المحروسة ذات الأرقام الفلكية

المحروسة ذات الأرقام الفلكية

الأحد - 17 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 25 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14607]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

عندما حدثت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 كان عدد سكان مصر عشرين مليوناً وهو رقم أقل من المطلوب قياساً بمساحة مصر الشاسعة البالغة مليون كيلومتر مربع... هذا في حال أن هذه الكيلومترات مؤهلة لاستيعاب السكان. لكن المساحة غير المؤهلة للسكن كبيرة جداً فضلاً عن أن المصري شديد التمسك بالأرض الزراعية ويتفادى تحويل أجزاء منها إلى أرض صالحة للبناء. ومن أجْل ذلك باتت المدن هي التي تستوعب أعداداً من الساكنين فيها تفوق بكثير القدرة على الاستيعاب. وفي المقابل كانت حيوية التناسل ترفد المجتمع المصري بمعدل مليون طفل سنوياً. وبين البداية وواقع الحال اليوم بات عدد سكان مصر يشكِّل مشروع أزمة لا علاج لها في المدى المنظور سوى التمنيات، إلا إذا قررت الدولة وبالتوافق مع المرجعية الدينية وبالذات مرجعية الفتوى بحصْر مسألة المواليد في حدود تأمين الحياة الكريمة للناس.
منذ نصف قرن من متابعتي للشؤون المصرية تتصدر المسألة السكانية هموم الدولة. وباستمرار كان موضوع تنظيم النسل مادة للنقاش بأمل التوصل إلى حل يصبح بمقتضاه في استطاعة الدولة تحقيق التنمية المستقرة.
حتى قبل ربع قرن، كان الأمر على درجة من التحمل. وجاءت التداعيات الناشئة عن حرب 1967 ثم حرب 1973 تدفع بمعالجة المسألة السكانية إلى الواجهة وتجعلها بنداً أساسياً في قائمة الهموم التي تتطلب معالجة جذرية. وعندما تنشر الجهة الرسمية للإحصاء تقارير دولية وفيها أن الخط البياني إلى المزيد من الارتفاع يحدُث نوع من الاستنفار في بعض أجهزة الدولة.
الأزمة في ازدياد. والقلق مستمر. وعندما تتحول دراسة حديثة صدرت قبل أيام حول المسألة، إلى قضية أساسية تشغل بال أهل الحُكْم وتعكس وسائل الإعلام مخاطرها بالأرقام، فهذا يعني أن الضوء الأحمر باق في المشهد الاجتماعي المصري إلى حين تعديل لونه وبالتعاون بين المرجعية السياسية والمرجعيتيْن الأزهرية والإفتائية على حد سواء.
وأنا هنا أضيء على واقع حال أزمة المحروسة ذات الأرقام الفلكية لجهة المواليد من خلال قراءة متأنية للدراسة والتوقف عند الفلكي من أرقامها. تفيد الدراسة التي ركزت صحيفة «أخبار اليوم» على النِسَب المئوية والأرقام الخاصة بكل فترة، بأن مصر هي الأعلى في معدلات الإنجاب عربياً وأفريقياً وأنها في المرتبة 67 في العالم تتقدم على دول الخليج وليبيا وتونس وتركيا وإيران وبنغلاديش، وأن طفلاً يولد في مصر كل 15 ثانية. ولقد لاحظت شبكة «بلومبرغ» الأميركية أن زيادة عدد السكان في مصر بين العام 2011 والعام 2018 تُعادل عدد سكان اليونان حالياً. وثمة مفاجأة حدثت ولم تكن في الحسبان وهي أن تقديرات الأمم المتحدة عام 2000 لعدد سكان مصر أفادت بأن العدد سيصل بحلول العام 2026 إلى 96 مليون نسمة، لكن حيوية التناسل سواء لجهة تعدد الزوجات وللزيجات الميسَّرة المعروفة بالزواج العرفي ناهيك بزواج القاصرات أو لأن التوعية في شأن تنظيم النسل غير فاعلة أو غير مستحبة من المرأة المصرية، حققت خذلاناً للتقديرات الأممية؛ ذلك أن التعداد السكاني الرسمي أشار إلى أن عدد السكان عام 2017 كان 104.5 مليون بزيادة سكانية بلغت 2.6 في المائة! كيف سيتم تأمين مساكن لهذه الموجات المتتالية سنة تلو أخرى، وهل إن المليون وحدة سكنية التي بدأ العمل في إنشائها قبل سنتيْن ستفي بالغرض.
