دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

ترجمة عربية لخمس محاضرات ألقتها حاملة {نوبل} البريطانية في الإذاعة الكندية

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»
TT

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

دوريس ليسنغ تحذر من «سجون نختار أن نحيا فيها»

صرخة تحذير من عصرٍ آتٍ تفرز فيه البشرية أسوأ غرائزها في العنف، ومصادرة الآخر، وسحق خصوصية الأفراد لصالح الجماعة، أطلقتها الكاتبة البريطانية دوريس ليسنغ (1919-2013)، الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب 2007، التي عاشت طيلة عمرها تناضل ضد التمييز العنصري والظلم الاجتماعي والقهر السياسي، ولمست عن قرب صوره البشعة، حيث ولدت في إيران، وعاشت طفولتها في أفريقيا، قبل أن تستقر في لندن.
تطالعنا أصداء تلك الصرخة في كتاب «سجون نختار أن نحيا فيها» الصادر في القاهرة عن «دار العين للنشر» و«المركز القومي للترجمة»، متضمناً خمس محاضرات، قامت بترجمتها سهير صبري، كانت «ليسنغ» ألقتها برعاية «هيئة الإذاعة الكندية»، في تقليد لا يزال قائماً حتى اليوم، حيث تدعو الإذاعة شخصية دولية عامة مرموقة لإلقاء عدد من المحاضرات حول قضية عالمية تصدر لاحقاً بين دفتي كتاب.
- أسئلة حيرى
«إلى أي مدى -وبأي تواتر- يهيمن علينا ماضينا الهمجي، أفراداً وجماعات؟»، هذا هو السؤال المركزي الذي تطرحه المؤلفة عبر محاضراتها. فرغم أننا نبدو أحياناً بلا حول ولا قوة، فإننا نجمع بسرعة كبيرة المعرفة عن أنفسنا، ليس بصفتنا أفراداً فحسب بل بصفتنا جماعات وأمماً وأعضاء في المجتمع، نجمعها بسرعة أكبر من قدراتنا على استيعابها.
تؤكد صاحبة نوبل أننا «في زمن المخيف فيه أن نكون أحياء، حيث يصعب أن نفكر في بني البشر بصفتهم مخلوقات عاقلة، فأينما نولي وجوهنا نرى الوحشية والغباء، حتى ليبدو أنه لا يوجد عداهما شيء نراه. وثمة انحدار نحو الهمجية في كل مكان، ونحن عاجزون عن كبحه، ولكن رغم حقيقة وجود تدهور عام، وتحديداً لأن الأمور مخيفة لهذه الدرجة، فقد أصبحنا منومين مغناطيسياً، فلا نلاحظ القوى المماثلة في الشدة الموجودة على الجانب الآخر، وهي باختصار قوى العقل والرشد والتحضر. وإذا لاحظناها، فإننا نستهين بها».
ثم تطرح ليسنغ سؤالاً آخر يؤرقها ويشغل بالها: «كيف يا ترى سنبدو للقادمين من بعدنا؟». وتذكر أن «هذا السؤال لا يأتي من باب تزجية الفراغ، إنما هو محاولة متعمدة لدعم قدرات تلك (العين الأخرى) التي يمكننا اللجوء إليها للحكم على أنفسنا. فكل من يقرأ التاريخ يدرك أن القناعات القوية المتقدة في قرن من الزمان عادة ما تبدو سخيفة عجيبة للقرن التالي». وتلفت إلى أنه لا توجد حقبة في التاريخ تتراءى لنا كما تراءت لمن عاشوها، فما نعيشه في أي عصر هو وقع العواطف الجماعية والظروف الاجتماعية علينا، ومن المتعذر تقريباً أن نفصل أنفسنا عنها، وغالباً ما تلوح العواطف الجماعية تلك لنا بصفتها الأنبل والأفضل والأجمل. ولكن في غضون عام أو خمسة أعوام، أو عقد أو خمسة عقود، سيتساءل الناس: «كيف اعتقدوا في ذلك؟ لأن أحداثاً ستكون قد وقعت أو أقصت تلك العواطف الجماعية إلى مزبلة التاريخ».
وتذكر المؤلفة مثالاً على هذا بإحدى وقائع التعصب الكروي المقيتة، عندما قام مشجعو كرة القدم البريطانيون والإيطاليون بأعمال شغب في بروكسل، تحولوا فيها إلى مجرد حيوانات، كما ردد المتفرجون والمعلقون مراراً. كان البريطانيون يقضون حاجتهم فوق جثث من قتلوهم، ولا تعرف دوريس ليسنغ إن كان استخدام كلمة «حيوان» مجدياً هنا أم لا! ولكن ما حدث قطعاً كان مسلكاً بشرياً.
وتروي المؤلفة واقعة أخرى ذات دلالة في هذا السياق، قائلة: «عندما كنت في زيمبابوي عام 1982، أي بعد عامين من الاستقلال، ونهاية تلك الحرب المروعة التي فاق قبحها ووحشتيها مرات ما قيل لنا عنها، قابلت جنوداً من كلا الجانبين، من البيض والسود. لم تكن الحرب البطولية المجيدة حتمية أبداً، فقد كان يمكن تفاديها في المقام الأول باستخدام أقل قدر من التفكير السليم من جانب البيض، غير أن كل الانفعالات البدائية استحوذت عليهم، وصار شعار الجميع: سأحمل بندقيتي، وأقاتل حتى آخر قطرة في دمي».
- بيضاء تناضل مع السود
