلك منع كتابه من الوقوع ضحيّة جدالات نظريّة محضة، أو الارتباط بسياسات مرحليّة وآنيّة الطابع، بل اكتفى حصراً بدور المؤرخ غير المنفعل، الأمر الذي لا شكّ سيتيح عمراً أطول لمضمونه.
تتوفر بالطبع نصوص ومصادر كثيرة حول الديكتاتوريين أنفسهم الذين يضمّهم الكتاب، لا سيّما في عصر الإنترنت، حيث بحث صغير يتيح للقارئ العادي الوصول إلى ملايين الإشارات وآلاف المراجع بشأن أيٍّ منهم، ولا يمتلك ديكوتير معلومات جديدة غير متوفرة سابقاً، ولذا فإن رهانه –الرابح بالفعل– كان على نسج سرديّات موجزة دون إخلال بالمحطات الرئيسة في حياة موضوعاته، مع تجنّب فخ السقوط أسير محور تعداد الضحايا والجرائم لمصلحة الإضاءة على الجوانب المتعلقة بهندسة بناء الصورة الفرديّة لشخصيّة الديكتاتور في المخيال العام، وكيفيّة سقوطه المحتّم في البارانويا والوهم وانقطاع صلته بالواقع، وسعيه الحثيث للحصول على تقبّل الصحافيين الأجانب وتكريم قادة الدّول الأخرى. وهكذا تحفل السرديّات الثماني بتفاصيل ولطائف جانبيّة تسند الصورة وتشدّ القارئ للاستمرار، وتدفعه دفعاً نحو الانخراط الفاعل في لعبة المقارنات عبر خيوط مختلفة تمتد عبر الديكتاتوريّات الثماني.
هناك مثلاً خيط التحكّم بفيض المعلومات الذي يصل إلى المواطنين. فموسوليني، بعد أن أجرى محاولته الأولى للخطابة عبر الراديو وجد أن عدد المشتركين في خدمة الإذاعة قليل نسبةً لعدد السكان الكليّ، ولذا فقد أمر بتوزيع 40 ألفاً من أجهزة الاستماع مجاناً إلى كل مدرسة بالبلاد، ووفر 800 ألف منها بأسعار زهيدة لتصل إلى كل بيت، وأنشأ شبكة من مكبرات الصوت المرتبطة بالبث الإذاعي بحيث أصبح لا يمكن عمليّاً تجنّب الاستماع لخطاباته الكثيرة الطويلة ما دام المرء مقيماً في إيطاليا. وهو ما تبعه إليه هتلر الذي أوعز ببيع أجهزة الراديو بأقل من سعر التكلفة، وكان وراء تطوير إنتاج أعمدة بث إذاعي وصوتي متنقلة كانت تُستخدم بكثافة في مختلف المهرجانات والأنشطة العامّة للحزب النازي، وخصص في خضمّ أزمة انقطاع الورق في أثناء الحرب أربعة أطنان شهرياً لمصوره الفوتوغرافي الخاص، لأجل أن تستمر صوره بالتدفّق على المواطنين «لأهميتها الاستراتيجيّة». لكنّ ماو فاق الجميع بتخصيصه سبعة مصانع ضخمة في شنغهاي لطباعة بوسترات الدّعاية، وصور الرفيق القائد الرّمز، ونسخ الكتاب الأحمر الصغير –الذي يضم مقتطفات من أقواله ويسهل حمله في الجيوب. فيما عمل موردو على إنتاج الحبر الأحمر على مدار الساعة بالنظر إلى تكرر توقف مصانع الدعاية بسبب انقطاع مخزون الحبر لديها، وحوّل عدد مصانع للأحذية إلى إنتاج جبال من الأغلفة الجلديّة اللامعة للنسخ. كما تفوّق ماو على ستالين وكيم إل سونغ في صناعة دبابيس الشارات التي توضع على الملابس فوق القلب كتعبير علني عن الانتماء والولاء، فكانت الصين تنتج رسمياً خمسين مليوناً شهريّاً، دون استطاعتها تلبية الطلب، مما فتح المجال لتجارتها في السوق السوداء وانتشار النسخ المقلّدة، وتسبب بانقطاعات متكررة في إمدادات الألمنيوم لمصانع الأدوات المنزليّة والاستخدامات الصناعيّة الأخرى.
لكن ربما يكون الخيط الأهم الرابط بين السير الثماني مجمل التفاصيل الصغيرة -بخلاف العنف المجاني والتهديد والتعذيب والإخفاء– التي مارستها تلك الأنظمة الديكتاتوريّة وكان يتم من خلالها تفتيت المجتمعات، وزرع الخوف وثقافة التآمر بين النّاس، وكسر علاقة الأفراد بالواقع والحقيقة ومنطق الأشياء، لتتلاقى كل تلك التفاصيل معاً وتتقاطع وتتراكم كي تخلق إنساناً منعزلاً، مضطراً للرّضوخ للقهر، تلاحقه الهواجس ويتآكله فقدان الثقة بنفسه ومن حوله، مرغماً –إنْ آثر السلامة المؤقتة– إلى التظاهر لحظياً باعتناق آيديولوجيا الديكتاتور، وافتعال الحماسة الفائقة في تأييد شخصه.
الديكتاتوريّون: عبادة الفرد
في القرن العشرين
Dictators: The Cult of Personality in the Twentieth Century by Frank Dikötter, Bloomsbury Publishing
المؤلف: فرانك ديكوتير
الناشر: دار بلومزبري للنشر، 2020


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).