رفيف الظل: ما يقولُه السيفُ للرقبة

رفيف الظل: ما يقولُه السيفُ للرقبة

الاثنين - 19 ذو الحجة 1435 هـ - 13 أكتوبر 2014 مـ

كلما كتبتَ الرسالة، نزّ حبرُها مثلَ جرحٍ على قميص.
أن تشرقَ الشمسُ في كلماتك، في ليلٍ كثيف،
عقلٌ هذا؟
تكون قد وصلتَ فيما تكتبها، الشمسَ والرسالة.
ولكن من يفتحها؟
من يقلبُ الحنينَ إلى مدفأة؟
وجهانِ للكلمة، حتى وهي نسيان.
يا إخوتي في الريح،
كلنا مطرُ قلبي،
والورقة التي حملناها بخفة، كانت تحمل جبلَ السرِّ داخلها.
تجفل الغزوة من رسالة الحمامة، يعتلي الفرسانُ الهضبة، ثم يقرأ أمير المؤمنينَ الوصية:
- لا بحر، لا حرب.
يجفّ حبرُ الورقة، ويغوص الفرسانُ في رملِ المعركة. ومن وراء التيه يكبر ظلُّ المناداة. وتهيم امرأة في الأمصار، بحثًا عن بؤبؤ عينيها. ويقالُ في الساحات:
- غدًا يختفي العار.
ولكنَّ الشمعة تدركُ ضعفَ بصيرتها. والحطّابُ يهجوها علنًا في الغابات.
كلانا على ضفة، ننادي كلانا. لكن الرسائلَ يبتلعها النهرُ، وهذا الجسرُ الدائري هو صوتنا منذ أمس.
غائرٌ دمُ المعرفة، والخطواتُ التي نشتهي طريقَها تربكها رسالة خائفة:
- لا تسلكْ هواءَ روحك.
تتخبطُ فوانيسُ الشهوة، وتبرقُ الغمامة في نهاية النفق:
- لا تسْلكِ الهواء.
لم يبقَ في زفير الروح إلاّ تجاعيدُ الرسالة، وبعضُ دم. سيقتصر البريدُ عن رسائلنا. لكأن المسافة بين النصل والدم أبعدُ من الجغرافيا. ثمة طفل يكزّ بأسنانه على قطر الحليب في حلمة الأمل، علّ الفوانيسَ النادرة تجعل الشمسَ خدينة سعْينا المتعب في هذا التيه.
لنخرج من سردهم إلى شعرنا، لئلا نتأخر عن نداء الأقاصي. فالعرب العاربة والعرب الهاربة والعرب النادبة تستبيحنا وتهدرُ لنا الدم وتعدُّ وتصقلُ مواقع أقدامنا المرتعشة نحو المهاوي.
تختبئ الرسالة في ملجأ الضحى، خوفًا من وضوح الظهيرة.
يقشع الرصاصُ الغشاوة عن غروب الصفحة،
وحين ينبلج الفجر،
يلفظُ النصُّ أنفاسَهُ الأخيرة.
هذا نهارٌ أخير،
بعدَهُ تورق نسمة الحنان من جهة مشتهاة.
تنتصب الأقلام في طابورٍ يدقُّ على بوابة الخلود. وسيكون ظُلمًا إنْ عرفَ الوقتُ أننا بلا مفاتيح، وأنَّ وجاهة أسفارنا كانت هروبًا.
اليدُ التي تكتب، كيف لها أن تلوّحَ في وداعٍ مُر؟ والخطوة التي توقفتْ، من يطعمها رمقَ الرحيل؟
شبقٌ أعمى فجّرَ كلَّ هذا الهذر، وصارتِ البلدانُ تفخر بأبواقها. ومدارسُ النسيان ضجّتْ بنشيده. وسطرًا بعد سطر، تناسلتِ الأفاعي، واختفتْ من على الأغصانِ الثمرة المحرمة.
هل يقول السيفُ شيئا للرقبة الممدودة في السؤال؟ هل يتمرد الصمتُ على نصفه الأبيض؟ وهذه الأقواس، متى تستقيم؟
تعبَ الدائرون في المربع،
وداختِ الآلة، وهي تطحنُ في الفراغ.
أيها الشحيح،
هذا مشاعُ الأرضِ ملكك،
فاتركْ لنا النبع.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة