دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

ترجمة عربية لخمس محاضرات ألقتها حاملة {نوبل} البريطانية في الإذاعة الكندية

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»
TT

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

صرخة تحذير من عصرٍ آتٍ تفرز فيه البشرية أسوأ غرائزها في العنف، ومصادرة الآخر، وسحق خصوصية الأفراد لصالح الجماعة، أطلقتها الكاتبة البريطانية دوريس ليسنغ (1919-2013)، الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب 2007، التي عاشت طيلة عمرها تناضل ضد التمييز العنصري والظلم الاجتماعي والقهر السياسي، ولمست عن قرب صوره البشعة، حيث ولدت في إيران، وعاشت طفولتها في أفريقيا، قبل أن تستقر في لندن.
تطالعنا أصداء تلك الصرخة في كتاب «سجون نختار أن نحيا فيها» الصادر في القاهرة عن «دار العين للنشر» و«المركز القومي للترجمة»، متضمناً خمس محاضرات، قامت بترجمتها سهير صبري، كانت «ليسنغ» ألقتها برعاية «هيئة الإذاعة الكندية»، في تقليد لا يزال قائماً حتى اليوم، حيث تدعو الإذاعة شخصية دولية عامة مرموقة لإلقاء عدد من المحاضرات حول قضية عالمية تصدر لاحقاً بين دفتي كتاب.
- أسئلة حيرى
«إلى أي مدى -وبأي تواتر- يهيمن علينا ماضينا الهمجي، أفراداً وجماعات؟»، هذا هو السؤال المركزي الذي تطرحه المؤلفة عبر محاضراتها. فرغم أننا نبدو أحياناً بلا حول ولا قوة، فإننا نجمع بسرعة كبيرة المعرفة عن أنفسنا، ليس بصفتنا أفراداً فحسب بل بصفتنا جماعات وأمماً وأعضاء في المجتمع، نجمعها بسرعة أكبر من قدراتنا على استيعابها.
تؤكد صاحبة نوبل أننا «في زمن المخيف فيه أن نكون أحياء، حيث يصعب أن نفكر في بني البشر بصفتهم مخلوقات عاقلة، فأينما نولي وجوهنا نرى الوحشية والغباء، حتى ليبدو أنه لا يوجد عداهما شيء نراه. وثمة انحدار نحو الهمجية في كل مكان، ونحن عاجزون عن كبحه، ولكن رغم حقيقة وجود تدهور عام، وتحديداً لأن الأمور مخيفة لهذه الدرجة، فقد أصبحنا منومين مغناطيسياً، فلا نلاحظ القوى المماثلة في الشدة الموجودة على الجانب الآخر، وهي باختصار قوى العقل والرشد والتحضر. وإذا لاحظناها، فإننا نستهين بها».
ثم تطرح ليسنغ سؤالاً آخر يؤرقها ويشغل بالها: «كيف يا ترى سنبدو للقادمين من بعدنا؟». وتذكر أن «هذا السؤال لا يأتي من باب تزجية الفراغ، إنما هو محاولة متعمدة لدعم قدرات تلك (العين الأخرى) التي يمكننا اللجوء إليها للحكم على أنفسنا. فكل من يقرأ التاريخ يدرك أن القناعات القوية المتقدة في قرن من الزمان عادة ما تبدو سخيفة عجيبة للقرن التالي». وتلفت إلى أنه لا توجد حقبة في التاريخ تتراءى لنا كما تراءت لمن عاشوها، فما نعيشه في أي عصر هو وقع العواطف الجماعية والظروف الاجتماعية علينا، ومن المتعذر تقريباً أن نفصل أنفسنا عنها، وغالباً ما تلوح العواطف الجماعية تلك لنا بصفتها الأنبل والأفضل والأجمل. ولكن في غضون عام أو خمسة أعوام، أو عقد أو خمسة عقود، سيتساءل الناس: «كيف اعتقدوا في ذلك؟ لأن أحداثاً ستكون قد وقعت أو أقصت تلك العواطف الجماعية إلى مزبلة التاريخ».
وتذكر المؤلفة مثالاً على هذا بإحدى وقائع التعصب الكروي المقيتة، عندما قام مشجعو كرة القدم البريطانيون والإيطاليون بأعمال شغب في بروكسل، تحولوا فيها إلى مجرد حيوانات، كما ردد المتفرجون والمعلقون مراراً. كان البريطانيون يقضون حاجتهم فوق جثث من قتلوهم، ولا تعرف دوريس ليسنغ إن كان استخدام كلمة «حيوان» مجدياً هنا أم لا! ولكن ما حدث قطعاً كان مسلكاً بشرياً.
وتروي المؤلفة واقعة أخرى ذات دلالة في هذا السياق، قائلة: «عندما كنت في زيمبابوي عام 1982، أي بعد عامين من الاستقلال، ونهاية تلك الحرب المروعة التي فاق قبحها ووحشتيها مرات ما قيل لنا عنها، قابلت جنوداً من كلا الجانبين، من البيض والسود. لم تكن الحرب البطولية المجيدة حتمية أبداً، فقد كان يمكن تفاديها في المقام الأول باستخدام أقل قدر من التفكير السليم من جانب البيض، غير أن كل الانفعالات البدائية استحوذت عليهم، وصار شعار الجميع: سأحمل بندقيتي، وأقاتل حتى آخر قطرة في دمي».
- بيضاء تناضل مع السود
نشأت دوريس ليسنغ ذات البشرة البيضاء في بلد تهيمن فيه أقلية بيضاء ضئيلة على الأغلبية السوداء، هي روديسيا الجنوبية القديمة (زيمبابوي)، حيث كانت مواقف البيض إزاء السود جامحة: متعصبة بغيضة جاهلة، على حد تعبيرها. والأهم كان افتراض أن تلك المواقف غير قابلة للمنازعة أو التغيير، رغم أن نظرة بسيطة على التاريخ كانت ستنبئهم أن حكمهم حتماً سيمضي، وأن يقينهم مؤقت. وتؤكد أنه لم يكن مباحاً لأي عضو في هذه الأقلية البيضاء الاختلاف معها، وكل من فعل جوبه بالنبذ الفوري، وبأنهم لا بد أن يعدلوا عن رأيهم أو يخرسوا أو يرحلوا في أثناء نظام البيض الذي استمر تسعين عاماً لا تعد شيئاً في حسابات التاريخ؛ كان الخارج عليهم كافراً خائناً!
وخلصت ليسنغ إلى حقيقة مفادها أننا نتعرض جميعاً، بدرجة أو بأخرى، لغسل الدماغ من قبل المجتمع الذي نحيا فيه، ويمكننا ملاحظة ذلك عند سفرنا لبلاد أخرى، والتقاط لمحة عن بلدنا بعيون أجنبية، فلكل منا جزء من الأوهام المريحة الكبرى، مشيرة إلى أنها لا تنفصل عن الأوهام التي يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. وهذه الأوهام يتعذر فحصها ودراستها، وأفضل ما نأمله هو أن يمكننا صديق طيب من ثقافة أخرى من النظر إلى ثقافتنا بعيون مجردة.
وتشير صاحبة «الدفتر الذهبي» إلى أن التكنولوجيا عموماً، والتلفزيون والسينما بشكل خاص، باتت تعرض المواطن العادي لدرجة من القسوة الوحشية من كل نوع، حتى أنه بدأ يفقد إحساسه إزاءها، وتتساءل: «هل يمكن أن يحتج أي شخص الآن بوتيرة سريعة لأسباب تخص الضمير العالمي؟». وفي معرض إجابتها، تبدي تشاؤماً كبيراً، قائلة: «أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا بعد مشاهدتنا ليلة بعد ليلة، ويوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، للأهوال الجارية في العالم. فقدنا حساسيتنا تماماً مثل أولئك الجنود الذين تحولوا عمداً إلى قساة وحشيين. نعم، لا أحد يخطط لتجريدنا من إنسانيتنا، وتحويلنا إلى أفظاظ جفاة القلب، ولكن هذا ما نصير عليه أكثر فأكثر».
- تفكيك النموذج الغربي
وحول رؤيتها للنموذج الغربي، ترى ليسنغ أنه في الغرب، أو في المجتمعات التي توصف بالغربية أو العالم الحر، قد يكون الناس متعلمين بصورة أو بأخرى، ولكنهم جميعاً يطلون علينا بفكرة عن ذاتهم تصب في هذا المعنى: «أنا مواطن في مجتمع حر، وهذا يعني أن لي شخصيتي الفردية، وأني أقوم باختبارات فردية، وعقلي ملكي، وآرائي من اختياري، ولي حرية فعل ما أشاء، والضغوط علي في أسوأ الأحوال ضغوط اقتصادية، مما يعني أنني أفعل ما أريد». وبمسحة لا تخلو من السخرية، تعلق قائلة: «قد تبدو هذه الأفكار كاريكاتورية، ولكنها لا تنأى كثيراً عن الكيفية التي نرى بها أنفسنا، وهذه الصورة لم نكسبها بوعي، بل هي جزء من مناخ عام، أو مجموعة من الافتراضات تؤثر على أفكارنا عن أنفسنا». وتضيف: «يعيش الناس في الغرب طيلة حياتهم، وربما لا يفكرون أبداً في تحليل هذه الصورة التي ترضيهم تماماً، وبالتالي نجدهم عاجزين أمام جميع أشكال وسبل الضغط عليهم من أجل الامتثال والتوافق».
ولا تفصل ليسنغ هذه الصورة عن واقع العلاقة بين الفرد والجماعة، فترى أننا نعيش حياتنا جميعاً في جماعات الأسرة وجماعات العمل وجماعات دينية وجماعات اجتماعية وسياسية، ولا يشعر بالسعادة في العزلة سوى قلة ضئيلة من البشر، يظنهم بعضهم غريبي الأطوار أو أنانيين، أو ربما أسوأ من ذلك، حيث لا يحتمل أغلب الناس البقاء بمفردهم لفترة طويلة، بل يبحثون دائماً عن جماعات للانتماء إليها. وحين تنفض واحدة، يبحثون عن أخرى: «فنحن ما زلنا حيوانات جماعية، ولا ضرر في ذلك، فالخطر ليس في الانتماء إلى جماعة أو جماعات، بل في عدم إدراك القوانين الاجتماعية التي تحكم الجماعات وتحكمنا»، لافتة إلى أن ثمة شروطاً لهذا الانتماء، لكن لا تعني آلية الإذعان للجماعة الانقياد أو الخضوع لجماعة صغيرة أو شديدة التحديد، كديانة أو حزب سياسي فحسب، بل تعني أيضا الامتثال لقوانين غير قابلة للمناقشة لدى مجموعات عريضة مبهمة غير محددة المعالم من البشر. وتخلص صاحبة نوبل من رؤيتها بشكل يدعو للتشاؤم، فالفرضيات والمؤكدات الأساسية للجماعة -حسبما تقول- لا تناقش مطلقاً ولا تعارض، بل من المحتمل ألا تلاحظ أصلاً، والفرضية الأساسية تكون تحديداً: «هذا عقل جماعي مقاوم بشدة للتغيير، مجهز بفرضيات مقدسة لا يمكن النقاش حولها»!


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).