بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

تقليديو الحزب الديمقراطي ويساريوه يتخوفون من استقطابه الشباب

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات
TT

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

هل يمكن أن تحصل مفاجأة تعيد خلط أوراق سباق الرئاسة الأميركية، أقله لدى الديمقراطيين؟ سؤال تصاعدت احتمالاته أخيراً مع البروز المفاجئ لأسهم المرشح المغمور بيت بوتيجيج، رئيس بلدية مدينة ساوث باند في ولاية إنديانا، قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التمهيدية في ولايتي آيوا ونيوهامبشير. إذ منحت استطلاعات الرأي بوتيجيج (37 سنة) في هاتين الولايتين تقدّماً لافتاً إلى جانب متصدِّرَي السباق في الحزب الديمقراطي، وهم جو بايدن وبيرني ساندرز وإليزابيت وارين.
هذا التقدم قد يكون من الصعب تجاهله، إذا ما تمكن بوتيجيج من الاحتفاظ بزخم حملته الانتخابية في المراحل المتقدمة من السباق. ونشير إلى أن هذا المرشح لفت الأنظار، ليس بسبب مظهره أو تمرّده، بل لنجاحه في جمع التبرّعات، الذي كان إنجازاً مذهلاً لشخص لم يشغل منصباً سياسياً أعلى من رئيس بلدية مدينة يربو عدد سكانها بقليل عن 100 ألف نسمة.

اسمه بيتر «بيت» بول مونتغمري بوتيجيج من مواليد 19 يناير (كانون الثاني) 1982، وهو سياسي أميركي يعد أول شخص مثلي الجنس يسعى للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية. وكان بوتيجيج قد أطلق حملته في 14 أبريل (نيسان) 2019، واكتسب قوة دفع كبيرة في منتصف عام 2019 عندما شارك في العديد من المناقشات في قاعات البلديات والمنتديات. وفي بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اعتبره العديد من وسائل الإعلام واحداً من أربعة مرشحين ديمقراطيين «من العيار الثقيل».

- بطاقة شخصية
ولد بيت بوتيجيج، المتحدر من أصل مالطي - ويعني اسم عائلته «أبو دجاج» -، في ساوث باند بإنديانا. وهو الابن الوحيد لجوزيف بوتيجيج وجنيفر آن مونتغمري. والده من مواليد بلدة همرون في مالطا، وكان قد درس اللاهوت، ليغدو كاهناً يسوعياً قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، ويبدأ في ممارسة التعليم كأستاذ للأدب في «جامعة نوتردايم» العريقة في ساوث باند لمدة 29 سنة. وتلقى ابنه بيت تعليمه الجامعي في اثنتين من أشهر جامعات العالم وأرقاها، وهما «هارفارد» الأميركية و«أوكسفورد» البريكانية (بموجب «منحة رودز»).
بين عامي 2009 و2017، شغل بوتيجيج منصب ضابط استخبارات بحرية في احتياطي البحرية بالولايات المتحدة، برتبة ملازم. وفي عام 2014، خدم في أفغانستان لمدة 7 أشهر وحصل على ميدالية الثناء المشترك للخدمة وجائزة وحدة الاستحقاق المشتركة. ومن 2007 إلى 2010 عمل مستشاراً في شركة الاستشارات الإدارية الشهيرة «ماكينزي وشركاه».

- في المعترك السياسي
شغل بوتيجيج منصب رئيس بلدية ساوث باند من يناير 2012 إلى يناير 2020. ونشط في الحملات السياسية للمرشحين الديمقراطيين. كذلك هُزِم في انتخابات 2010 لمنصب وكيل الخزانة في إنديانا قبل انتخابه عمدة لساوث باند في العام التالي، ليغدو أصغر عمدة لمدينة يزيد عدد سكانها عن 100 ألف مواطن. وفي عام 2015، اعترف علناً بمثليته، وفي وقت لاحق من ذلك العام أعيد انتخابه بأكثر من 80 في المائة من الأصوات. وفي عام 2017، ترشّح لمنصب رئيس اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي لكنه فشل.
بالنسبة للشرق الأوسط، سبق لبوتيجيج القول إن الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 في أعقاب هجمات «11 سبتمبر (أيلول) 2001» له ما يبرّره. إلا أنه يدعم الآن سحب القوات الأميركية من المنطقة، مع الحفاظ على وجود مستمر لأجهزة الاستخبارات. وهو رغم التزامه بتأييد إسرائيل، فإنه يفضل حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ويعارض ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وكذلك دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتطبيق القانون الإسرائيلي في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ومن جانب آخر، أعرب عن استمرار تمسكه بالعمل مع المملكة العربية السعودية لصالح الشعب الأميركي، ودعم إنهاء حرب اليمن. كذلك انتقد قرار ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، التي يقول منتقدون إنها أعطت تركيا الضوء الأخضر لشن هجومها العسكري على الأكراد السوريين.

- مواقفه السياسية الداخلية
أما في الشأن الداخلي، فلقد دعم بوتيجيج تحقيقات مجلس النواب الأميركي لإقالة الرئيس دونالد ترمب، قائلاً: «لقد أوضح أنه يستحق أن يتم عزله». لكنه قال أيضاً إنه سيكون هناك «الكثير من الفوائد» إذا ما هُزم ترمب في عام 2020 مع أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين يسعون لتجديد انتخابه بدلاً من عزله من منصبه. وخلال الحملة الرئاسي الحالية، فإنه بنى استراتيجيته على فكرة «التغيير بين الأجيال»، وسرعان ما بدأ صعوده يثير الخوف، ليس فقط في صفوف «الحرس القديم» في الحزب الديمقراطي، بل، خصوصاً، في تيار اليسار الراديكالي.
إذ أثار المرشح الشاب غضب أعضاء مجلس شيوخ حاليين محنكين وحكام ولايات حاليين وسابقين، لأن الناخبين يتوقون إلى قيادة من خارج واشنطن ومن جيل الشباب، حسب صحيفة «ذا هيل».
واليوم، التيار اليساري يعتبره خصماً كبيراً يمكن أن يهدد حظوظه في استقطاب الفئات الشابة، التي تميل بطبعها نحو الوجوه الشابة، رغم انحيازها الطبيعي نحو التجديد والتمرد على التقاليد. ومع أن حملته لم تركز حتى الساعة على استقطاب الفئات الشابة، (حل بوتيجيج في آخر استطلاع بولاية آيوا ثالثاً متخلفاً بمسافة عن بيرني ساندرز وإليزابيث وارين لدى جيل الشباب بين 18 و29 سنة)، كما هو معهود من مرشح يفترض أن يعتبر التقرّب من جيل الشباب أولوية له، كما فعل جون كنيدي وبيل كلينتون. لكن إعلان بوتيجيج أنه ترشح لاستكمال مسيرة الرئيس السابق باراك أوباما، قرع جرس إنذار لدى يساريي الحزب الديمقراطي.

- حملة مالية ناجحة
المقلق الآن بالنسبة إلى منافسيه أنه على الرغم من تمكن ساندرز من الاحتفاظ بالمرتبة الأولى لناحية جمع التبرّعات، مع تحقيقه نحو 34.5 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، جمع بوتيجيج نحو 25 مليون دولار. وبذا تقدّم على نائب الرئيس السابق جو بايدن الذي جمع نحو 23 مليوناً، وهو ما وضعه في الصفوف الأولى بين المرشحين الديمقراطيين، ويمكّنه من تمويل كبير لحملته الانتخابية مع اقتراب الانتخابات التمهيدية.
وحسب حملته، تلقى بوتيجيج حتى الآن أكثر من مليوني تبرّع من أكثر من 733 ألف شخص منذ دخوله السباق، بينهم 326 ألف شخص تبرّعوا له في الربع الأخير من عام 2019، متجاوزاً في ذلك ساندرز الذي تبرع له 300 ألف شخص في المدة نفسها. ومع جمعه نحو 76 مليون دولار عام 2019، يثبت بوتيجيج أنه قوة غير متوقعة في جمع الأموال، رغم أنه لم يكن شخصية معروفة. ومقابل تعرضه للانتقادات، بسبب مغازلة المانحين الأثرياء، أشادت حملته الانتخابية بأنه «مدعوم بالطاقة الشعبية من جميع الولايات الخمسين، وبأن متوسط قيمة التبرعات التي حصل عليها في الربع الأخير من العام الماضي بلغ 34 دولاراً». ودافع بوتيجيج عن قبوله التبرّعات من كبار المانحين، بالقول «إن هزيمة ترمب لا يمكن أن تتحقّق إذا خضنا المعركة وإحدى يدينا مكبلة».
مدير حملته مايك شموهل قال في مذكرة يوم الأربعاء، إن بوتيجيج «عزز نفسه كمرشح رئاسي رفيع المستوى». وأضاف أنه فعل ذلك «ليس من خلال الاستفادة من قائمة جمع الأموال أو الحساب المصرفي لعضو مجلس الشيوخ، أو شخص كان قد خاض انتخابات للرئاسة من قبل»، في إشارة إلى كل من ساندرز ووارين. إلا أنه على الرغم من أن قوته المالية كانت واضحة منذ عدة أشهر، ومن تحسّن وضعه في السباق الرئاسي بعد الاستطلاعات التي أجرت في آيوا أخيراً، فهو لا يزال يواجه أسئلة مهمة حول قدرته على توسيع قاعدة دعمه بما يتجاوز الناخبين البيض.

- كسب الأقلية اللاتينية
في هذا السياق، عمدت حملة بوتيجيج إلى ترجمة العديد من أنشطتها ومنشوراتها إلى الإسبانية، وتوزيعها حتى في احتفالات التجنيس مستهدفة الناخبين اللاتينيين. ويبحث المرشحون الديمقراطيون راهناً، وكذلك الرئيس ترمب، عن طرق جديدة لاستغلال الأحداث، وبث الرسائل باللغة الإسبانية لاستمالة ما يقرب من 32 مليون ناخب لاتيني مؤهل، وهي الأقلية المرشحة للتفوق على الناخبين السود كأكبر كتلة تصويت للأقليات في الولايات المتحدة خلال العام المقبل.
فقد بلغ عدد اللاتينيين الذين صوتوا في انتخابات مجلس النواب عام 2018، 11.7 مليون ناخب، أي ضعف ما يقرب من 6.8 مليون صوتوا عام 2014، التي اعتبرها مركز «بيو للأبحاث» أنها أكبر زيادة فردية على الإطلاق بين انتخابات منتصف المدة وأخرى. ولم تكتف حملة بوتيجيج بالتركيز على ساحة المعركة المبكرة في الولايات التي تعيش فيها أقلية لاتينية كبيرة كولاية نيفادا، بل أيضاً على المناطق الريفية في آيوا ونيوهامبشير، حيث تقول إنه يجري تجاهل الناخبين اللاتينيين.

- اليساريون يناصبونه العداء
هذه المعطيات والأرقام والتقدم الذي تحققه حملة بوتيجيج، أفقدت يساريي الحزب الديمقراطي الصواب، مع إحساسهم بأن فرصة «القبض» على الحزب، قد تضيع مع مرشح يحمل العديد من نقاط القوة، ليس أقلها مثليته، التي قد تلقى على الأقل تأييداً؛ خصوصاً في الولايات ذات الكتل السكانية الكبرى والأكثر ليبرالية، ككاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا. فقد أعلن بوتيجيج تأييده لتعديل قانون الحقوق المدنية من خلال قانون المساواة الفيدرالي، بحيث يحصل المثليون على حماية فيدرالية غير تمييزية. كما يعارض الحظر المفروض على مشاركة المتحولين جنسياً في الخدمة العسكرية الذي فرضه ترمب.
وحقاً، شنت مجلات راديكالية ومنابر يسارية عدة ضده حملة شرسة، واصفة إياه بأنه «جمهوري متخف». فصعوده المفاجئ يرعبهم، خصوصاً الجيل الشاب منهم من الذين فازوا أخيراً في مقاعد بمجلس النواب في انتخابات 2018، أمثال أليكساندريا كورتيز. ورغم تفضيلهم لساندرز، فإن كرههم لبوتيجيج يفوق اعتراضهم على كل من بايدن ووارين. ولتفسير ذلك جمعت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» قائمة من التفاسير المحتملة على «تويتر»، بما في ذلك أن اليسار قد يعتبره خائناً لجيله أو انتهازياً صارخاً أو ممثلاً عن فئة احترافية مظلمة وغير موثوقة. كما أجرت مجلة «أتلانتيك» أيضاً استطلاعاً خلص في النهاية إلى أن المزيد من عهد باراك أوباما الذي وعد به بوتيجيج قد يكون أمراً لا يمكن هضمه من التقدميين. لكن هذه التفاسير لا تزال عامة جداً، ولا تفسر غضب اليساريين من منافس رئاسي يحتل حتى الآن المركز الرابع. فآيديولوجيته لا تختلف عن السيناتورة إيمي كلوبوشار ومايكل بينيتس، وكلاهما من المعتدلين سياسياً أكثر من بوتيجيج، الذي دعا من بين أمور أخرى، إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً، وإدخال خيار الرعاية الصحية العامة، وتوسيع حجم المحكمة العليا وإلغاء الكلية الانتخابية.

- تخوف من استقطابه الشباب
من ناحية ثانية، اليساريون يعتقدون أن الشباب يقفون إلى جانبهم، مستندين إلى استطلاع أخير لـ«كينيباك» عن شعبية ساندرز بين من هم تحت سن الثلاثين. وقال كل من النائبين جو كراولي وأليكساندريا كورتيز: «نحن لا نمثل فقط حملتنا ولكن حركتنا». وعبر ممثلو جناح ما يعرف بـ«الاشتراكيون الديمقراطيون الأميركيون» المعبؤون «عمّا يجب أن يكون عليه الحزب الديمقراطي»، في رسالة إلى صحيفة «نيويورك تايمز». وكتب وليد شهيد المتحدث باسم «ديمقراطيو العدالة» الموالية لكورتيز، في تغريدة على «تويتر»، «إن الصراع هو بين الأجيال»، مقتبساً جملة الزعيم اليساري الإيطالي الراحل أنطونيو غرامشي الشهيرة: «أميركا القديمة تموت، أميركا الجديدة تكافح من أجل الولادة. الآن هو وقت الوحوش».
لذلك ما يثير قلق تلك المجموعات اليسارية الشابة التي تؤمن بأن أمامها فرصة جدية لخوض معركة رئاسية ناجحة، أن صعود بوتيجيج قد يهددها. فهو فضلاً عن كونه أحد المحاربين القدامى، وفخوراً بمسيحيته، ومستشاراً سابقاً لشركة «ماكينزي» الشهيرة، يعتقد البعض أن أسلوبه في إحداث الصدمات الشخصية أقرب إلى ميت رومني من ساندرز أو حتى كورتيز. في نظر اليساريين الشباب الراديكاليين، فإن بوتيجيج ليس مجرد عدو آيديولوجي، بل هو أسوأ من ذلك.
ومما يثير قلق اليساريين أن معظم الناخبين غير راديكاليين بشكل حازم. لهذا السبب، وعلى الرغم من تشكيكه في برامج مثل «الرعاية الصحية للجميع والتعليم الجامعي المجاني»، فإن بوتيجيج ليس في منافسة مباشرة مع ساندرز. فهو يتنافس على الناخبين مع وارين، حيث أنصارها الليبراليون عرضة أكثر لتكنوقراطيته. وإذا نجح اليساريون في تشويه سمعة بوتيجيج وإضعافه، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تعزيز حظوظ وارين، أقرب منافسي ساندرز.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.