«أما بعد» للسعودي ناصر السالم فيه الكثير من الفلسفة... والخط العربي

المعرض الفردي الأول للفنان في لندن

الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
TT

«أما بعد» للسعودي ناصر السالم فيه الكثير من الفلسفة... والخط العربي

الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)

في إحدى الدورات السابقة من معرض «آرت دبي» استوقفني منظر فنان شاب ينحني على الأرض وأمامه حفنة من التراب، جلس يشكلها لتتمثل فيما بعد لوحة فنية بديعة بالخط العربي. الفنان هو السعودي ناصر السالم الذي يشكل من حروف اللغة العربية أعمالاً فنية بطابع مختلف عما هو موجود في الساحة. في كل عرض له هناك عمل أو أكثر يستوقف الناظر بتميزه عن غيره والطريقة التي تتحول بها الكلمات العربية الفصيحة لتحمل معاني اجتماعية وفلسفية تعكس تفكير الفنان وتطوره المستمر.
سنحت لي الفرصة أن أزور المعرض الفردي الأول لناصر السالم في لندن والمقام في مقر «مؤسسة دلفينا» بحي سانت جيمس. المعرض يحمل عنوان «أما بعد» وتطالعنا في مدخل المركز لوحة بديعة كلاسيكية الطابع بالخط العربي تجسد الكلمة. البداية تمثل بدايات السالم في مشواره مع فن الخط العربي وفي الطابق الأسفل هناك أعمال أخرى متعددة تعبر عن أسلوب مختلف للسالم، أقرب للتجريدية، يستخدم نفس الجملة «أما بعد» في عدد من الأعمال، يمكن قراءة الكلمات أحياناً وفي أحيان أخرى تصبح عملية البحث عن الأحرف ممتعة رغم صعوبتها.
ما بين الرسم على الورق وما بين المجسمات تتنوع أعمال المعرض لتعكس تناول السالم للخط العربي سواء من حيث الشكل أو من حيث المفهوم. يستكشف أبعاد «أما بعد» ويبدأ من المعنى الأساسي للكلمات، فيقول في حوار مع «الشرق الأوسط» إن أعمال المعرض كلها تدور حول «أما بعد» وكلها تتناولها بطرق مختلفة. «لماذا اخترت (أما بعد)؟»، أجدني أسأله ويجيب قائلاً: «(أما بعد) تحمل أكثر من معنى بالنسبة إليّ، تعني المستقبل وأيضاً تعني لحظة في الوجود. لا نقول (أما بعد) إلا إذا كان هناك أمر حدث وأمر آخر سيتبعه». النقطة فلسفية إلى حد كبير ويشرح لي السالم أنه قضى وقتاً طويلاً في القراءة والبحث في أبعاد التعبير: «أرى أننا عندما نقول تعبير (أما بعد) نكون على علم بما سيأتي بعده، وبنظرة أشمل أراها تعبّر عن المستقبل». في نظر الفنان الكلمات تعبر عن أحداث كثيرة مضت وتركناها خلفنا ولكننا ننتظر ما الذي سيأتي بعد ذلك. بنظرة أقرب إلى الواقع المحلي يرى السالم أن ذلك المعنى ينطبق على التغييرات المتلاحقة في السعودية، إذ يقول: «أحس أن التجربة جديدة علينا، أن فيها رؤية قادمة، أصبح أمامنا هدف نسعى للوصول إليه».
من المعنى الفلسفي للكلمات التي تجسدها؟ يجيب: «بالنسبة إليّ هي كلمة لها معنى من ناحية فلسفية أيضاً من ناحية استخدامها وفي تجربتي في الخط دائماً كنت أحاول أن أخلق صورة المعنى. كلمة (أما بعد) لها وجود ولها مستقبل فكيف يمكن أن أخلق صورة لهذا المعنى؟»، التساؤل يأخذنا للنظر إلى أول الأعمال المعروضة، وهو مكعب صغير الحجم من الحديد المعلق بخيط في ركن الحجرة. بالاقتراب منه نرى أنه مكون من طبقات مكونة من أحرف، يشرح لنا: «المشروع كله بدأ بهذا العمل وعنوانه (1 كيلو في 1 كيلو). يعبّر عن فكرة أننا كلما نقترب منه ونحاول قراءة الأحرف تصبح الكلمة بعيدة عنّا». وبالفعل فالتشكيل يبدو غامضاً من بعيد ولكن بالاقتراب منه ومع وضوح الأحرف وقراءة كلمة «أما بعد» يطغى معنى الكلمة ليأخذنا إلى أبعد، لأمر سيحدث في المستقبل. أتساءل: «العمل يعتمد على إدراك المتلقي لفكرة الزمن؟»، ويقول: «بالضبط الزمن شيء شخصي جداً، الكلمة معاصرة دائماً، كلما نظرت إليها تجدها ترتبط بالوقت الحالي، هي طول عمرها كلمة معاصرة».
في كل الأعمال أمامنا وعلى اختلاف مستوياتها ومعانيها المجردة يظل السالم محافظاً على هويته كفنان متخصص في الخط العربي، وإن كان يأخذ هذا الفن إلى أبعاد جديدة ومختلفة. يحاول التعبير عن الكلمة ومعناها بتطويع حروفها لتتشكل أمامنا، يعرف أنه يحاول التعبير عن كلمة ليست لها صورة: «كل الأعمال هي كلمة (أما بعد)، المهم هو كيف يمكن أن توصلها وتعبر عنها وتفهمها ككلمة، كلمة ليست لها صورة».
أسأله: «تهتم بالكلمة والمعنى في الوقت نفسه؟»، يجيبني قائلاً: «المعنى مهم لي فالكلمة عندما لا يكون لها معنى لا يكون لها وجود وبالعكس. صار لها وجود ولها أبعاد حقيقية، فكيف تحاول تحويل هذا البعد إلى شكل مرئي؟».
في العمل الثاني الذي يبدو على هيئة عصا من المعدن الأسود ممتدة على مسافة مترين، يطلق على العمل اسم «ثانية» ويشرح لنا المعنى ويقول إنه عبّر بهذا العصا الأفقية الممتدة عن كلمة «أما بعد» أيضاً. كتبها بطريقة مختلفة وبالخط الكوفي، كُتبت بطريقة مختصرة، تشترك في الحروف نفسها مختصرة بعضها مع بعض. يقول: «العمل يقوم على فكرة المتر كوحدة قياس، وهو أساساً تم قياسه على أساس رحلة الضوء من نقطة لأخرى. الأبعاد مأخوذة من الوقت، فالعمل يعد بعداً مكانياً (2 متر) فهو وحدة قياس لكن هو أيضاً يعبر عن الزمن، عن الثانية». بهذا المفهوم أنظر إلى العمل أمامي وأجدني أقرأ حروف «أما بعد» في بداية العصا غير أن الحروف تمتد على امتداد المترين، وبالنظر من الجنب يمكننا تخيل الكلمة وهي تمتد على امتداد النظر، كأن الأحرف تكتسب بعداً مختلفاً. أعلق قائلة: «يبدو أن الكلمة تعبّر عن اللانهائية؟»، يقول: «كأنها لا منتهية وكأنها متعددة الأوجه، فتمكن قراءة الأحرف من أكثر من جهة، وبالتالي يجعلنا نتساءل: أين اتجاه المستقبل؟ وهذا الشي صعب تخيله، وفي النهاية يعتمد على أين تقف أنت ومن أين تراه؟ في العمل منظور شخصي قوي في موضوع الوقت، وبصيغة فلسفية».
بالانتقال إلى العمل الثالث نجدنا أمام رسم لدائرة ضخمة، يقول: «العمل عنوانه (متزامن) ويعبر عن اللحظة التي يتزامن فيها الزمان والمكان، كتبتها بهذه الطريقة الدائرية المستمرة حيث تشتبك الحروف وتظل مستمرة لا إرادياً». لماذا اخترت الدائرة؟ أسأله ويجيب: «الدائرة شكل غير منتهٍ من الحركة وليست له بداية أو نهاية، وذلك يتمثل في تاريخ الأرض، كأننا نعيش في دائرة لا نعرف فعلياً متى بدأت ومتى ستنتهي، مثل فكرة (أما بعد)».
العمل التالي وعنوانه «الكون» يعبّر عن حركة الأرض بشكل بيضاوي، يقول: «هي نفس فكرة (أما بعد) ليس فقط من المنظور الشخصي أو من منظور المستقبل، فهناك منظور ثالث وهو الكون، الذي ننتمي إليه ويتحكم بنا أكثر مما نتحكم به، ماذا بعد هذا الدوران؟».
عمل «الخداع البصري» يبدو للوهلة الأولى كأنه تجسيد لمتاهة ضخمة، ويشرح لنا السالم ما أراد التعبير عنه أيضاً باستخدام كلمة «أما بعد» وإن كان من الصعب التوصل إلى الأحرف هنا، فهو يستخدم الأحرف كما يستخدم المثّال أدواته، تتخلى عن شكلها التقليدي لتصبح أداة طيّعة في يده. يقول: «كلما حاولت أن تلتقط اللحظة التي تتمثل في (أما بعد) وتكوّن فكرة عن المستقبل وتكون عندك رؤية واضحة للمستقبل يظل هناك عدم وضوح أو خداع بصري».
يرشدني لقراءة الأحرف لنصل إلى «أما بعد» ونتحدث عن صعوبة قراءة الحروف بالنسبة إلى غير المتحدثين باللغة؟ ويبدو سؤال له صدى لدى السالم الذي يقول إنه أمر صعب جداً وإنه يفكر في طريقة ربما لإضافة بعض العبارات التوضيحية مع العمل، ولكنه يعود لحبه للغة العربية والكتابة بها ويقول: هي «لغة قوية جداً، قرأت أن بها 12 مليون كلمة. كلغة عندها وصف واضح لكل شيء، وأنا سعيد لأني أعمل بالعربية».
في العمل التالي لوح من الورق الأبيض عليه كتبت أحرف منتظمة في كلمات صغيرة بعضها يمتد أفقياً وبعضها منكمش، يقول إن الكلمات التي لا تحمل «حركات تشكيل» هي كلها تنويعات على الكلمة موضوع المعرض، ويضيف: «كلمة (أما بعد) يمكن تشكيلها بسبع وعشرين طريقة، على حسب تشكيلها يمكنك التعبير عن معنى البعد الكامن فيها، هنا كتبتها 27 مرة وأزلت حركات التشكيل وبشكل ما تصبح الكلمة هنا تحمل الـ27 معنى لأنها من دون حركات تشكيل». في هذا العمل يصبح دور الناظر أكبر، فهو عليه دور تخيل الحركات على الأحرف ليستطيع قراءة الكلمة بالشكل الصحيح، وبهذا يصبح العمل تفاعلياً بشكل ما.
على الأرض هناك دائرة كبيرة سوداء اللون، العمل يحمل عنوان «الثقب الأسود». ورغم أن العنوان يعبّر عن حالة في عالم الفضاء فإن السالم يقرر أن يقتبس الاسم ليعبر بالأحرف ذاتها التي لا نراها هنا، ولكنه يشير إلى أطراف الأحرف التي تظهر على حواف الدائرة. يقول إنه كتب كلمة «أما بعد» لتكون دائرة مشتبكة الأحرف: «عندما كتبتها سحبت اللون الأسود من الحروف لداخل الدائرة لتمتلئ به وتصبح دائرة سوداء بالكامل وليصبح اللون الأسود معبّراً عن الحروف وهي تندمج معاً مشكّلةً تلك الدائرة السوداء كأننا نستكشف ما داخل الكلمة نفسها من احتمالات كثيرة». يقول عن العنوان: «سميتها (الثقب الأسود) لأن الثقب الأسود في الفضاء هو مكان يتغير فيه الزمن». أسأله: «لا تقصد المعنى السلبي للكلمة؟»، ويقول: «بالنسبة إليّ لا يوجد شيء سلبي في الكون، لا شيء يذهب للعدم، هو يذهب لشيء ليتحول إلى شيء آخر وهكذا، لا شيء يختفي، حتى أكبر النجوم التي تنفجر تصبح شيئاً آخر، باقية وموجودة وعايشة، مثل الإنسان».
ورغم أن الأعمال المعروضة قليلة العدد فإنها تحمل من الأفكار الكثير حول الوجود والزمن والمستقبل و... الخط العربي.



سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟


مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».