نشأت دوريس ليسنغ ذات البشرة البيضاء في بلد تهيمن فيه أقلية بيضاء ضئيلة على الأغلبية السوداء، هي روديسيا الجنوبية القديمة (زيمبابوي)، حيث كانت مواقف البيض إزاء السود جامحة: متعصبة بغيضة جاهلة، على حد تعبيرها. والأهم كان افتراض أن تلك المواقف غير قابلة للمنازعة أو التغيير، رغم أن نظرة بسيطة على التاريخ كانت ستنبئهم أن حكمهم حتماً سيمضي، وأن يقينهم مؤقت. وتؤكد أنه لم يكن مباحاً لأي عضو في هذه الأقلية البيضاء الاختلاف معها، وكل من فعل جوبه بالنبذ الفوري، وبأنهم لا بد أن يعدلوا عن رأيهم أو يخرسوا أو يرحلوا في أثناء نظام البيض الذي استمر تسعين عاماً لا تعد شيئاً في حسابات التاريخ؛ كان الخارج عليهم كافراً خائناً!
وخلصت ليسنغ إلى حقيقة مفادها أننا نتعرض جميعاً، بدرجة أو بأخرى، لغسل الدماغ من قبل المجتمع الذي نحيا فيه، ويمكننا ملاحظة ذلك عند سفرنا لبلاد أخرى، والتقاط لمحة عن بلدنا بعيون أجنبية، فلكل منا جزء من الأوهام المريحة الكبرى، مشيرة إلى أنها لا تنفصل عن الأوهام التي يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. وهذه الأوهام يتعذر فحصها ودراستها، وأفضل ما نأمله هو أن يمكننا صديق طيب من ثقافة أخرى من النظر إلى ثقافتنا بعيون مجردة.
وتشير صاحبة «الدفتر الذهبي» إلى أن التكنولوجيا عموماً، والتلفزيون والسينما بشكل خاص، باتت تعرض المواطن العادي لدرجة من القسوة الوحشية من كل نوع، حتى أنه بدأ يفقد إحساسه إزاءها، وتتساءل: «هل يمكن أن يحتج أي شخص الآن بوتيرة سريعة لأسباب تخص الضمير العالمي؟». وفي معرض إجابتها، تبدي تشاؤماً كبيراً، قائلة: «أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا بعد مشاهدتنا ليلة بعد ليلة، ويوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، للأهوال الجارية في العالم. فقدنا حساسيتنا تماماً مثل أولئك الجنود الذين تحولوا عمداً إلى قساة وحشيين. نعم، لا أحد يخطط لتجريدنا من إنسانيتنا، وتحويلنا إلى أفظاظ جفاة القلب، ولكن هذا ما نصير عليه أكثر فأكثر».
- تفكيك النموذج الغربي
وحول رؤيتها للنموذج الغربي، ترى ليسنغ أنه في الغرب، أو في المجتمعات التي توصف بالغربية أو العالم الحر، قد يكون الناس متعلمين بصورة أو بأخرى، ولكنهم جميعاً يطلون علينا بفكرة عن ذاتهم تصب في هذا المعنى: «أنا مواطن في مجتمع حر، وهذا يعني أن لي شخصيتي الفردية، وأني أقوم باختبارات فردية، وعقلي ملكي، وآرائي من اختياري، ولي حرية فعل ما أشاء، والضغوط علي في أسوأ الأحوال ضغوط اقتصادية، مما يعني أنني أفعل ما أريد». وبمسحة لا تخلو من السخرية، تعلق قائلة: «قد تبدو هذه الأفكار كاريكاتورية، ولكنها لا تنأى كثيراً عن الكيفية التي نرى بها أنفسنا، وهذه الصورة لم نكسبها بوعي، بل هي جزء من مناخ عام، أو مجموعة من الافتراضات تؤثر على أفكارنا عن أنفسنا». وتضيف: «يعيش الناس في الغرب طيلة حياتهم، وربما لا يفكرون أبداً في تحليل هذه الصورة التي ترضيهم تماماً، وبالتالي نجدهم عاجزين أمام جميع أشكال وسبل الضغط عليهم من أجل الامتثال والتوافق».
ولا تفصل ليسنغ هذه الصورة عن واقع العلاقة بين الفرد والجماعة، فترى أننا نعيش حياتنا جميعاً في جماعات الأسرة وجماعات العمل وجماعات دينية وجماعات اجتماعية وسياسية، ولا يشعر بالسعادة في العزلة سوى قلة ضئيلة من البشر، يظنهم بعضهم غريبي الأطوار أو أنانيين، أو ربما أسوأ من ذلك، حيث لا يحتمل أغلب الناس البقاء بمفردهم لفترة طويلة، بل يبحثون دائماً عن جماعات للانتماء إليها. وحين تنفض واحدة، يبحثون عن أخرى: «فنحن ما زلنا حيوانات جماعية، ولا ضرر في ذلك، فالخطر ليس في الانتماء إلى جماعة أو جماعات، بل في عدم إدراك القوانين الاجتماعية التي تحكم الجماعات وتحكمنا»، لافتة إلى أن ثمة شروطاً لهذا الانتماء، لكن لا تعني آلية الإذعان للجماعة الانقياد أو الخضوع لجماعة صغيرة أو شديدة التحديد، كديانة أو حزب سياسي فحسب، بل تعني أيضا الامتثال لقوانين غير قابلة للمناقشة لدى مجموعات عريضة مبهمة غير محددة المعالم من البشر. وتخلص صاحبة نوبل من رؤيتها بشكل يدعو للتشاؤم، فالفرضيات والمؤكدات الأساسية للجماعة -حسبما تقول- لا تناقش مطلقاً ولا تعارض، بل من المحتمل ألا تلاحظ أصلاً، والفرضية الأساسية تكون تحديداً: «هذا عقل جماعي مقاوم بشدة للتغيير، مجهز بفرضيات مقدسة لا يمكن النقاش حولها»!


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً