إلياس الفخفاخ «فتى ذهبي» جديد... على رأس حكومة تونس

ثامن رئيس وزراء منذ الإطاحة ببن علي

إلياس الفخفاخ «فتى ذهبي» جديد... على رأس حكومة تونس
TT

إلياس الفخفاخ «فتى ذهبي» جديد... على رأس حكومة تونس

إلياس الفخفاخ «فتى ذهبي» جديد... على رأس حكومة تونس

تسلّم إلياس الفخفاخ وزير السياحة والمالية التونسي السابق والقيادي الاشتراكي الديمقراطي، رسمياً رئاسة حكومة تونس ما بعد انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وهكذا، حسم لصالحه ولصالح حليفه الرئيس قيس سعيّد أزمة سياسية ارتفعت حرارتها خلال الأسابيع الماضية، وأوشكت أن تؤدي إلى حل البرلمان والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة.
يصف البعض الفخفاخ بـ«الفتى الذهبي» الجديد، ويشبهونه بسلفه يوسف الشاهد - الذي تولى رئاسة الحكومة بين أغسطس (آب) 2016 وفبراير (شباط) 2020 - ورئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة (خلال 2014) وبمجموعة من كبار المسؤولين التونسيين الذين دخلوا الساحة السياسية بعد سقوط حكم زين العابدين بن علي في مطلع عام 2011، الذين باتوا يعرفون بـ«الفتيان الذهبيين».
لم يفز إلياس الفخفاخ وحزبه اليساري المعتدل «التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات» في انتخابات سبتمبر (أيلول) الماضيين، إلا أنه فاز بمنصب رئيس الحكومة الذي يحتكر نحو 70 في المائة من السلطات التنفيذية في الدستور التونسي. أما السبب فهو أن الرئيس قيس سعيّد وصديقه القديم يوسف الشاهد، رئيس الحكومة المنتهية ولايته، وبعض المعارضين السابقين رشّحوه. وبناءً عليه، وصفه معلّقون بـ«الفتى الذهبي» وهذا لقب تطلقه الصحافة الرياضية الإيطالية سنوياً على أحسن لاعب كرة قدم، بصرف النظر عن نتائج ناديه في الملاعب.
في الوقت نفسه، يصف بعض النقابيين والسياسيين المعارضين هؤلاء «الفتيان الذهبيين» بـ«رجال فرنسا»، أو «حزب فرنسا»، مشيرين إلى أن معظمهم درسوا في الجامعات الفرنسية وتحمّلوا مسؤوليات على رأس مؤسسات اقتصادية فرنسية أو أوروبية، ولم يُعرَف لهم أي دور سياسي وحقوقي معارض لحكم الرئيس زين العابدين بن علي قبل احتجاجات أواخر 2010 ومطلع 2011.
في أي حال، يتميز الفخفاخ بصداقاته الكثيرة في باريس والعواصم الغربية لأسباب كثيرة، من بينها عضوية حزبه منذ عقدين للمنظمة السياسية الدولية في «الدولية الاشتراكية» التي تضم في عضويتها 160 من الأحزاب السياسية ذات التوجه «الديمقراطي الاجتماعي» أو «الاشتراكي» أو «العمالي»، من بينها الحزب الاشتراكي الفرنسي.

بطاقة هوية
إلياس الفخفاخ من مواليد 1972 في تونس، حيث تلقى تعليمه. وحصل على شهادة مهندس في الميكانيك وإدارة الأعمال من الجامعة التونسية عام 1995، ثم انتقل إلى فرنسا، وهناك حصل على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من مدرسة «إينسا» الجامعية بمدينة ليون، على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة الإيسون بضواحي العاصمة الفرنسية. ولم يعد من فرنسا إلا عام 2006 وذلك بعدما حصل على جواز سفر فرنسي.
وباشر الفخفاخ حياته المهنية في فرنسا مدير مشروع في البحث والتطوير بشركة متخصصة في تصنيع المطاط متصلة بميادين صناعة السيارات والطيران. ثم عين مسؤولاً عن تطوير عمليات التصنيع في الكثير من مصانع المجموعة، كما تحمّل مسؤولية إدارة مشروع شامل لتقليص تكلفة الإنتاج في 45 مصنعاً في جميع أنحاء العالم.
وعلى الأثر، تولى منصب مدير الإنتاج في الفرع البولندي للمجموعة الفرنسية الدولية نفسها، ونجح في وضع خطة لتحسين الأداء ومضاعفة الطاقة الإنتاجية للشركة في غضون سنتين.

العودة إلى تونس
بعد العودة إلى تونس عام 2006، أشرف إلياس الفخفاخ على فروع لمؤسسات فرنسية دولية وعين مديراً عاماً لشركة «كورتيل» المتخصصة في صناعة مكوّنات السيارات. وبعد الدمج بين الشركة الفرنسية ونظيرتها الإسبانية «فونفيرا» عيّن الفخفاخ للمؤسسة الجديدة.
هذا المشوار المهني مع الشركات الأوروبية مكّن الفخفاخ من التمتع بدعم فرنسي غربي وجعل منه «الفتى الذهبي» الجديد، مثلما سبق أن حصل لسلفه مهدي جمعة الذي عين وزيراً للصناعة عام 2013 ثم رئيساً للحكومة في 2014 بفضل مشواره في شركات فرنسية ألمانية، ولاحقاً، لصديقه يوسف الشاهد بعد مشوار فني مع مؤسسات أوروبية وأميركية.
والشيء الثابت، أن الورقة الفرنسية والدولية أسهمت في ترجيح كفة رئيس الحكومة الجديد من بين 8 من الشخصيات التي اقترحتها الأحزاب على الرئيس سعيّد، في أعقاب إخفاق الحبيب الجملي، مرشح حزب «حركة النهضة»، في الحصول على ثقة البرلمان بعد شهرين كاملين من المفاوضات.
وزير سابق وصديق لـ«النهضة»
لقد تميّز خطاب إلياس الفخفاخ إعلامياً وسياسيا خلال الحملة الانتخابية الرئاسية والبرلمانية لشهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين رغم حداثة سن الحزب الذي رشحه، أي «التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات». ويعود الفضل لهذا الحزب اليساري المعتدل، الذي يتزعّمه رئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر والوزير اليساري خليل الزاوية، في دخول الفخفاخ إلى الحكومة ما بين أواخر 2011 و2014 وتولّيه حقيبة السياحة ثم حقيبة المالية في الحكومتين الائتلافيتين اللتين ترأسهما قياديا «حركة النهضة» حمادي الجبالي وعلي العريّض.
ولقد أورد الفخفاخ في الكلمة التي ألقاها خلال حفل تسلّمه مهامه من يوسف الشاهد أن علاقته بسلفه تعود إلى مرحلة دراسته وعمله في فرنسا قبل انفجار الثورات العربية. ومما قاله إنهما تحادثا بعد سقوط زين العابدين بن علي بيوم واحد، وناقشا فرضية دخولهما المعترك السياسي في تونس. وتابع قائلا إنهما اختلفا، إذ قرّر الفخفاخ دخول حزب «التكتل الديمقراطي» بعد جلسة عمل مع مصطفى بن جعفر، رئيسه وزعيمه التاريخي وحليف «النهضة»، بينما اختار الشاهد أن يؤسس حزباً جديداً مع عدد من رفاقه بينهم سليم العزابي الأمين العام الحالي لحزب «تحيا تونس» والمدير السابق لمكتب الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.
وهكذا، كانت النتيجة أن افترق «الصديقان» الفخفاخ والشاهد. الأول انحاز سياسيا إلى بن جعفر والرئيس السابق المنصف المرزوقي وبقية حلفاء «حركة النهضة» ما بين 2011 و2014 وأصبح وزيراً. والتحق الثاني بعدد من أعيان العاصمة تونس وبزعيم المعارضة - وقتها - الباجي قائد السبسي وحزبه «نداء تونس» فعيّن عام 2015 عضوا في حكومة الحبيب الصيد، ثم اختير رئيساً للحكومة «الائتلافية» منذ صيف 2016.
يومذاك، انتظم الفخفاخ وحزبه بالمعارضة «الديمقراطية الاجتماعية الحداثية» وتفرّغ لمؤسسة الدراسات والاستشارات الاقتصادية الدولية التي أسسها طوال 4 سنوات. إلا أنه بعد وفاة الرئيس السابق الراحل الباجي قائد السبسي عدّل ساعته مجدّداً سياسيا، وخاض السباق نحو قصري قرطاج (الرئاسي) والقصبة (الحكومي).

صديق النقابات ورجال الأعمال
كانت من بين مفاجآت كلمات موكب نقل السلطات من الشاهد إلى الفخفاخ على رأس الحكومة بحضور عدد كبير من كوادر الدولة والمجتمع المدني، أن تبادل الرئيسان السابق والتالي الورود. وأشاد الشاهد بخلفه في رسالة تدعو إلى تكريس «استمرارية الدولة». وفي الوقت الذي بدأ البعض يتحدث عن محاسبة الشاهد ووزرائه بتهم الفساد وسوء التصرف، قدم الفخفاخ تطمينات له وأثنى على إنجازات حكومته وجهودها لرفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
أيضاً، أعلن الفخفاخ تصميمه على «قيادة البلاد بحزم»، وسعيه الدؤوب لأن يكون رئيس «حكومة قوية تضمن الاستقرار السياسي وتواصل عملها حتى تنظيم الانتخابات البرلمانية القادمة» بعد 5 سنوات.
ومن جهة ثانية، سجل رئيس الحكومة الجديد أن من بين أسباب تراكم صعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تعاقب 7 رؤساء حكومة على قصر القصبة خلال فترة تقارب الـ8 سنوات. وحقاً، بدا الفخفاخ واثقا من تلقيه دعم قيادات نقابات العمال والصناعيين والتجار والفلاحين، باعتباره كان عضوا في الهيئة العلمية لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» ورجل أعمال في الوقت نفسه. وبالفعل، يلتقي الفخفاخ مع عدد من وزرائه في الفوز بصداقة كبار رجال الأعمال والقيادات النقابية في آن معاً، ما قد يمكّنهم من فرصة احتواء الاضطرابات الاجتماعية التي أرّقت الحكومات السابقة وأقضّت مضاجعها.

مرشح يوسف الشاهد

في هذه الأثناء، وصف عدد من وسائل الإعلام التونسية رئيس الوزراء الجديد بأنه «مرشح يوسف الشاهد»، لأن حزب الأخير «تحيا تونس» هو اقترحه على الرئيس سعيّد. ونوّه الشاهد في موكب تسليم مهام الحكومة الجديدة بخصال الفخفاخ، واعترف أمام الصحافيين والسياسيين الحاضرين أنه وحزبه كانا قد اقترحا على رئيس الدولة تكليف الفخفاخ بتشكيل الحكومة الجديدة. وللعلم، كان هذا الترشيح قد أثار جدلاً في صفوف معارضي الشاهد الذين أبدوا تخوّفهم من أن يكون ترشيحه جاء في نطاق «صفقة سريّة» بين الشاهد والفخفاخ من جهة وسعيّد من جهة ثانية.
إلا رئيس الدولة نفى بقوة خلال حوار تلفزيوني أن يكون خضع إلى ضغوط من أي شخصية أو جهة سياسية لترشيح الفخفاخ، بما في ذلك من قبل يوسف الشاهد. وأوضح سعيّد أنه اتخذ قراره بصفة مستقلة بعدما احتكم إلى ضميره، وأجرى تقييماً بينه وبين نفسه لمؤهلات كل المرشحين لرئاسة الحكومة.

نيران صديقة

مع هذا، ثمة مَن يشير إلى أن «النيران الصديقة» قد تؤرّق الفخفاخ، مثلما كشفته الجلسة العامة التي عقدها البرلمان للمصادقة على حكومته، وتداول خلالها على الكلام نحو 170 نائباً. ومع أن الحكومة الجديدة فازت بثقة 129 نائبا ولم يعترض عليها إلا 77 فإنها تعرّضت طوال 17 ساعة إلى «قصف لفظي» عنيف من نوّاب المعارضة، بل وحتى من نوّاب الكتل التي منحته ثقتها.
لقد كشفت جلسة منح الثقة أن «النيران الصديقة»، وليس فقط قيادات ورموز «النظام القديم»، ستهدد رئيس الوزراء الجديد وحكومته داخل البرلمان وخارجه. وتبين أن الانتقادات العنيفة الموجهة إلى الفخفاخ صدرت عن الكتل البرلمانية التي صوّتت لمصلحته، على رأسها نواب أحزاب «حركة النهضة» بزعامة راشد الغنوشي، و«الشعب القومي» العروبي بزعامة زهير المغزاوي، و«التيار الديمقراطي» اليساري بزعامة محمد عبو وغازي الشواشي وحزب «تحيا تونس» بزعامة الشاهد. ولقد كانت الرسالة واضحة، وهي: الدعم مشروط ومنح الثقة لا يعني «التوقيع على صك أبيض»، مثلما ورد على لسان رئيس مجلس شورى «حركة النهضة» الوزير السابق عبد الكريم الهاروني ورئيس كتلة الحركة في البرلمان الوزير السابق نور الدين البحيري.
تتزامن بعض هذه المواقف والانتقادات مع دعوات علنية لإسقاط حكومة الفخفاخ «بعد أسابيع أو أشهر قليلة» صدرت مجددا عن المرشح الرئاسي السابق نبيل القروي زعيم حزب «قلب تونس» ورئيس كتلة الحزب في البرلمان عياض اللومي. إذ انتقد كل من القروي واللومي ورفاقهما بحدة الفخفاخ واتهموه بالانحياز إلى الرئيس سعيّد وبالعمل معه على إقصاء حزبهم سياسيا على الرغم احتلاله المرتبة الثانية في الانتخابات.
وكان قياديون في «النهضة»، بينهم رئيس البرلمان راشد الغنوشي، قد انتقدوا بدورهم إقصاء الفخفاخ لحزب القروي، ورفضه مسايرة مشروعهم حيال «المصالحة الوطنية الشاملة» ولوّحوا بحجب الثقة عنه وعن حكومته. وأوضح الغنوشي أن الاستقرار السياسي يستوجب «طي صفحة الماضي وتحقيق مصالحة وطنية تشمل العائلات السياسية الثلاث: وهم اليسار والإسلاميون والدستوريون». وأورد أن المصالحة لا يمكن أن تستثني أنصار حزب «قلب تونس» الذي يُعد وريث الحزب الحاكم السابق في عهد الباجي قائد السبسي ومرحلة ما قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.
لكن الفخفاخ عارض هذا الخيار، ورفض توسيع التحالف مع حزب القروي وقياداته المتهمة بالفساد رغم تعيينه كوادر سابقة في حزب قائد السبسي ضمن فريقه الحكومي، بينهم رجل الأعمال علي الحفصي والمحافظ السابق شكري بن حسن، ومدير مكتب الرئيس قائد السبسي الوزير سليم العزابي.
وهكذا، يتساءل البعض هل سيشفع للفخفاخ وقوفه مع الرئيس سعيّد الذي يرفع بدوره شعارات «ثورية» مثل الانحياز للشباب والفقراء والجهات المهمّشة ومحاربة الفساد... أم يكون هذا الموقف سبباً في تشكّل جبهة سياسية اجتماعية ضده تؤدي إلى إسقاطه تحت ضغط الشارع أو عبر لائحة سحب ثقة يوقعها في البرلمان كتل حزب قلب تونس والنهضة وائتلاف الكرامة؟
في كل الحالات يرجح أن يكون مصير الفخفاخ وحكومته رهينة لتحسن الوضع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي المتأزم داخلياً... والمستجدات الأمنية والسياسية والاقتصادية السريعة في ليبيا والجزائر. وعليه، فإن على رأس أولوياته توظيف نقاط قوته وصداقاته الخارجية وداخلياً مع «الفتيان الذهبيين» حتى لا تهب على مستقبله السياسي الرياح من كل الاتجاهات.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.