زياد بهاء الدين: لا يمكن الحديث عن «معارضة» سياسية في مصر ما دام لا يوجد «حزب حاكم»

نائب رئيس الوزراء السابق لـ («الشرق الأوسط»): أستبعد أن يكون لتيار الإسلام السياسي مستقبل في البرلمان المقبل

ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
TT

زياد بهاء الدين: لا يمكن الحديث عن «معارضة» سياسية في مصر ما دام لا يوجد «حزب حاكم»

ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)
ميكروباس ازدحم بركاب مصريين في شارع بالقاهرة القديمة وتظهر في الخلف مئذنة أحد مساجد العصر الفاطمي أمس (أ.ب)

* زياد بهاء الدين يروي لـ («الشرق الأوسط») تجربة 10 سنوات داخل أروقة الحكم في مصر بين الاقتصاد والسياسة (3 ـ 3)

* قدر للدكتور زياد بهاء الدين أن يكون دوره السياسي، أيا كان موقعه، مسبوقا بلقب «نائب».. حصل عليه للمرة الأولى عندما أصبح «نائبا برلمانيا» عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 بعد فوزه في انتخابات مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان/ 2012) الذي سمي «برلمان الثورة»، ممثلا عن مدينة أسيوط (جنوب مصر)، ثم كان «نائبا لرئيس الوزراء» في حكومة الببلاوي عقب ثورة يونيو (حزيران) 2013، وأخيرا، فإن منصبه الحالي هو نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي.
ورغم أنه كان جزءا من «تحالف 30 يونيو» الذي دشن خارطة طريق المستقبل في مصر بعد سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو (تموز) 2013، فإن نائب رئيس الوزراء السابق يرى أن ملامح الخارطة تقترب من الاكتمال بإنجاز الاستحقاق الثالث فيها وهو الانتخابات البرلمانية، إلا أن المناخ المحيط بها وبالعمل السياسي في مصر غير مرضٍ، من وجهة نظره. كما يؤكد أن الحياة السياسية المصرية في مأزق بسبب ضعف الأحزاب، خاصة بعد غياب حافز المشاركة الحزبية بسقوط «الإخوان».
ويوضح الدكتور زياد بهاء الدين في الجزء الأخير من حواره المطول مع «الشرق الأوسط»، أن الاعتماد على المؤسسات الوطنية العسكرية والأمنية وحده غير كاف للقضاء على الإرهاب، مشيرا إلى أن إحدى أهم وسائل مواجهة الإرهاب تكمن في تماسك المجتمع، وحسب رؤيته، فإن ذلك يتحقق من خلال اقتصاد قوي، وحياة حزبية حقيقية تطرح للناس أفكارا ورؤى، «كما أن التمسك بالدستور والقانون في هذه اللحظة دليل على قوة أمام الإرهاب، وبالعكس، فإن تعطيل الدستور وإهمال تطبيق القانون هو تسليم بأن الإرهاب انتصر». وإلى نص الحوار:

* هل شعرت بالندم على قبولك الانضمام لحكومة الببلاوي؟
- لم أشعر بالندم مطلقا على هذا القرار، ربما نسيت الناس الظروف وقت «30 يونيو» وبعدها.. كان الموقف بحاجة إلى أشخاص مستعدين للتصدي لمسؤولية منع الدولة واقتصادها من الانهيار، وأظن أن حكومة الببلاوي قامت بذلك وبواجبها تجاه الملف الاقتصادي وأنقذت البلد من انهيار اقتصدي وشيك. وبنفس القدر غير نادم على الإطلاق على الاستقالة، أو الوقت الذي اخترته للاستقالة عندما أصبح هناك خلاف سياسي واضح بيني وبين معظم أعضاء الحكومة على مستقبل المسار الديمقراطي.
* هل ترى أن خروجك من الحكومة، كان نقطة النهاية لتحالف «30 يونيو»؟
- ليس خروجي وحدي فقط «حتى لا أعطي لنفسي وزنا أكثر مما ينبغي»، لكنه كان مفاجئا أن هذا التحالف - الذي كان من البداية، للأمانة، لا يمكن التصور أن يستمر طويلا - انهار أسرع مما ينبغي، وغلب على المشهد طابع «تصفية الحسابات» بأكثر مما تحتمل اللحظة. كما كان الأمر كله بمثابة مؤشر على ما أمثله أنا وحزبي.. لم يعد مقبولا في منظومة الحكم.
* لماذا تعرضت لهجوم إعلامي حاد في آخر أيام عملك بالوزارة وكذلك بعد خروجك منها؟
- أرى أن جزءا منه كان نتيجة خلاف حقيقي في وجهات النظر، وبالتالي كان بحسن نية يتفق وأي خلاف سياسي، لأنها كانت لحظة فيها اضطراب شديد واستقطاب شديد وخوف شديد من المستقبل. لكن أظن أن جانبا منه أيضا كان فيه تعمد الإساءة، وهي ليست إساءة لشخصي، وإنما لتيار أنتمي إليه أُطلق عليه وقتها «التيار الديمقراطي» داخل الحكومة.. كانت فيه رغبة في إجهاض أي حلول سياسية مختلفة للمخاطر والتحديات التي يواجهها البلد، والاعتماد على الحل الأمني وحده دون إعطاء الفرصة لأي تناول سياسي، وبالتالي تم تشويه موقفهم واتهامهم بكل شيء لكي يسهل إسكات كل صوت يعبر عن رأي مختلف داخل الحكومة وخارجها.
* الكتابة هي السلاح الأخير الذي لجأت إليه للنقد والمعارضة السياسية بعد أن شاركت في ثورتين.. هل سيكون هذا هو اختيارك الأخير؟
- نعم هو اختياري الحالي، بالإضافة إلى العمل الحزبي، ولكنه ليس الأخير. اختياري في كل الأحوال ليس الخروج من الساحة، ولم أترك مصر ولا العمل العام، والكتابة ليست السلاح الأخير، بل هي إحدى الأدوات. في الوقت الحالي، اخترت أن أكون مشتركا في العمل العام من خلال العمل الحزبي ومن خلال الكتابة، ومن خلال المشاركة في الحوار الدائر في المجتمع بشكل عام خارج الإطار الحزبي والكتابة.. من خلال لقاءات فكرية وحلقات نقاشية. كذلك الكتابة هي أداة تصلح لشخص كان في العمل التنفيذي والبرلماني ويحتاج إلى تقييم الوضع، ويقول إنه غير منسحب من الساحة ولا ينوي ترك البلد.
أعتقد أن الاهتمام والانخراط في العمل العام مسألة طويلة المدى، لكن الشخص عليه أن يقدر في نفس الوقت، ما التوقيت المناسب لكي يكون في مقدمة الصفوف، وما الوقت المناسب أكثر لكي يتراجع خطوتين ويظل مساهما من موقع خلفي.
* هل ترى أن هناك حياة سياسية حقيقية في مصر حاليا؟
- الحياة السياسية المصرية في مأزق، وليس سببه طرف واحد، بل أطراف مختلفة. النشاط الحزبي لا يتعرض لضغوط ولا مضايقات مثلما يحدث للمجتمع المدني الآن، لكن هو في مأزق، لأنه يخرج من مرحلة إلى مرحلة مختلفة تماما. مرحلة ما بعد ثورة «25 يناير» مباشرة وإلى «30 يونيو»، كانت الناس متطلعة فيها للأحزاب باعتبارها وسيلة للتعبير وشحذ همة المجتمع ولعب دور فعال، إما في دعم مشروع الإسلام السياسي أو مقاومته. أما بعد «30 يونيو»، فالأمر اختلف تماما، فكثير من الأحزاب الإسلامية اختفت من الساحة؛ مثل الحرية والعدالة (الإخوان)، وعلى الجانب الآخر، فإن الكثير من جمهور الأحزاب المدنية، السياسة بالنسبة له مرحلة انتهت بانتهاء حكم الإخوان، وهو ما يعني أن حافز الاشتراك في العمل الحزبي انتهى.
الجانب الآخر، هو وجود خطاب يطرح منذ فترة، وهو فكرة أن تقدم المجتمع اقتصاديا واجتماعيا لا يحتاج أحزابا، وأنه سيكون أفضل حالا من دون أحزاب، وأن وجود رئيس منتخب وشعب يقدره يكفي، وليس هناك حاجة للعمل السياسي أو الحزبي، ووصفت الأحزاب بأنها «كرتونية»، والسياسة بأنها أصبحت عملا «ترفيا».
يضاف إلى ذلك، أن الأحزاب بعدت عن الشأن الجماهيري أكثر من اللازم.. فلا شك أنه من عواقب تركيبة جبهة الإنقاذ، وجمع كل الأحزاب المدنية على قضية واحدة فقط؛ وهي إسقاط حكم الإخوان، أن الأحزاب بعدت عن المعايشة الحقيقية لهموم المواطنين من تعليم وصحة وزراعة.. إلخ. هذا أدى إلى انحسار العمل الحزبي، وهو لا يعني بالضرورة اختفاء الأحزاب، بل تراجع الأحزاب التي لديها فكر وبرنامج، أمام الأحزاب المعتمدة فقط إما على التمويل أو التربيطات القبلية، ولا تقدم بديلا فكريا أو سياسيا بالضرورة.
* ما تقديرك لحجم اللوم الذي يقع على الدولة في ارتباك الحياة السياسية؟
- عليها لوم فيما يتعلق تحديدا باستمرار نفس الحالة المضطربة في التشريع الدستوري. وهذا الجزء الذي تلام عليه الدولة.. قانون الانتخابات الحالي مثلا ليس فقط به أخطاء جسيمة، بل لا داعي لبعض نصوصه.. لماذا أقر نظام انتخابات بالقائمة المطلقة؟ فالغرض من انتخابات القوائم هو إعطاء فرصة للتمثيل النسبي للأحزاب المختلفة، فكيف تفوز قائمة بها 45 شخصا لمجرد حصولها على نسبة 51 في المائة من أصوات الناخبين. هذا القانون يدفع دفعا إلى أن يكون اختيار مرشحي القوائم اختيارا أشبه بالتعيين منه بالانتخاب.
* هل أنت راضٍ عما تحقق في خارطة الطريق التي أعلنت عقب عزل مرسي في 3 يوليو 2013؟
- خارطة الطريق التي ظهرت للرأي العام عقب «30 يونيو» كان بها ثلاثة أركان رئيسية: انتخابات رئاسية، ودستور، وانتخابات برلمانية.. فمن ناحية ما تم وما لم يتم، فقد تحقق ثلثاها، بانتخابات رئاسية جيدة، ودستور بشكل عام مقبول بـ«علاته» أو بعض المآخذ عليه، في حين يبدو الثلث الأخير على وشك أن يتحقق في ضوء التصريحات الأخيرة للمسؤولين.
لكن هناك أمران كنت أتمنى تحقيقهما؛ أولا الالتزام بشكل أكثر دقة بأحكام الدستور. فيما يبدو كما لو كان الدستور صدر كمستند عليه توافق كبير لكننا اخترنا أن نعطل بعض جوانبه وبعض الحقوق والضمانات التي يحميها، وهذا أمر غير مقبول. ثانيا، هو أننا نتراجع عن فكرة كنا نروج لها في الماضي، فالإخوان كانوا يستندون لما سموه «شرعية الصناديق»، وكان ردنا أن الصناديق ليست كل شيء، بل هي نتيجة لمسار طويل وضمانات وحقوق.. إلخ.
خطوات خارطة الطريق تتحقق، لكن المناخ الذي حولها غير مرضٍ.. ومثال على ذلك، قانون الجمعيات الأهلية، وقانون توافر المعلومات أو حرية المعلومات، واحترام حق التظاهر السلمي.. وكلها قوانين تتعارض مع توفير المناخ العام المواتي للديمقراطية.
* زاد الجدل في الآونة الأخيرة حول الدستور.. هناك من يطالب بتعديل، ومن يقول إنه بالفعل تم تعطيل بعض مواده، ما تعليقك؟
- الاختيار الأمثل والوحيد في تلك المرحلة هو احترام الدستور كما هو بـ«علاته».. هناك مواد قد لا تكون مناسبة، أو حسمت على عجل مثلا، ومسائل لم تجرب من الممكن أن يعاد فيها النظر، لكن استمرار الدستور لفترة من الوقت أمر مهم جدا.. الأهم من ذلك أنه يجب أثناء العمل بالدستور وعدم تعديله، هو احترامه.
* كيف يستعد الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي للانتخابات البرلمانية؟
- الحزب وإن كان أبدى اعتراضه أكثر من مرة على أشياء أساسية لها علاقة بالانتخابات، منها بالطبع قانون الانتخابات، وغموض موعد الانتخابات، وعدم حسم تقسيم الدوائر الانتخابية، لكن الحزب دائما ما يرفض الخيار السهل وهو مقاطعة الانتخابات، ونعتز بأننا لم نقاطع أي فعاليات انتخابية بما فيها الاستفتاء على دستور الإخوان، وكان موقفنا أن نصوت بـ«لا»، فدخول الانتخابات ليس مهما للحصول على مقعد أو منصب، بل هو فرصة لطرح أفكار مختلفة على الساحة. والحزب يدرك أنه يدخل انتخابات في ظروف غير مواتية بسبب ما ذكرته، وبسبب عزوف الناس عما تقدمه الأحزاب الديمقراطية. لكن في هذا الإطار، مهتمون بدخول الانتخابات، خاصة الانتخابات الفردية، ونعتبر أنها الانتخابات الحقيقة التي ستجرى على الأرض، وليست انتخابات القائمة.
* وهل تمت دعوتكم لما يسمى بـ«قائمة الجنزوري الموحدة»؟ وما موقفكم الحزبي منها؟
- نحن في تفاوض مع قوى مختلفة.. كل الأحزاب التقى بعضها ببعض. والتقى رئيس حزبنا بالجنزوري، لكننا نفضل ألا يكون هناك وجود لقائمة هي أقرب للتعيين منها للانتخاب، فهي ستفوز بحكم اتفاقات الأحزاب وليس بحكم اختيارات الناس لها.
وما زلنا في تحالف الوفد المصري، هو تحالف لانتخابات المقاعد الفردية، أما فيما يتعلق بالقوائم، فلم تحسم بعد. ونحن أيضا قريبون من التحالف الديمقراطي، ونعمل على إقناعهم بالدخول معنا في التحالف، ويهمنا أيضا وجود «المصريين الأحرار»، وسنتمسك في النهاية بعدم الدخول في تحالفات لا تعبر عن رأينا.
* انقسم المجتمع إلى فريقين؛ أحدهما يحذر من عودة الفلول، والآخر مرعوب من تسلل الإخوان والإسلاميين بشكل عام إلى البرلمان.. أين يقف حزبك من الفريقين؟
- حزبي يتميز بأنه من الأحزاب القليلة التي تأخذ مبدأ عدم الإقصاء مأخذ الجد. نتمسك بوجود معايير واحدة لدخول الانتخابات؛ أهمها ألا يكون حزبا من الأحزاب التي ترفض المسار القانوني أو الديمقراطي، وتنبذ العنف، أو لا تقبل التمييز بين المواطنين. ويكون للمرشحين أيضا معايير، وهي ألا يكون المرشح قد ارتكب جريمة أو ثبت بحقه ارتكاب فساد أو قتل أو تعذيب. والباقي يترك للمواطنين. وأنا مستعد لقبول أي نتيجة تأتي بهذه الشروط، ولا يهم بعد ذلك من أي حزب سواء من أحزاب ما قبل الثورة أو بعدها. وأستبعد أن يكون لتيار الإسلام السياسي فرصة هذه المرة، لأن التيار العام رافض تماما للبديل الإخواني.
* إلى أي مدى ترى إمكانية احتواء تيارات الإسلام السياسي في الحياة السياسة في مصر في اللحظة الراهنة؟
- إذا كان الاحتواء معتمدا على الحل الأمني فقط وعلى إجراءات التخويف وحالة الاستعداء الإعلامي المبالغ فيها، فهي سياسات خاطئة ستؤدي إلى نتائج عكسية بمرور الوقت.
أما إذا أردت أن تواجه تيارا من هذا النوع، فليس أمامك سوى أن تفتح المجال للأحزاب الأخرى، وللمجتمع المدني وللقوى السياسية لأن تحارب في هذه المعركة على أرضية سياسية، وليس بأن تقضي على الحياة السياسية معتمدا فقط على سطوة الدولة في مواجهة هذا التيار.
* من الممكن الرد بأن المجلس العسكري قام بذلك فعلا بعد ثورة يناير، فاختطف التيار الديني السلطة وكاد يبدل هوية الدولة فثار التيار الديمقراطي وانقض على تلك التجربة التي تطالب بإعادة إنتاجها مرة أخرى؟
- لم ننقض.. نحن قبلنا بالنتيجة الديمقراطية سواء في انتخابات مجلس الشعب أو في الرئاسة. في الحالة الأولى صدر حكم محكمة ترتب عليه حل البرلمان، وخسرنا مقاعدنا كما خسرها الإسلاميون. وفي الحالة الثانية قبلنا بنتيجة الانتخابات واختيار محمد مرسي دون أي تحفظ على مشروعيته، ولم نغير موقفنا إلا عندما انحرف مرسي وحكومته عن المسار الديمقراطي الذي جاء به. نحن كنا بداية الحراك الشعبي الذي في نهايته تحول إلى ثورة وإلى دخول الجيش في اللحظة الأخيرة قبل أن يحدث اقتتال داخلي يصل بنا إلى حرب أهلية.
* أليس من الوارد أن يحدث الاختطاف نفسه مرة أخرى؟
- أنا مستعد لقبول أي نتيجة تأتي من خلال مسار ديمقراطي سليم أيا كانت، على أن نظل نحترم هذا النظام الديمقراطي حتى نهايته. وألا يستخدم فقط كأداة للوصول للحكم ثم ينقض عليه.
* هل ترى أن النظام المصري الحالي مهتم بوجود معارضة فاعلة في النظام السياسي؟
- المشكلة في مصر لا تتعلق بالنظام وحده، بل هناك رأي عام أصبح معاديا لفكرة العمل السياسي والمعارضة السياسية، وهناك شعور بأن مصلحة البلد تقتضي الاصطفاف وعدم كسر الصف. وهذه فكرة أوافق عليها في بعض التحديات الكبرى، لكن يجب أن يكون هناك إدراك في الرأي العام بأن الاختلاف في الرأي في الشؤون الاقتصادية أو الاجتماعية أو تسيير الدولة، أمر ضروري وليس عيبا.
الديمقراطية ليست نظاما لمصلحة الشعب وحده، بل أكثر من يستفيد منه هو الحاكم، فالديمقراطية ليست الوقوف في طوابير انتخابية لتختار، بل معناها أن الناس أصبحت شريكة في القرارات التي يأخذها الحاكم، وتدافع عنه، وتشعر بأنها جزء من ذلك، وتتروى في انتقاد سياسته التي اختارتها معه. عندما تغلق كل تلك القنوات يصبح الحاكم هو المسؤول الأوحد الذي يحاسبه شعبه على كل خطوة.
* هل النظام الحالي لديه الاستعداد لذلك؟
- النظام العام في مصر سواء في الدوائر الرسمية أو الرأي العام متحفز ضد وجود معارضة، لأنه ينظر إليها على أنها تشق الصف الوطني المشغول بتحديات كبيرة. الأحزاب القائمة لا ترتقي أصلا لقوة حزب معارض، كما لا يمكن الحديث عن معارضة طالما ليس هناك حزب حاكم.
* ما تقييمك لـ«الحرب على الإرهاب» في مصر؟
- المعركة التي تخوضها الدولة وأجهزتها حاليا مهمة طبعا وأساسية ولا يملك أي شخص إلا أن يصطف وراءها، سواء بشكل شخصي أو حزبي، وليس لدي إلا كل التأييد والدعم لمجابهة العمل الإرهابي في مصر بمنتهى الحزم وبمنتهى القوة وبفكرة الحشد العام والتعبئة العامة للبلد لمواجهة خطر كبير جدا، وقد رأينا عواقبه في بلاد مجاورة وما يمكن أن نصل إليه، وهذا ليس محل جدل.
وما سوف أقوله سيكون انطلاقا من هذا وليس انتقاصا منه؛ إن الاعتماد على المؤسسات الوطنية العسكرية والأمنية وحدها غير كاف للقضاء على الإرهاب، حيث إن إحدى وسائل مواجهة الإرهاب هي تماسك المجتمع، ويتحقق ذلك من خلال اقتصاد قوي، وحياة حزبية حقيقية تطرح للناس أفكارا ورؤى، كما أن التمسك بالدستور والقانون في هذه اللحظة دليل على قوتك أمام الإرهاب، وبالعكس، فإن تعطيل الدستور وإهمال تطبيق القانون هو تسليم بأن الإرهاب انتصر عليك.
* هل ترى أن الدولة المصرية غير قادرة على هزيمة الإرهاب؟
- بالعكس، واضح أن المؤسسة العسكرية والشرطة، قادرة على مواجهة أخطار الإرهاب، بالتعبئة والحشد والإصرار رغم ما تقدمه من تضحيات.
حقيقة لا أملك معلومات عن النتائج على أرض الواقع، لكني أعتقد أن الانتصار على الإرهاب هو انتصار في الأفكار وليس بضرب المواقع العسكرية فقط.
* بعد 10 سنوات من العمل العام بين السياسة والاقتصاد، هل تشعر أننا وصلنا إلى لحظة يأس تجعلنا نقول إن المصريين لا تناسبهم الديمقراطية على الطريقة الغربية، أم إن هذه الديمقراطية لا تصلح لإدارة دولة بمتناقضات وأوضاع مصر؟
- لا أعتقد أن مصر وصلت لطريق مسدود في قصتها مع الديمقراطية، وأعتقد أن المصريين عندهم رغبة وتطلع لمجتمع أفضل.. لديهم مخاوف مشروعة تماما من الوضع الاقتصادي، والوضع الأمني، ومن المعركة مع الإرهاب، لكن هذا لا يعني تنازلهم عن بناء مجتمع أفضل وأكثر عدالة وأكثر حرية. ما نمر به هي مرحلة ضرورية بعد ثورة شعبية بدأت في يناير 2011 واكتملت في يونيو 2013، وعندي أمل كبير وقناعة حقيقية بأنه في نهاية المطاف سنجد طريقا إلى توافق ما، وأقصد بوضوح التوافق مع المجتمع كله وليس مع تيار محدد، توافقا يغلق ويطوي صفحة خلافات كثيرة جدا.
* في تجربتك السياسية، كنت شاهد عيان على كثير من الانتخابات، وعايشت اختيارات المصريين المتقلبة، التي جعلت «الصندوق» هو «السلم» التي تصل من خلاله تيارات فاسدة للحكم وتقصي كل ما هو جيد ومحترم.. ما تعليقك؟
- لا أشك في أن الناس في النهاية تحسن الاختيار، المشكلة في الضوابط والقوانين والمسار الدستوري المعيب.. الناس تختار وفي وجهة نظرها أن اختيارها صحيح، كما أنه لا يوجد بلد في العالم بدأ تجربة ديمقراطية ووصل لمرحلة مستقرة ومرضية في خطوة واحدة.. سوف نجد يوما ما طريقنا للديمقراطية ونعبر مراحل مختلفة كي نصل للطريق الصحيح، وهذا لا يعني إطلاقا أن المصريين غير قادرين أو غير مستحقين الديمقراطية.
* ما دلائلك في السنوات العشر على أن المصريين حين تتاح لهم الفرصة، فإنهم يحسنون الاختيار؟
- مبدئيا لا بد أن تستبعد الانتخابات التي كانت فيها شبهة تزوير، وتستبعد أيضا النتائج التي يكون فيها المناخ المحيط بالانتخابات غير نزيه.. الديمقراطية ليست هي الاصطفاف أمام الصناديق بالملايين، هي منظومة متكاملة.
قبل أن تحاسب الناس، عليك أن تبني أولا هذه المنظومة وتقبل بها بأكملها، بمعنى أن يكون هناك نشاط حزبي حر، وتكون هناك ضوابط على التمويل، وعلى استخدام دور العبادة، وأن يكون هناك مجتمع مدني نشط، ويكون فيه إعلام مستقل.. إذا وضعت هذه الضوابط، فسيكون من الطبيعي أن يكون اختيار الناس سليما ويعبر عن رغبتهم الحقيقية.
* في عام واحد، قال 12 مليون مصري «نعم» لدستور الإخوان، ثم قال العدد نفسه أيضا «نعم» على الدستور الحالي (دستور لجنة الخمسين)، قد يكون أكثر من 75 في المائة منهم قد وافقوا في المرتين رغم التعارض التام بين دستور يختطف مصر نحو مرجعية دينية، وآخر يعيدها إلى شخصيتها المدنية؟
- الناس هنا تختار شيئا واحدا وتقوله بصوت عالٍ، لكننا لا نريد أن نسمعها أو نفهمها.. الجماهير تقول إنها تختار ما يمكن أن يكون أساسا لإجماع الوطن، يقولون إنهم يختارون ما يمكن التوافق عليه، مصر تحتاج إلى أن تجد طريقها نحو التوافق الوطني، سَمِّه «مصالحة» أو «مبادرة».
إن الاندفاع في رفض كل أشكال التوافق الحاصل الآن، لا أعتقد أنه اختيار شعبي، أظن أنه اندفاع وحماس إعلامي، لإضعاف الحياة السياسية، وهذا هدف لدى بعض القوى في المجتمع، لكن اختيار الناس في غاية الاتساق.. هم يكادون يقولون لنا: «اتفقوا واحنا معاكم».. لكن «احنا مش عاوزين نتفق».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.