دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

ترجمة عربية لخمس محاضرات ألقتها حاملة {نوبل} البريطانية في الإذاعة الكندية
الخميس - 30 محرم 1442 هـ - 17 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15269]

صرخة تحذير من عصرٍ آتٍ تفرز فيه البشرية أسوأ غرائزها في العنف، ومصادرة الآخر، وسحق خصوصية الأفراد لصالح الجماعة، أطلقتها الكاتبة البريطانية دوريس ليسنغ (1919-2013)، الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب 2007، التي عاشت طيلة عمرها تناضل ضد التمييز العنصري والظلم الاجتماعي والقهر السياسي، ولمست عن قرب صوره البشعة، حيث ولدت في إيران، وعاشت طفولتها في أفريقيا، قبل أن تستقر في لندن.
تطالعنا أصداء تلك الصرخة في كتاب «سجون نختار أن نحيا فيها» الصادر في القاهرة عن «دار العين للنشر» و«المركز القومي للترجمة»، متضمناً خمس محاضرات، قامت بترجمتها سهير صبري، كانت «ليسنغ» ألقتها برعاية «هيئة الإذاعة الكندية»، في تقليد لا يزال قائماً حتى اليوم، حيث تدعو الإذاعة شخصية دولية عامة مرموقة لإلقاء عدد من المحاضرات حول قضية عالمية تصدر لاحقاً بين دفتي كتاب.
- أسئلة حيرى
«إلى أي مدى -وبأي تواتر- يهيمن علينا ماضينا الهمجي، أفراداً وجماعات؟»، هذا هو السؤال المركزي الذي تطرحه المؤلفة عبر محاضراتها. فرغم أننا نبدو أحياناً بلا حول ولا قوة، فإننا نجمع بسرعة كبيرة المعرفة عن أنفسنا، ليس بصفتنا أفراداً فحسب بل بصفتنا جماعات وأمماً وأعضاء في المجتمع، نجمعها بسرعة أكبر من قدراتنا على استيعابها.
تؤكد صاحبة نوبل أننا «في زمن المخيف فيه أن نكون أحياء، حيث يصعب أن نفكر في بني البشر بصفتهم مخلوقات عاقلة، فأينما نولي وجوهنا نرى الوحشية والغباء، حتى ليبدو أنه لا يوجد عداهما شيء نراه. وثمة انحدار نحو الهمجية في كل مكان، ونحن عاجزون عن كبحه، ولكن رغم حقيقة وجود تدهور عام، وتحديداً لأن الأمور مخيفة لهذه الدرجة، فقد أصبحنا منومين مغناطيسياً، فلا نلاحظ القوى المماثلة في الشدة الموجودة على الجانب الآخر، وهي باختصار قوى العقل والرشد والتحضر. وإذا لاحظناها، فإننا نستهين بها».
ثم تطرح ليسنغ سؤالاً آخر يؤرقها ويشغل بالها: «كيف يا ترى سنبدو للقادمين من بعدنا؟». وتذكر أن «هذا السؤال لا يأتي من باب تزجية الفراغ، إنما هو محاولة متعمدة لدعم قدرات تلك (العين الأخرى) التي يمكننا اللجوء إليها للحكم على أنفسنا. فكل من يقرأ التاريخ يدرك أن القناعات القوية المتقدة في قرن من الزمان عادة ما تبدو سخيفة عجيبة للقرن التالي». وتلفت إلى أنه لا توجد حقبة في التاريخ تتراءى لنا كما تراءت لمن عاشوها، فما نعيشه في أي عصر هو وقع العواطف الجماعية والظروف الاجتماعية علينا، ومن المتعذر تقريباً أن نفصل أنفسنا عنها، وغالباً ما تلوح العواطف الجماعية تلك لنا بصفتها الأنبل والأفضل والأجمل. ولكن في غضون عام أو خمسة أعوام، أو عقد أو خمسة عقود، سيتساءل الناس: «كيف اعتقدوا في ذلك؟ لأن أحداثاً ستكون قد وقعت أو أقصت تلك العواطف الجماعية إلى مزبلة التاريخ».
وتذكر المؤلفة مثالاً على هذا بإحدى وقائع التعصب الكروي المقيتة، عندما قام مشجعو كرة القدم البريطانيون والإيطاليون بأعمال شغب في بروكسل، تحولوا فيها إلى مجرد حيوانات، كما ردد المتفرجون والمعلقون مراراً. كان البريطانيون يقضون حاجتهم فوق جثث من قتلوهم، ولا تعرف دوريس ليسنغ إن كان استخدام كلمة «حيوان» مجدياً هنا أم لا! ولكن ما حدث قطعاً كان مسلكاً بشرياً.
وتروي المؤلفة واقعة أخرى ذات دلالة في هذا السياق، قائلة: «عندما كنت في زيمبابوي عام 1982، أي بعد عامين من الاستقلال، ونهاية تلك الحرب المروعة التي فاق قبحها ووحشتيها مرات ما قيل لنا عنها، قابلت جنوداً من كلا الجانبين، من البيض والسود. لم تكن الحرب البطولية المجيدة حتمية أبداً، فقد كان يمكن تفاديها في المقام الأول باستخدام أقل قدر من التفكير السليم من جانب البيض، غير أن كل الانفعالات البدائية استحوذت عليهم، وصار شعار الجميع: سأحمل بندقيتي، وأقاتل حتى آخر قطرة في دمي».
- بيضاء تناضل مع السود
نشأت دوريس ليسنغ ذات البشرة البيضاء في بلد تهيمن فيه أقلية بيضاء ضئيلة على الأغلبية السوداء، هي روديسيا الجنوبية القديمة (زيمبابوي)، حيث كانت مواقف البيض إزاء السود جامحة: متعصبة بغيضة جاهلة، على حد تعبيرها. والأهم كان افتراض أن تلك المواقف غير قابلة للمنازعة أو التغيير، رغم أن نظرة بسيطة على التاريخ كانت ستنبئهم أن حكمهم حتماً سيمضي، وأن يقينهم مؤقت. وتؤكد أنه لم يكن مباحاً لأي عضو في هذه الأقلية البيضاء الاختلاف معها، وكل من فعل جوبه بالنبذ الفوري، وبأنهم لا بد أن يعدلوا عن رأيهم أو يخرسوا أو يرحلوا في أثناء نظام البيض الذي استمر تسعين عاماً لا تعد شيئاً في حسابات التاريخ؛ كان الخارج عليهم كافراً خائناً!
وخلصت ليسنغ إلى حقيقة مفادها أننا نتعرض جميعاً، بدرجة أو بأخرى، لغسل الدماغ من قبل المجتمع الذي نحيا فيه، ويمكننا ملاحظة ذلك عند سفرنا لبلاد أخرى، والتقاط لمحة عن بلدنا بعيون أجنبية، فلكل منا جزء من الأوهام المريحة الكبرى، مشيرة إلى أنها لا تنفصل عن الأوهام التي يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. وهذه الأوهام يتعذر فحصها ودراستها، وأفضل ما نأمله هو أن يمكننا صديق طيب من ثقافة أخرى من النظر إلى ثقافتنا بعيون مجردة.
وتشير صاحبة «الدفتر الذهبي» إلى أن التكنولوجيا عموماً، والتلفزيون والسينما بشكل خاص، باتت تعرض المواطن العادي لدرجة من القسوة الوحشية من كل نوع، حتى أنه بدأ يفقد إحساسه إزاءها، وتتساءل: «هل يمكن أن يحتج أي شخص الآن بوتيرة سريعة لأسباب تخص الضمير العالمي؟». وفي معرض إجابتها، تبدي تشاؤماً كبيراً، قائلة: «أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا بعد مشاهدتنا ليلة بعد ليلة، ويوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، للأهوال الجارية في العالم. فقدنا حساسيتنا تماماً مثل أولئك الجنود الذين تحولوا عمداً إلى قساة وحشيين. نعم، لا أحد يخطط لتجريدنا من إنسانيتنا، وتحويلنا إلى أفظاظ جفاة القلب، ولكن هذا ما نصير عليه أكثر فأكثر».
- تفكيك النموذج الغربي
وحول رؤيتها للنموذج الغربي، ترى ليسنغ أنه في الغرب، أو في المجتمعات التي توصف بالغربية أو العالم الحر، قد يكون الناس متعلمين بصورة أو بأخرى، ولكنهم جميعاً يطلون علينا بفكرة عن ذاتهم تصب في هذا المعنى: «أنا مواطن في مجتمع حر، وهذا يعني أن لي شخصيتي الفردية، وأني أقوم باختبارات فردية، وعقلي ملكي، وآرائي من اختياري، ولي حرية فعل ما أشاء، والضغوط علي في أسوأ الأحوال ضغوط اقتصادية، مما يعني أنني أفعل ما أريد». وبمسحة لا تخلو من السخرية، تعلق قائلة: «قد تبدو هذه الأفكار كاريكاتورية، ولكنها لا تنأى كثيراً عن الكيفية التي نرى بها أنفسنا، وهذه الصورة لم نكسبها بوعي، بل هي جزء من مناخ عام، أو مجموعة من الافتراضات تؤثر على أفكارنا عن أنفسنا». وتضيف: «يعيش الناس في الغرب طيلة حياتهم، وربما لا يفكرون أبداً في تحليل هذه الصورة التي ترضيهم تماماً، وبالتالي نجدهم عاجزين أمام جميع أشكال وسبل الضغط عليهم من أجل الامتثال والتوافق».
ولا تفصل ليسنغ هذه الصورة عن واقع العلاقة بين الفرد والجماعة، فترى أننا نعيش حياتنا جميعاً في جماعات الأسرة وجماعات العمل وجماعات دينية وجماعات اجتماعية وسياسية، ولا يشعر بالسعادة في العزلة سوى قلة ضئيلة من البشر، يظنهم بعضهم غريبي الأطوار أو أنانيين، أو ربما أسوأ من ذلك، حيث لا يحتمل أغلب الناس البقاء بمفردهم لفترة طويلة، بل يبحثون دائماً عن جماعات للانتماء إليها. وحين تنفض واحدة، يبحثون عن أخرى: «فنحن ما زلنا حيوانات جماعية، ولا ضرر في ذلك، فالخطر ليس في الانتماء إلى جماعة أو جماعات، بل في عدم إدراك القوانين الاجتماعية التي تحكم الجماعات وتحكمنا»، لافتة إلى أن ثمة شروطاً لهذا الانتماء، لكن لا تعني آلية الإذعان للجماعة الانقياد أو الخضوع لجماعة صغيرة أو شديدة التحديد، كديانة أو حزب سياسي فحسب، بل تعني أيضا الامتثال لقوانين غير قابلة للمناقشة لدى مجموعات عريضة مبهمة غير محددة المعالم من البشر. وتخلص صاحبة نوبل من رؤيتها بشكل يدعو للتشاؤم، فالفرضيات والمؤكدات الأساسية للجماعة -حسبما تقول- لا تناقش مطلقاً ولا تعارض، بل من المحتمل ألا تلاحظ أصلاً، والفرضية الأساسية تكون تحديداً: «هذا عقل جماعي مقاوم بشدة للتغيير، مجهز بفرضيات مقدسة لا يمكن النقاش حولها»!


مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة