«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

نزال العصر بين «كورونا المستجد» والإنسان

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة
TT

«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة

كان مولوداً فيروسياً صغيراً في غرفة الحضانة الرئوية، لم تهنأ به والدته أبدا، كل ما يحدث في الجوار هو هزات قوية من السعال المتواصل الذي كان يضرب أرجاء الرئة في محاولات للتخلص من كل المواليد الجدد. الكحة الأولى أوصلته إلى القصبة الهوائية، الكحة الثانية أوصلته إلى الحنجرة، أما الكحة الثالثة فقد كانت كفيلة بخروجه من الفم محملاً برذاذ الإفرازات التنفسية.
ينطلق سريعاً في التيار الهوائي المضطرب محاولا ركوب أي موجه هوائية تضمن له البقاء عالقاً في الجو ومتشبثاً بالجزيئات الفيروسية الأخرى من حوله، كلهم في ذرة الرذاذ يستنجدون ويترقبون أي إنسان عابر يستنشقهم من جحيم المطبات الهوائية المضطرب إلى نعيم الجيوب الأنفية الرطب.
-- انتصار التيجان
بعد هذه الرحلة، استقرت ذرة الرذاذ المحملة بالفيروسات في الجيب الأنفي رقم ثمانية هناك تحت البطانة الرطبة، نزل الجميع ليطمئنوا أن الهبوط لم يكن على مقبض أحد الأبواب ولكنها كانت غارة ناجحة على جسم جديد، اختبأ الجميع خلف أهداب الغشاء المخاطي واطمأنوا أنهم بخير، فأعادوا ترتيب الصفوف وانقسموا إلى ثلاث مجموعات: في المجموعة الأولى انطلقت «التيجان الذهبية» بقوة واندفاع لتستقر على لسان المزمار ولكنها ذهبت مع البلعوم إلى المعدة لتلقى حتفها في العصارة المعوية.
وفي المجموعة الثانية كانت «التيجان الفضية» أكثر ترتيباً وانتظاماً وانطلقت نحو اللوزتين، حيث السطح الدافئ الرطب، ولكن عطسة لم تكن بالحسبان طردتها من الجسم، أما المجموعة الثالثة فكانت تضم «التيجان النحاسية» الأكثر عدداً والأكثر ترقباً، فقررت الانطلاق مع أول عملية شهيق وشقت طريقها بنجاح إلى الممرات المتفرعة للرئتين لتستقر عميقاً هناك في الحويصلات الهوائية.
تعالوا نروي قصة هذا المولود، فيروس «كورونا» المسمى بالفيروس التاجي لوجود خُطّافات بروتينية على سطحه التي تعطيه شكل التاج وتعمل على تشبثه في خلايا الحويصلات الهوائية، وهو ما يحدث في دورة حياة هذا الفيروس، إذ سرعان ما ترسو ملايين التيجان متشبثة على سطح الخلايا، لتفرغ مادتها الوراثية داخل ملايين الخلايا، ويختطف الفيروس كل الإمكانات المادية في الخلية، ليستخدمها بكل قوة ليتكاثر ويكوّن مئات الملايين من النسخ الفيروسية.
نحن في اليوم الخامس من التقاط العدوى، تتكاثر الفيروسات وتتضاعف ملايين المرات داخل خلايا الرئة، وعندما يصل العدد إلى حد الاكتظاظ لم يعد غشاء الخلية قادراً على تحمل المزيد من الألم، لتنفجر الخلية التنفسية مخلفة دماراً هائلاَ في الجوار، وفي تلك اللحظة تتسرب جزيئات الفيروس الوليدة لتنتشر في المخاط الذي يغطي الأنسجة ثم تغزو مجموعات جديدة من الخلايا لتتضاعف أكثر وأكثر.
-- معركة مناعية
خلّف ذلك الانفجار استثارة التهابية في الجوار كانت على أنواع ثلاثة من الشظايا المناعية (الاستجابة المناعية):
- الشظية الأولى، كانت تحمل تحذيراً لمركز ضبط الحرارة في الدماغ وترفعها، معلنة حالة الطوارئ القصوى في الجسم ومنذرة عن وجود جسم غريب (الحمى أولى علامات المرض).
- الشظية المناعية الثانية لم تسقط بعيداً ولكنها وقعت في الشعيرات الدموية المحيطة بالحويصلات وبدأت تلك الأخيرة بسحب كميات كبيرة من سوائل الدم إلى منطقة الالتهاب، ليرتفع الضغط في المنطقة ويتسبب في انفجار أعداد أخرى من الحويصلات فتتعطل وظيفتها التنفسية ويبدأ السعال الجاف (ثاني الأعراض).
- الشظايا المناعية الثالثة اعتقلت مجموعة من الرهائن الفيروسية وانطلقت بها سريعا إلى غرف الاستجواب والتحقيق هناك في الجهاز المناعي، وعندما يصل الأسرى إلى مركز التحكم، يستجيب الجهاز المناعي على الفور بإرسال جنود من قوات الطوارئ العشوائية من كريات الدم البيضاء إلى موقع الالتهاب ويعلن عن بدء معركة مجهرية ضد الفيروس، وعندما ينفضح أمر الفيروس مع وصول الدفعات الأولى من القوات العشوائية، يقوم الفيروس بحيلة ذكية بتجنيد القوات العشوائية في معسكره!
يبادر الفيروس بالهجوم ويغرز في أسطح هؤلاء الجنود أسهماً من بروتيناته فتنقلب المعركة إلى (مناعية - مناعية) بدلاً من (فيروسية - مناعية) ثم تحدث عاصفة من السيتوكينات التي تتسبب بموت الملايين من الخلايا البريئة (هنا تبدأ أعراض الأزمة التنفسية الحادة)، تستمر الفوضى لمدة خمسة أيام من الحمى العنيفة والعطاس المستمر، وسيلان الأنف وصعوبة التنفس والإعياء الشديد والشعور بالألم والسعال الجاف الذي يضرب في كل ناحية.
في تلك الأثناء، تنجح عمليات الاستجواب في الغرف المظلمة من مركز التحكم المناعي ويعترف الفيروس بتسلسله الجيني كاملاً، سرعان ما يقوم الجهاز المناعي بتمزيق الفيروس وتحميل قطع منه على ظهر (الأجسام المضادة)، هذه القطع تعمل كالرادار الموجه الذي يطلق رصاص الأجسام المضادة مباشرة إلى فيروسات كورونا تحديداً ولا يمكن أن يخطئها.
في اليوم الخامس من المرض، يبدأ الجهاز المناعي بتجهيز خطوط إنتاج خمسة لتصنيع الأجسام المضادة وإرسال أعداد غفيرة من هؤلاء الجنود الانتحاريين إلى أرض المعركة هناك في الرئة، وهنا تبدأ مرحلة التعافي بعد عشرة أيام من ذلك الهبوط المشؤوم في الجيوب الأنفية.
-- سلاح مضاد
أهم خطوط الإنتاج في المصانع المناعية هو سلاح الأجسام المضادة IgM وهو الجسم الخماسي الذي يستطيع الالتصاق بخمسة فيروسات في آن واحد ثم يطلق حزامه الناسف ليلقى حتفه مع الفيروسات الخمسة، ويتعرض للالتهام من قبل كريات الدم البيضاء و«البكتريوفيج» (ملتهمات البكتريا). ولأنه أول الأجسام المضادة إنتاجاً فإنه يقاتل في المعركة لمدة خمسة أيام من مرحلة التعافي وعند فحص الدم فإنه في النتائج المخبرية يعطينا الدلالة أن الإصابة بالفيروس حديثة. أما السلاح الثاني فهو الجسم المضاد IgG الثنائي (له رأسان ومحدد التصويب) ويستمر الجسم في تصنيعه لمدة ثلاثة أسابيع ويدل على الإصابة القديمة في الفحوصات المخبرية.
في مئتين من مرضى كورونا المستجد رصد ظهور الأجسام المضادة IgM بعد خمسة أيام وكان ظهور الأجسام المضادة IgG بعد أربعة عشر يوما من بداية ظهور الأعراض، أي أن الجهاز المناعي يتمكن في خمسة أيام من تصنيع الأجسام المضادة، أما في مختبرات الأبحاث فيتطلب الأمر خمسة أشهر من التجارب المضنية للوصول لنموذج مبدئي من اللقاح الذي من الممكن أن يكون واعدا للدخول في التجارب السريرية.
في اليوم الخامس عشر من الإصابة، يعلن الفيروس الاستسلام وتنتهي معركة قاسية مع الفيروس بانتصار ترسانة الدفاعات المناعية على الفيروس الكوروني الدخيل بعد أن خلّف آثارا من سوائل الرئة والصديد والالتهاب الحاد، ويرفع بعد ذلك الجهاز المناعي حالة الطوارئ ويطلق رايات النصر وأهازيج الاحتفال، ويرسل نسخاً من طريقة تصنيع الأجسام المضادة إلى سجل الأمراض المعدية هناك في الذاكرة المناعية، إذ لا ندري فلربما عاود الفيروس الكرّة في المستقبل القريب، حينها سيكون انقضاض الأجسام المضادة عليه في ثوانٍ وليس في أيام.
أخيرا، ما زالت الدراسات قائمة على كورونا المستجد لمعرفة ما إن كانت حماية الأجسام المضادة محدودة بوقت العدوى فقط، أم أنها ستدوم لسنوات، أم أن المناعة ستكون مدى الحياة؟
- باحث سعودي في علم الفيروسات


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
TT

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة مباشرةً إلى مشروبك، بحسب موقع «ساينس أليرت».

وقال الموقع إن العالم يستهلك ما يُقدّر بـ500 مليار كوب سنوياً، وتناولت دراسة نُشرت في مجلة «المواد الخطرة»، تأثير البلاستيك في الأكواب عند تسخينها، وخلصت إلى أن الحرارة عامل رئيسي في إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، ومادة صنع كوبك لها تأثير أكبر مما تتصور.

ما الجزيئات البلاستيكية الدقيقة؟

هي شظايا بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد وخمسة ملليمترات تقريباً؛ أي ما يعادل حجم ذرة غبار إلى حجم حبة سمسم.

أكواب قهوة (رويترز)

وتتكون هذه الجزيئات عند تحلل المواد البلاستيكية الكبيرة، أو قد تنطلق مباشرةً من المنتجات في أثناء الاستخدام العادي، وينتهي بها المطاف في بيئتنا، وغذائنا، وفي نهاية المطاف، أجسامنا.

وحالياً، لا نملك أدلة قاطعة حول كمية هذه الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تبقى في أجسامنا.

والدراسات في هذا المجال عرضة للتلوث، ومن الصعب جداً قياس مستويات هذه الجزيئات الدقيقة في أنسجة الجسم بدقة.

ولا يزال العلماء يدرسون تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحة الإنسان على المدى البعيد، وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من الأبحاث، ولكن في الوقت الراهن، من الجيد أن نكون على دراية بمصادر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المحتملة في حياتنا اليومية.

وتُعدّ درجة الحرارة عاملاً مهماً، بحسب الدراسة التي قامت بتحليل بيانات من 30 دراسة، على أنواع البلاستيك الشائعة، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، في ظل ظروف مختلفة، وبرز عامل واحد فوق جميع العوامل الأخرى: درجة الحرارة.

أكواب القهوة

مع ارتفاع درجة حرارة السائل داخل الوعاء، يزداد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة عموماً.

وفي تلك الدراسات، تراوحت كميات الجزيئات المُطلقة من بضع مئات إلى أكثر من 8 ملايين جزيء لكل لتر، وذلك تبعاً للمادة المستخدمة وتصميم الدراسة.

ومن المثير للاهتمام أن «مدة النقع» - أي المدة التي يبقى فيها المشروب في الكوب - لم تكن عاملاً ثابتاً، ويشير هذا إلى أن ترك مشروبنا في كوب بلاستيكي لفترة طويلة ليس بنفس أهمية درجة حرارة السائل عند ملامسته للبلاستيك.

اختبار 400 كوب قهوة

وأوضح الفريق الذي قام بالدراسة أنه جمع 400 كوب قهوة: أكواب بلاستيكية مصنوعة من البولي إيثيلين، وأكواب ورقية مبطنة بالبلاستيك، تبدو كالورق ولكنها تحتوي على طبقة بلاستيكية رقيقة من الداخل.

وأجريت الاختبارات على الأكواب عند درجة حرارة 5 درجات مئوية (درجة حرارة القهوة المثلجة) و60 درجة مئوية (درجة حرارة القهوة الساخنة). وبينما أطلق كلا النوعين جزيئات بلاستيكية دقيقة، كشفت النتائج عن اتجاهين رئيسيين.

أولاً، للمادة المصنوعة منها الكوب أهمية، فقد أطلقت الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك كمية أقل من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة مقارنةً بالأكواب البلاستيكية بالكامل عند كلتا درجتي الحرارة.

ثانياً، الحرارة تُحفز إطلاق كميات كبيرة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، فبالنسبة للأكواب البلاستيكية بالكامل، أدى الانتقال من الماء البارد إلى الماء الساخن إلى زيادة إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بنسبة 33 في المائة تقريباً.

وإذا شرب شخص ما 300 ملليلتر من القهوة يومياً في كوب مصنوع من البولي إيثيلين، فقد يبتلع 363 ألف قطعة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة سنوياً.

كوب قهوة (بيكساباي)

لماذا تُعدّ الحرارة مهمةً للغاية؟

باستخدام التصوير عالي الدقة، فحصت الجدران الداخلية لهذه الأكواب، ووجد أن الأكواب البلاستيكية بالكامل تتميز بأسطح أكثر خشونة - مليئة بالنتوءات والانخفاضات - مقارنةً بالأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك.

وهذا الملمس الخشن يُسهّل تفتت الجزيئات، وتُسرّع الحرارة هذه العملية بتليين البلاستيك وتسببه في تمدده وانكماشه، مما يُؤدي إلى زيادة عدم انتظام السطح الذي يتفتت في النهاية إلى مشروبنا.

ووفقاً للدراسة، لسنا مضطرين للتخلي عن عادة شراء المشروبات الجاهزة صباحاً، ولكن يُمكننا تغيير طريقة تناولها، بالنسبة للمشروبات الساخنة، يُعدّ استخدام كوب قابل لإعادة الاستخدام مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ أو السيراميك أو الزجاج الخيار الأمثل؛ لأن هذه المواد لا تُطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة.

وإذا اضطررنا لاستخدام كوب للاستخدام لمرة واحدة، فتُشير أبحاثنا إلى أن الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك تُطلق عموماً جزيئات أقل من الأكواب البلاستيكية الخالصة، مع العلم أن كليهما لا يخلو من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.


«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
TT

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

ويُعتبر التحول من «إنقاص الوزن البسيط» إلى أدوية «متعددة الأنظمة» أهم هذه التغييرات.

وتتواصل التطورات الكبيرة في مجال إنقاص الوزن في العام الجديد، وذلك في أعقاب الأبحاث الرائدة حول أدوية GLP-1 التي تستعمل لفقدان الوزن وغيرها.

وتحدث خبراء إنقاص الوزن حول توقعاتهم لأهم التغييرات المتوقعة:

أدوية السمنة تُستخدم لمساعدة الأشخاص على فقدان الوزن الزائد (جامعة هارفارد)

1- التحول إلى علاج شامل للجسم

أوضح الدكتور بيتر بالاز، اختصاصي الهرمونات وإنقاص الوزن في نيويورك ونيوجيرسي، أن أهم تغيير هو على الأرجح تصنيف أدوية GLP-1 على أنها «معدلات أيضية متعددة الأنظمة» بدلاً من «أدوية إنقاص الوزن البسيطة».

وقال: «لم يعد الهدف من العلاج يقتصر على خفض مؤشر كتلة الجسم، بل يشمل الحدّ من المخاطر الأيضية القلبية الوعائية الشاملة، مع توثيق آثارها على الكبد والقلب والكلى والأوعية الدموية».

وأضاف: «نشهد انخفاضاً ملحوظاً في المضاعفات القلبية الوعائية الخطيرة وتطور أمراض الكلى».

ووفقاً لتوقعات الخبراء، سيتسع نطاق استخدام أدوية GLP-1 ليشمل مجالات أخرى غير إنقاص الوزن وعلاج السكري.

كما أشار الدكتور فيليب رابيتو، المتخصص في الغدد الصماء وإنقاص الوزن والصحة العامة في مدينة نيويورك، إلى أن هناك تطورات «واعدة» تنتظر أدوية إنقاص الوزن، بما في ذلك GLP-1 وGIP.

وأضاف: «تُظهر هذه الأدوية من الجيل الجديد، إلى جانب التركيبات المبتكرة التي تشمل الجلوكاجون ومحفزات الأميلين، نتائج مبهرة في إنقاص الوزن تفوق العلاجات المتاحة حالياً، مع إمكانية تحمل أفضل ونتائج مستدامة».

وتابع: «هناك أيضاً تفاؤل كبير بشأن الاتفاقيات الفيدرالية الجديدة مع الشركات المصنعة التي تهدف إلى جعل هذه الأدوية متاحة على نطاق أوسع وبأسعار معقولة لشريحة واسعة من المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

2- جرعات أكثر ملاءمة

ذكر بالاز أنه عادةً ما تُعطى أدوية GLP-1 عن طريق الحقن أسبوعياً، ولكن من المتوقع أن تتغير طرق الإعطاء والجرعات إلى طرق أكثر ملاءمة بحلول عام 2026.

وأصبح دواء Wegovy، وهو مصمم لعلاج السمنة، متوفراً الآن على شكل أقراص بجرعة 25 ملغ يومياً، وهو مُعتمد لإدارة الوزن المزمنة، مما يوفر خياراً غير حقني لبعض المرضى.

وأشار بالاز إلى أن دواء GLP-1 الفموي الذي يُؤخذ مرة واحدة أسبوعياً يخضع حالياً للمرحلة الثانية من التجارب السريرية، بالإضافة إلى إمكانية دراسة إعطائه عبر الحقن بهدف استمرار فاعلية جرعة الدواء لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

3- جراحة أقل توغلاً

بالإضافة إلى انخفاض المخاطر أثناء الجراحة لمستخدمي GLP-1، توقع بالاز أيضاً أن تصبح جراحة التمثيل الغذائي غير الجراحية خياراً أفضل.

وقال: «قد تصبح الإجراءات التنظيرية غير الجراحية -مثل تكميم المعدة بالمنظار، وهو إجراء غير جراحي لإنقاص الوزن يُصغّر حجم المعدة من الداخل، وإعادة بناء الغشاء المخاطي للاثني عشر وهو إجراء غير جراحي يُعيد ضبط جزء من الأمعاء الدقيقة لمساعدة الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل أفضل- أكثر فاعلية وانتشاراً».

وأضاف: «توفر هذه الإجراءات فوائد أيضية كبيرة مع فترة نقاهة أقصر ومخاطر أقل من الجراحة التقليدية».

واتفق رابيتو على أن «التقدم السريع» في إجراءات إنقاص الوزن طفيفة التوغل «يفتح خيارات جديدة فعّالة للمرضى المترددين في الخضوع لجراحة السمنة التقليدية».

وذكر الخبير أن هذا الخيار يوفر «إنقاصاً حقيقياً ومستداماً للوزن مع مخاطر أقل، وفترات نقاهة أقصر، ودون الحاجة إلى شقوق جراحية خارجية».

وأكد الدكتور محمد غانم، جراح السمنة في معهد أورلاندو هيلث لجراحة إنقاص الوزن وعلاج السمنة، أن الجراحة لا تزال «الطريقة الأكثر نجاحاً لعلاج السمنة... مع أعلى معدلات فقدان الوزن وأكثر النتائج استدامة حتى الآن».

4- مستخدمو GLP-1 الأصغر سناً

بما أن دواء Wegovy مُعتمد لعلاج السمنة لدى المراهقين فوق سن 12 عاماً، ذكر بالاز أن استخدام أدوية إنقاص الوزن لدى الأطفال «أصبح واقعاً» وتوقع أن تتم الموافقة على بدائل أخرى في عام 2026 للمستخدمين الأصغر سناً.

يسهم الاكتشاف الجديد في فهم أمراض السمنة والاضطرابات النفسية (جامعة غرانادا)

5- إنقاص الوزن المدعوم بالذكاء الاصطناعي

في ظل نمو الذكاء الاصطناعي، توقع بالاز توسعاً في التطبيق السريري لأساليب إنقاص الوزن المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن هذا قد يشمل تصنيف السمنة إلى أنواع فرعية مثل «العقل المتعطش» و«الجوع العاطفي» و«الاحتراق البطيء»، وذلك لتخصيص العلاج وتجاوز أسلوب «التجربة والخطأ»، واتفق غانم مع ذلك الطرح، وذكر أنه من المرجح أن يكون هناك «تغيير كبير».

وسيركز البحث العلمي في عام 2026 على إجراء فحوصات فردية لتحديد أسباب السمنة، نظراً لتعدد أسبابها واختلافها من شخص لآخر، مما يستدعي علاجات مختلفة.

ويتوقع أن يلجأ المزيد من المرضى إلى الجمع بين العلاجات والبرامج الشاملة.

وقال غانم: «أصبح المرضى أكثر وعياً بتوفر خيارات علاجية متعددة لمكافحة السمنة، وهم يبحثون عن نهج شامل ومتعدد التخصصات».

وتوقع بالاز أن خيارات العلاج ستتحول أيضاً إلى الحلول الرقمية مع ازدياد استخدام العلاجات الرقمية الموصوفة لإنقاص الوزن.

وأضاف: «هذه تطبيقات برمجية تُقدم العلاج السلوكي المعرفي، والتغذية الشخصية، والتدريب الأيضي من خلال خوارزميات، وغالباً ما تكون مُدمجة مع أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة، ويتم تعويضها كعلاجات طبية».


ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
TT

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)

كشفت دراسة جديدة، أجراها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت الأميركية، أن من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» يتمتعون بميزتين جينيتين رئيسيتين على الأقل.

استخدمت الدراسة التي نُشرت، الجمعة، في مجلة «ألزهايمر والخرف»، بيانات من مشروع تسلسل جينوم مرض ألزهايمر (ADSP-PHC). وشملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات أميركية وطنية لدراسة الشيخوخة.

وتتبعت الدراسة التى تعد الأكبر حتى الآن، زوجاً من الجينات، يزيد أحدهما، والذي يحمل اسم «APOE-ε4»، من الخطر الوراثي للإصابة بمرض ألزهايمر. في حين يُعتقد أن متغيراً آخر من نفس الجين، وهو «APOE-ε2»، يُوفر حماية ضد المرض.

قام الباحثون بقياس مدى انتشار المتغيرين الجينيين لدى من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» - وهم الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً أو أكثر، والذين تُضاهي وظائفهم الإدراكية وظائف أشخاص أصغر منهم بعشرين أو ثلاثين عاماً.

وأظهرت النتائج أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية أقل عرضة بنسبة 68 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، وهو الجين الذي لا يرغب فيه أحد، مقارنةً بالأفراد المصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها، كما أنهم كانوا أقل عرضة بنسبة 19 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، مقارنةً بالمشاركين ذوي القدرات الإدراكية الطبيعية من نفس الفئة العمرية.

قالت الدكتورة ليزلي جاينور، الأستاذة المساعدة في قسم طب الشيخوخة، والتي قادت الدراسة بالتعاون مع الدكتورة ألينا دورانت، محللة الإحصاء الجيني في مركز فاندربيلت للذاكرة وألزهايمر: «كانت هذه النتيجة هي الأبرز في دراستنا».

وأضافت في بيان، الجمعة: «تشير دراستنا إلى إمكانية استخدام نمط كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية لتحديد سمات فئة كبار السن ممن لديهم خطر وراثي منخفض للإصابة بألزهايمر».

وكانت الدراسة قد وجدت أيضاً أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الفائقة لديهم تردد أعلى للمتغير الجيني المرغوب «APOE-ε2»؛ إذ تزيد احتمالية حملهم لهذا المتغير بنسبة 28 في المائة، مقارنةً بالأفراد الأصحاء إدراكياً ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر، وبنسبة 103 في المائة، مقارنةً بالمشاركين المصابين بألزهايمر ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر.

ويُتوقع أن تُسهم هذه النتائج في استمرار الاهتمام بدراسة كيفية تأثير هذه المتغيرات الجينية على تطور الخرف الناتج عن ألزهايمر، وكذلك على ظاهرة الشيخوخة الفائقة بشكلٍ عام.

وهو ما تشدد عليه جاينور، قائلة: «مع تزايد الاهتمام بظاهرة الشيخوخة الفائقة، تُعزز نتائجنا بشكلٍ ملحوظ الرأي القائل إن هذه الظاهرة ستكون مفيدة في البحث المستمر عن آليات تُكسب بعض الأفراد مقاومةً لمرض ألزهايمر».