ثمة تقديرات بأن عدد السكان في مصر سيكون 119 مليوناً في العام 2030. أي بزيادة 99 مليون نسمة عما كانت عليه مصر عند قيام الثورة قبل 66 سنة من كتابة مقالنا هذا.
وهنالك ما يشبه الإجماع في مختلف كيانات المجتمع المصري على أن «الزيادة السكانية تلتهم ثمار التنمية والإصلاح» وأن الزيادة السكانية تسببت بخسارة نحو 200 ألف فدان من أجْود الأراضي الزراعية خلال العشرين سنة الماضية، لمصلحة إنشاء مدن ومجمعات للملايين الذين باتوا يعملون ويحتاجون إلى المسكن والزواج والإنجاب.
في مقالة لرئيس تحرير «أخبار اليوم» عمرو الخياط (السبت 17-11-2018) تنبيه من «الإرهاب السكاني» على حد توصيفه للأزمة، ودعوة صريحة إلى معالجتها بمساهمة الخطاب الديني في العلاج. كما يشير إلى ضغوط دينية على الدولة كي لا تأخذ بالأسلوب العملي حلاً. ويسجل الزميل في هذا الشأن كيف «أن البعض يستخدم نصوصاً لتبرير التكاثر العشوائي... ويستند هؤلاء في دعواتهم لمفاهيم مجهولة وغيبية وهذا خلْط بين التوكل والتواكل بل والتنطع على النص الديني وعلى المجتمع»، ثم يضيف في تبرير البعض لأهمية كثرة العدد في حياة الأمة القول «أين هؤلاء من الحقيقة التاريخية التي أقرت بأن كل الغزوات التي انتصرت فيها جيوش المسلمين كانت أقل عدداً من جيوش أعدائهم». ومن جانبي أستحضر للمناسبة من الذاكرة عبارة قالها الرئيس (الراحل) هواري بومدين يوم 10-5-1978 خلال محاولة عربية جادة لإعادة الرئيس السادات عن موضوع السلام مع إسرائيل وهي: «إن حجم مصر البشري لا يمكن أن يكون مدخلاً للتساهل معها بالنسبة إلى القضايا المصيرية، فليس صحيحاً أن الكثافة البشرية هي مركز الفعل في الصراع العربي – الإسرائيلي بدليل أن إسرائيل وهي دولة صغيرة سكاناً ومساحة أصبحت بالفعل دولة عظمى بالمقارنة بالدول العربية الأُخرى».
خلاصة القول إن التنمية في مصر ستبقى مهددة بالتعثر على نحو ما يرى ذلك أهل الحُكْم والمنابر الإعلامية، ولا يشاركهم الرأي «بعض المشايخ الداعين والمبررين للزيادة السكانية» ويستغلون العشوائيات المتكاثرة في الترويج لمفاهيم تعتبر كثرة السكان «ثروة قومية». ونشير إلى أن الخشية رسمياً وإعلامياً في مصر في شأن مستقبل التنمية تأتي من قبْل أن يتم حسم موضوع «سد النهضة» مع إثيوبيا فيما هنالك حسب الدراسة الجديدة عجْز مائي يقدَّر بعشرين مليار متر مكعب، وفيما قطاع التموين في الدولة مهموم ومهتم منذ الآن لمواجهة رقم المائة وتسعة عشر مليوناً عدد سكان مصر عام 2030 وبما يعني أن فاتورة دعْم السلع التموينية ستكون في حدود 150 مليار جنيه وهو رقم مؤكد، إذ يكفي القول إن 119 مليون مصري عام 2030 يحتاجون في الحد الأدنى إلى نصف مليار رغيف يومياً. وفي هذا الزمن الآتي يكون بناء العمارات السكنية تَسبب بالمزيد من التخفيض لمساحة الأرض الزراعية.
أعان الله الرئيس عبد الفتاح السيسي فيما يتعلق «أم الأزمات» الاجتماعية... أزمة الزيادة السكانية، كما أعان أسلافه جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، فهي تنتقل من عهد إلى عهد ولا علاج لها. وهدى الذين يرون في تنظيم النسل في المحروسة ذات الأرقام الفلكية أمراً غير مستحَب ولا يجوز شرعاً، في حين أنها على أهبة أن تكون حلاً للصين أمة المليار نسمة. وأما بالنسبة للموضوع الفلسطيني العالق في الهواء الأميركي – البريطاني إلى أن يقتنع الجانبان بوجوب إعادة النظر، فإنها جائزة شرعاً ومستحبة كون «القنبلة البشرية الفلسطينية» ستحسم ذات يوم مسألة الصراع مع إسرائيل بمعنى أن الفلسطينيين أكثرية واليهود أقلية. وتستطيع فلسطين في هذه الحال استيعاب الطرفيْن يعيشان... ولا حروب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة