التلويح بالحرب: استراتيجيات الإرغام والنوايا الطيبة

التلويح بالحرب: استراتيجيات الإرغام والنوايا الطيبة

الثلاثاء - 28 ذو القعدة 1440 هـ - 30 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14854]
يوسف الديني
كاتب سعودي
جزء من إشكالية قراءة صفيح المنطقة الساخن والملف الإيراني الركون إلى التصريحات الصحافية وصولاً إلى تغريدات «السوشيال ميديا» التي تضخم تأثيرها بعد أن تحولت منصة رئيسية لمتابعة تصريحات الرئيس ترمب الذي استبدلها بالإعلام التقليدي المناوئ له.
وتأكيداً على التأثير الكبير للأقانيم الجديدة على مستوى التأثير والانتشار، لكنها بالتأكيد ليست صالحة لقراءة ما يحدث على مستوى الاستراتيجية الأميركية في إدارة الأزمة الإيرانية التي يتم التحضير لها عبر خزانات التفكير ومراكز الأبحاث المتخصصة، وجزء من عدم الصلاحية تلك هو اعتبار تغريدات الرئيس ترمب اليومية والمتتابعة دليلاً على تناقضات الموقف الأميركي أو تناقضاته إلى الحد الذي أطلق تساؤلات من قبيل: هل يتعرض الخليج إلى خيانة أو ابتزاز الإدارة الأميركية ويقابل تلك القراءة بالطبع قراءات أكثر اختزالاً تستند إلى نظرية المؤامرة في الموقف من الأزمة، ووجود مخطط للقوى الكبرى ضد المنطقة كجزء من الفوضى في القراءة السياسية المرشحة للتعاظم مع الزيادة المطردة للمنصات الإعلامية الخاضعة لمنطق سوق «الوجبات السريعة».
تسلسل الأحداث في الأزمة مع إيران بدأ منذ خرق نظام الملالي للقيود المفروضة على البرنامج النووي في خطة العمل الشاملة الموقعة في 2015 قبل أن تنسحب منها الولايات المتحدة في عام 2018، ويحاول الأوروبيون بدورهم إنعاشها لأسباب اقتصادية ذرائعية، في ظل ملاءة أميركا على مستوى احتياطيات النفط مقارنة باضطراب كبير في الحالة الأوروبية مرشح للتصاعد بعد «البريكست» المرتقب.
التلويح بالحرب من قبل الولايات المتحدة هو جزء من استراتيجيات الإرغام الجديدة التي تطرحها مراكز الأبحاث كبديل للحرب التقليدية ويتم التعبير عنها الآن بالحرب السياسية الفاعلة، وأثرها رغم عويل الملالي الكبير والمؤثر لا سيما بعد قرار إنهاء الإعفاءات عن صادرات النفط التي كانت تفوق أكثر من 300 ألف برميل يومياً، وبلغة الشارع الإيراني الغاضب الذي سيكون رصاصة الداخل في قلب نظام الملالي «التضخم هو الشيطان الأكبر»، ومن هنا فإن استراتيجية الحرب السياسية يقابلها في الجانب الإيراني ما يمكن وصفه بـ«استراتيجيات الأذرع الطويلة» وهو ما نراه من تصعيد في استهداف ناقلات النفط وتهديد خط الملاحة الدولي الذي قوبل باستهجان الرئيس ترمب وأنه سيضر بالدول التي تقف على الحياد كالصين ولن يمسّ أميركا التي لا تعتمد على مضيق هرمز الذي تم تلقيه كتصريح انهزامي، بينما هو تأكيد على استراتيجية الحرب السياسية والتلويح بالحرب التي لا يمكن أن تقع إلا بعد أخذ خطوات طويلة فيما يسمى بتجهيز مسرح العمليات التي كانت أهم خطواتها قدوم القوات الأميركية للسعودية، في رسالة للتأكيد على محورية المملكة العمق الاستراتيجي للحليف الأول، وهو الأمر الذي أقض مضاجع الملالي وصدى صيحاتهم عبر مكبّرات «الجزيرة» - الدولة، وبعدها تسارعت وتيرة الاستهدافات العبثية لميليشيا الحوثي وتصريحات حسن نصر الله التي حاولت الاستثمار في الفناء، أو بحسب أمينها خطيب الخرائب المفوّه عند مناصريه «قد لا نبقى بعد اليوم»، وكل ذلك جزء من مقاومة سياسات الإرغام في حدودها القصوى بمحاولة جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب لأن التلويح بها أكثر إنهاكاً.
في دراسة مطوّلة لجورج ف. كينان، من جامعة بروكلين الأميركية، حول مفهوم الحرب السياسية وتطبيقاتها الجديدة، يؤكد أن الحرب السياسية اليوم تعني توظيف جميع الوسائل في قيادة الأمة لكن دون الذهاب للحرب لتحقيق كل الأهداف عبر وسائل جديدة كالعمليات السرية والمعلنة، والتحالفات الجديدة، والتدابير الاقتصادية، والحرب النفسية السوداء، وتشجيع المقاومة السرية في الدول المعادية؛ هذه الحرب تستند بدورها إلى استراتيجيات شاملة تتبع نهجاً يقع عبؤه على كاهل وزارة الخارجية بالتنسيق مع الحكومات السيادية والحلفاء- الشركاء الأساسيين.
في الحرب السياسية يتم المزج بين أساليب واستراتيجيات متنوعة من أدوات السلطة وبشكل متعمد وبحسب وصف الخبير «مختلط» من الدبلوماسية إلى المعلومات السيبرانية والاستخباراتية للتأثير على صنع القرار في الدول المستهدفة، وهو ما يعني تداخل مجالات اقتصادية وأمنية وتقنية مع الجانب السياسي والدبلوماسي... كل ذلك خارج الأطر التقليدية حتى للحرب الباردة.
الحرب السياسية اليوم جزء من التحولات لمنطق العالم في تعبيره عن طي صفحة الحرب التقليدية وحصرها في أضيق الحدود، ونحن نتذكر التصريح الذي أربك الملالي حين قال ولي العهد السعودي في مقابلته عن نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وهو التصريح الذي يستند إلى سياسات الإرغام عبر المضي قدماً في التطوير والاقتصاد مع أولوية الأمن دون الخضوع لاستفزازات جرّ المنطقة إلى الحرب بمفهومها التقليدي.
النفوذ الاقتصادي في عالم اليوم هو السلاح الأول والمفضل للدول القوية، ولذا نرى مع كل التهديدات الكبرى التي تهدد أمن الخليج ودوله، إلا أنها وبشكل أكثر وضوحاً في السعودية ورؤيتها الاقتصادية ماضية وبقوة في اجتراح المشروعات الاقتصادية رغم صفيح المنطقة الساخن مع تعزيز خطوط الدفاع ومشروعات الأمن القومي والردع دون الانزلاق في ردود الفعل القصيرة المدى ومن بينها الاعتداءات المتصاعدة لطائرات ميليشيا الحوثي العبثية أو استفزازات دولة الملالي مع السعي إلى تخفيف آثارها على الحالة اليمنية عبر تقوية الجانب القانوني لعدالة قضية اليمنيين قبل غيرهم في استعادة شرعيتهم.
بالطبع هذه الاستراتيجية الجديدة تتطلب المزيد من الموارد والكثير من الإمكانات على المستوى الأمني والتقني، مسنودة بمراكز البحث والكثير من الوقت والصبر على التحرّكات للملالي ووكلائهم وأبواقهم الإعلامية في استفزاز الدول الكبرى، إلا أن من المهم ألا نقع في مأزق التحيّز لردة الفعل وأصوات التشكيك ولو بنوايا طيبة التي تعبّد الطريق إلى جحيم لا تحتمله منطقتنا اليوم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة