فصل الجنسين في جامعة صنعاء يفجّر موجة غضب في وجه الحوثيين

سياسيون وصفوا القرار بـ«الداعشي» والطلبة يعلنون الإضراب

مبنى كلية الإعلام في جامعة صنعاء (تويتر)
مبنى كلية الإعلام في جامعة صنعاء (تويتر)
TT

فصل الجنسين في جامعة صنعاء يفجّر موجة غضب في وجه الحوثيين

مبنى كلية الإعلام في جامعة صنعاء (تويتر)
مبنى كلية الإعلام في جامعة صنعاء (تويتر)

أثار قرار فصل الذكور عن الإناث في كلية الإعلام بجامعة صنعاء موجة غضب في الأوساط اليمنية، بما في ذلك الناشطون والسياسيون الموالون للجماعة الحوثية، حيث وصفوا القرار بـ«الداعشي» وعدّوه ردة عن قيم الحرية والمساواة التي كافح من أجلها اليمنيون على مدى عقود.

وفي حين كانت شخصيات حوثية تعلن عن نوايا للتراجع عن القرار؛ صدر إعلان عن بدء تنفيذه في كلية الآداب، وأيّدته قيادات عليا، وكشفت مصادر عن وجود تنافس بين عناصر أكاديمية حوثية لإرضاء القيادات العليا.

وأفادت مصادر أكاديمية في جامعة صنعاء، بأن من المحتمل أن تكون الاعتراضات التي أبداها قادة وناشطون حوثيون على القرار مفتعلة، من أجل قياس ردة الفعل لدى المجتمع وداخل الجامعات، ثم تمرير القرار على بقية الكليات والجامعات بعد انتهاء الجدل.

فبعد أن قرر قادة حوثيون يسيطرون على كلية الإعلام، الأسبوع الماضي، تخصيص الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع للطلاب الذكور، والأيام الثلاثة التالية للإناث، وأن يتم دمج طلاب التعليم الموازي من الفئتين مع نظرائهم لتخفيف الأعباء، أعلن الانقلابيون بدء تنفيذ القرار في كلية الآداب الأحد الماضي.

قرار حوثي بتقسيم أيام الأسبوع بين طلاب وطالبات كلية الإعلام في جامعة صنعاء منعاً للاختلاط (تويتر)

وخلال الأيام الماضية أعلنت قيادات حوثية عن نوايا لإلغاء القرار والتراجع عنه، بعد أن أثار الكثير من النقد والجدل والسخرية حتى داخل أوساط الميليشيات؛ برغم أنه حظي بتأييد قيادات عليا، في حين أعلن الطلاب والطالبات الإضراب عن الدراسة احتجاجاً على القرار الذي عدّوه عنصرياً ويضيف عليهم الكثير من الأعباء.

تنافس على المناصب

وفسّرت مصادر في جامعة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» قرار الفصل بأنه جاء في إطار احتدام التنافس بين عدد من القيادات الحوثية على عدد من المناصب في سياق نوايا قيادات الانقلاب الحوثي إجراء تعديلات في عدد من المناصب في الجامعة، خصوصاً مناصب الرئيس ونوابه.

ووفقاً للمصادر، فإن قرار فصل الطلاب الذكور عن الطالبات في كلية الإعلام صدر باجتهاد شخصي من عمر داعر منتحل صفة عميد الكلية، في سياق مساعيه لإرضاء قيادات الجماعة والحصول على منصب رئيس الجامعة، بعد أن أمضى ست سنوات في منصبه الحالي.

وتضيف المصادر أن داعر الذي يتحدث مع قيادات الجماعة عن إنجازاته في الكلية، ويختم حديثه بالتشديد على أنه قد بذل جهوداً يستحق عليها منصب رئيس الجامعة؛ اتفق مع ما يسمى «ملتقى الطالب الجامعي» لإصدار القرار كخط رجعة بالنسبة له إذا تسبب في ردة فعل سلبية من قيادات الانقلاب.

وتؤكد المصادر بأن داعر على علم بمساعي القيادات العليا في الانقلاب الحوثي لإجراءات في هذا الشأن؛ إلا أنها لم تتفق على آلية تنفيذه، وأراد أن يكون سبّاقاً في اتخاذ القرار لإرضائها.

و«ملتقى الطالب الجامعي» هو كيان أشبه بجهاز أمني استحدثه الانقلابيون الحوثيون للرقابة على الجامعات العمومية وانضباط العمل والدراسة فيها وفق مشروع الانقلاب، وتم منحه صلاحيات غير قانونية تتجاوز صلاحيات رؤساء الجامعات ووزارة التعليم العالي.

عناصر المليشيات شرعوا في بناء جدران عازلة بين الطلاب والطالبات (منصات التواصل)

وبحسب المصادر، فإن عدداً من قيادات الانقلاب كانت تفكر بالطريقة التي يتم بها فصل الطلاب عن الطالبات، مشيرة إلى أن أساس الخلاف تركز حول التكاليف التي سيتطلبها أي قرار بهذا الشأن، فبعض القيادات ترى تخصيص قاعات وممرات داخل مباني الجامعة وأروقتها وفنائها للطلاب الذكور وأخرى للطالبات.

وجرى الاعتراض على هذا المقترح لعدم توفر القاعات الكافية والمعدات والتجهيزات من جهة، وعدم مقدرة المدرسين على تقديم المحاضرات بشكل متكرر في اليوم نفسه؛ ما أدى إلى ظهور مقترح آخر بتخصيص نصف أيام الأسبوع للطلاب الذكور والنصف الآخر للطالبات، والذي تم الاعتراض عليه أيضاً بسبب زيادة الأعباء واستهلاك طاقة المدرسين.

غير أن المقترح الأخير كان هو الأقرب للتنفيذ؛ لأنه يلقي بالأعباء على طاقم التدريس فقط، والذين لا يتقاضون رواتبهم منذ سنوات طويلة.

انتقادات من داخل الجماعة

في هذا الصدد، يؤكد عدد من طلاب جامعة صنعاء بأنهم كانوا على علم بنوايا الانقلابيين الحوثيين لإصدار مثل هذا القرار، وقال عدد منهم لـ«الشرق الأوسط»: إن مسؤولي الأمن والمخابرات في الجامعة أبلغوهم، خلال جلسات تحقيق معهم بسبب تبادلهم الأحاديث مع زميلات لهم بأنه سيتم منع الاختلاط خلال هذا العام.

وبقدر ما حظي قرار الفصل بين الطلاب الذكور والطالبات في كلية الإعلام بتأييد قادة حوثيين؛ فإن عدداً من الناشطين والإعلاميين الموالين للجماعة أبدوا رفضهم واستنكارهم لهذا القرار الذي وصفوه بالمسيء للطلاب والطالبات وعائلاتهم، وبأنه يشوّه صورة الجماعة الحوثية، ويؤكد التهم الموجهة لها بالتطرف.

ويتحدث محمد المقالح، الذي سبق وكان عضواً فيما يسمى «اللجنة الثورية»؛ عمّا وصفه بغبار الريف الذي يُحكم قبضته على المدينة ويتحكم بها، حيث قضايا نساء الريف غير قضايا نساء المدينة، في إشارة منه إلى أن القرار تقف خلفه القيادات والأجنحة الحوثية القادمة من مديريات محافظة صعدة. حيث معقل الجماعة الرئيسي.

قادة حوثيون يتجولون في جامعة صنعاء بزعم تطوير بنيتها التحتية (إعلام حوثي)

وخاطب المقالح القيادات الحوثية قائلاً: «ما يجري في صنعاء اليوم ليس قيم الدين، بل قيم الأمية والتخلف، وأنا شخصياً لم أعد أرى سوى وجوهاً انتهازية جديدة لم نكن نعرفها من قبل»، متهماً القيادات الحوثية بأنها ترفض العلم وتعليم البنات خصوصاً، ولم يكن موقفها من الاختلاط فحسب.

وخصصت صحيفة موالية للانقلابيين الحوثيين باسم «لاء» عدداً من صفحاتها لمهاجمة القرار وانتقاده بسخرية وتهكم، واتهام الجهة التي أصدرته بحذو نهج تنظيم «داعش» مُفرِدة مساحة لعدد من الناشطين لكتابة مقالات رافضة له.

وهاجمت الصحيفة حسين حازب، المُعين وزيراً للتعليم العالي في حكومة الميليشيات غير المعترف بها، بعد أن تحدث عن عدم معرفته بالقرار، وعدم اعتراضه عليه؛ «كونه يأتي ضمن ما قال إنه تخفيف أو منع لما يؤدي إلى رواج الحرب الناعمة، ولتعزيز الهوية الإيمانية».

شرعنة وتحايل

الوزير في حكومة الانقلاب حسين حازب عاد لينتقد القرار؛ لأنه يمنح خصوم الميليشيات الحوثية مادة، من دون تعب؛ في مجال ما يسميه «الحرب الناعمة»؛ لأن ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض حول ما حصل، حرب ناعمة شاملة بامتياز كما قال. واتسم تعليق حازب على القضية بالمراوغة والمواربة؛ ما يوحي بمحاولته إرضاء أطراف عدة في الميليشيات الحوثية.

بدوره، زعم محمد علي الحوثي ابن عم زعيم الميليشيات وعضو ما يعرف بالمجلس السياسي الأعلى، أن القرار يوافق رغبات الطالبات، مطالباً المعترضين عليه وعلى رغبة بناتهم من أولياء الأمور أن يتقدموا بطلب إلى رئاسة جامعة صنعاء لاستمرار الاختلاط، حتى تتحقق الأغلبية لهم ليتم العودة إلى الوضع السابق قبل القرار.

ووجّه الحوثي بأن يتم العمل من أجل الاستثناء في هذا القرار بإعداد استمارة لأولياء أمور الطالبات يوقّعون فيها على طلب الاختلاط وتحديد قاعة للدراسة، وأن يحدد الأب من يحق له من الطلاب الذكور الاختلاط بابنته، كي يتم إخلاء مسؤولية الميليشيات مما سيحدث خلال الدراسة المختلطة.

ولجأت الميليشيات خلال اليومين الماضيين إلى الزعم، عبر وسائل إعلامهم، بصدور دراسات علمية غربية استنتجت حدوث آثار مدمرة للاختلاط في الجامعات، حيث يقتل الطموح والإبداع ويقضي على الذكاء، وزعمت أن جامعة هارفارد الأميركية تحولت إلى بؤرة للاغتصاب بسبب الاختلاط.


مقالات ذات صلة

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العالم العربي العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم.

عبد الهادي حبتور (المكلا ) علي ربيع (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

اليمن يدخل مرحلة حاسمة لاستعادة الدولة وحصر السلاح بيدها، والعليمي يؤكد السعي لتوحيد القوات، ويصف حل «الانتقالي» بالقرار الشجاع والمسؤول.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

دخل اليمن مرحلة الحسم مع إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا وتوحيد القرار الأمني، في رسالة ردع للحوثيين وتحول من إدارة الأزمة إلى استعادة الدولة سلماً أو حرباً.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

ذكرت السفارة الأميركية في اليمن الأحد أن السفير ستيفن فاغن عبّر عن دعمه لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية وذلك خلال اجتماع مع المحرّمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون مستمرون في أعمال الحشد والتعبئة العسكرية في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

الحوثيون يستغلّون الأحداث جنوباً لمهاجمة مساعي الاستقرار

يهاجم الحوثيون مساعي استعادة الاستقرار جنوب اليمن، عبر حملات تحريض وتضليل، مستغلين الأحداث لإرباك المشهد، لأن أي هدوء يُهدد مشروعهم القائم على الفوضى والانقسام.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».