ثلاث حكايات

الأحد - 29 شهر رمضان 1440 هـ - 02 يونيو 2019 مـ Issue Number [14796]

يُقال أن أحد مخرجي السينما المصرية الراحلين كان يهتم كثيراً بالحوار لدرجة أنه خلال التصوير كان يجلس على كرسيه وقد أعطى ظهره للمشهد الذي يتم تصويره وأغمض عينيه وراح يستمع إلى الحوار ليتأكد من جودة النطق به.
عندما تقدم منه أحد الممثلين ذات مرة ليسأله السبب، قال له: «الحوار ده أهم حاجة في الفيلم». هز الممثل رأسه هزة بسيطة تعني إنه لم يقتنع، وقال: «كنت أعتقد أنك لا تطيق مشاهدة الممثلين».
في هوليوود سمعت الحكاية التالية التي عاشت من الستينات إلى اليوم ويرويها البعض كما لو كانت نكتة.
كان هناك أحد المخرجين المتيّمين بالإتقان. في إحدى المرّات طلب من ممثله تأدية مشهد بسيط كناية عن أن الممثل سيستلقي على السرير في غرفة جرى تصميمها كما لو كانت في فندق وثير. استلقى الممثل بالفعل وأشار المخرج للكاميرا بالاقتراب من الممثل ببطء. لكن المخرج لاحظ أن أنفاس الممثل غير طبيعية.
أوقف التصوير وسأل الممثل: ما السبب؟ قال الممثل إن وجود كل هؤلاء الفنيين من حوله يجعله ضيّق النفس. أمر المخرج بقية العناصر بمغادرة الغرفة ليبقى فيها مع مساعدته ومدير التصوير ومهندس الصوت.
أعيد تصوير المشهد مراراً وتكراراً... مرّة لأن ابتسامة ارتسمت على شفتي الممثل. مرة ثانية لأن رموش عينيه رفرفت. ومرّة لأن المخرج لم يقتنع بتمثيل الممثل. صاح الممثل احتجاجاً فصرخ فيه المخرج أن يصمت ويتعلم وقال له:
«سأمثل أنا دور النائم. شاهد كيف وتعلم».
وبالفعل صعد المخرج إلى السرير واستلقى عليه. غطى نفسه جيداً وأغمض عينيه.
بعد نحو ساعة أو أكثر بقليل استيقظ المخرج من سباته. نظر حوله ولم يجد أحداً. لقد راحت عليه «نومة» فعلية فقرر الممثل والفنيون تركه بسلام وخرجوا من الغرفة.
الحكاية الثالثة حدثت لي عندما كنت طالباً ثانوياً وفي الوقت ذاته بدأت أكتب في السينما. لابد من أنني كنت دماً جديداً واعداً إذ فوجئت بأحد المخرجين اللبنانيين (رحمه الله) يرسل لي دعوة لحضور تصوير فيلمه في يوم محدد.
وصلت بلهفة وبدأت أراقب الجميع خلال العمل. وما لفت نظري أن لا المخرج ولا مساعدته يحمل سيناريو بيده. نظرت إلى المقاعد باحثاً ولم أجد. لاحظ المخرج حيرتي فسألني ما بي. قلت له: «لا أرى السيناريو بيد أحد».
مد يده إلى جيب سترته وأخرج منه أربع صفحات من دفتر مدرسي كتب في كل صفحة منه ملاحظاته، وقال: «هذا هو السيناريو». هذا المخرج الراحل كان يصوّر من دون سيناريو لكن أفلامه كانت تجارياً ناجحة.