عطر واحد لا يكفي لاختزال تاريخ «سالفاتوري فيراغامو» وإرثه

فنجان قهوة مع لوتشيانو بيرتيليني الرئيس التنفيذي للدار

منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة  -  لوتشيانو بيرتيليني
منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة - لوتشيانو بيرتيليني
TT

عطر واحد لا يكفي لاختزال تاريخ «سالفاتوري فيراغامو» وإرثه

منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة  -  لوتشيانو بيرتيليني
منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة - لوتشيانو بيرتيليني

جرت العادة أن تطرح شركات العطور، وبيوت الأزياء، عطرا واحدا في كل موسم، بل منها ما يتعمد عدم تقديم أي جديد إلا بعد سنوات للإبقاء على العطر السابق أطول فترة ممكنة. دار «سالفاتوري فيراغامو» في المقابل كسرت هذه القاعدة وقدمت في فلورنسا مجموعة مكونة من 11 عطرا. السبب برأي رئيسها التنفيذي، لوتشيانو بيرتيليني «أننا أردنا أن يحكي كل عطر قصة بلون مختلف». باللون كان يقصد تاريخ الدار مع الأحذية التي كان المؤسس أول من أدخل عليها خامات غريبة وألوانا متنوعة حتى قبل أن تروج هذه الموجة في السنوات الأخيرة بين مصممين شباب. لكنه لم يُخف أيضا أهمية العطور لأي بيت أزياء من الناحية التجارية، الأمر الذي يجعلها مجالا لا يمكن تجاهله «فأي علامة لها قصة أو إرث، تريد أن تسلط الضوء عليهما، وبحكم تاريخنا الطويل، فإننا لا نفتقد إلى قصص رائعة توارثناها عبر الأجيال وتُخول لنا أن ننسج مزيدا منها. من هذا المنظور كان دخولنا صناعة العطور بقوة خطوة طبيعية».
لا يختلف اثنان على أن صناعة العطور أصبحت ميدانا واسعا ومهما، من شأنه أن يدر على بيوت الأزياء المصنعة لها أرباحا لا يستهان بها، فضلا عن وضع اسمها في الواجهة. فمن لا يستطيع شراء قطعة إكسسوارات أو أزياء بآلاف الجنيهات، فبمقدوره شراء قنينة عطر تمنحه السعادة وشعورا بالانتماء إلى نادي النخبة. المشكلة التي تعاني منها صناعة العطور في السنوات الأخيرة أن عملية إنتاجها أصبحت تحكمها توجهات الموضة الموسمية؛ الأمر الذي يستدعي السرعة وأحيانا التكرار. وهذا ما يريد لوتشيانو تجنبه، مؤكدا أن استراتيجية الدار «أن نبقى أوفياء للتقاليد والأصل، وأن نركز على مفهوم (صنع في إيطاليا) حتى نحافظ على الاستمرارية وعلى جودة الخلاصات والتفاصيل الدقيقة».
رغم العدد؛ 11 عطرا، فإن ما يشفع للمجموعة أن ارتكازها على توسكاني ربط بينها. ويشرح لوتشيانو أنها بوصفها منطقة، تعد رمزا من الرموز الإيطالية في العالم أجمع، إضافة إلى أنها كانت ولا تزال مصدر إلهام لدار «سالفاتوري فيراغامو» بحكم أن فلورنسا هي المدينة التي اختارها السيد فيراغامو عندما أسس شركته في بداية القرن الماضي. لم يكن دافعه أنها تتوفر على حرفيين مهرة في هذا المجال فحسب؛ بل لشعوره حينها أن بيئتها التي تعبق بالجمال والفن والتاريخ، يمكن أن تكون مصدر إلهام له، تمنح ابتكاراته مزيدا من الحيوية والديناميكية. كان قراره صائبا، لأن تأثيرها الفني كان واضحا على أعماله؛ فأغلب الأحذية التي ابتكرها، إن لم نقل كلها، كانت مطبوعة بالفنية والعملية، كما يؤكد متحف الدار الواقع في فلورنسا. وكان من الطبيعي أن يلفت حينذاك اهتمام نجمات ونجوم هوليوود. كان قادرا على تشريح القدم من جهة؛ وعلى ابتكار تصاميم أنيقة، وأحيانا ثورية بخاماتها وأشكالها، من جهة ثانية.
مع الوقت، أصبحت توسكاني تُمثل بالنسبة لدار فيراغامو ما تُمثله مدينة غراس الفرنسية لدار «شانيل». فهي مضمارها الذي تجول وتصول فيه بثقة.
وهذا ما أكده لوتشيانو بقوله إن توجيهات الدار للعطارين السبعة كانت واضحة؛ تتلخص في أن يضعوا توسكاني نصب أعينهم وهم يختارون المكونات ويمزجونها بعضها ببعض.
لم يكن العدد، أو الكم، الهدف؛ بقدر ما كان تلميع صورة الدار وتسليط الضوء عليها «ووضعها في مكانها الصحيح بالنظر إلى إرثها العريق وتاريخها الطويل في صناعة الترف». باستثناء عطر «ريناشيمانتو»، لم يكن باقي العطور الستة جديداً. فبعد أن طُرحت في السابق على أنها ماء عطور خفيفة، أعيد ابتكارها وصياغتها هذه المرة بإدخال مكونات جديدة أضفت عليها جرعة قوية من الفخامة. طبعا ساعد على هذا أن كل العطارين يتمتعون بخبرة ورغبة في التميز.
ويلفت كل واحد منهم، عند الحديث معهم، إلى أن عطورهم ليست عن الرائحة أو الخلاصات فحسب؛ بل أيضا عن أسمائها وألوانها. فبما أن الهدف كان ربطها بالدار أولا والمنطقة ثانيا، فقد عدّوا أن الألوان والمكونات المحلية لا تنفصل عن هذه المنظومة. من هذا المنظور، كان من البديهي أن يتميز كل واحد منها بلون خاص، يتباين بين الوردي والأخضر والبرتقالي والبنفسجي... وغيرها من الألوان التي لا يضاهيها تنوعاً سوى أسمائها ذات الدلالات الإيطالية القوية، من «فانديميا» أي الحصاد، و«كونفيفيو» أي الوليمة، و«لاكورتي» المحكمة، إلى «كاليمالا»، و«تيستا دي مورو» أي البني الداكن، وباقي الأسماء التي ترتبط بشكل أو بآخر بالثقافة الإيطالية عموما والتوسكانية خصوصا، مثل «بونتا ألا»، و«فيولا إيسانزيالي»، و«لاكوميديا»، و«بيانكو دي كارارا»، و«تيرا روسا»، وأخيرا وليس آخرا «ريناشيمانتو» أي النهضة.
ويعد هذا الأخير العطر الوحيد الجديد في المجموعة؛ أبدعه العطار الأميركي الشاب أليكس لي، الذي صرح بأن أول ما قفز إلى ذهنه عندما استمتع إلى اقتراحات وتوجيهات الدار؛ اللون الأخضر. لم تفارقه صورته، فكلما أغمض عينيه للتفكير، ألح عليه أكثر، وهو ما تجلى في العطر والقارورة بعد عدة أشهر. وأشار العطار الشاب إلى أن طريقته في ابتكار أي عطر تبدأ دائما برسم صورته في خياله؛ قبل أن يبدأ في ترجمته على أرض الواقع بالبحث ثم مزج المكونات. ويتابع: «من الأشياء التي تعلمتها خلال دراستي، أنه من الضروري أن يتضمن أي عطر عنصرين مهمين؛ الأول: أن يكون فريدا من نوعه، بحيث يمكن التعرف عليه من النظرة الأولى، والثاني أن يُخلف أثرا لا يُنسى. لهذا كان هدفي أن أضمن توفر هذين العنصرين في عطر يفرض نفسه على الذوق العالمي بقوته وشكله وأيضا بتفرده». الأدوات التي اعتمد عليها للوصول إلى هدفه كانت باقة من المكونات الفلورنسية مثل زهرة مسك الروم والقزحية والزنبق، إلى جانب المندرين الإيطالي والفلفل الأخضر والريحان مع رشة خفيفة من خشب الصندل والفيتفير. يعترف بأن البداية كانت سهلة لأنه شعر بأن الجمع بين زهرة مسك الروم والقزحية أساسي لمنح العطر شخصيته. المشكلة كانت في بقية المكونات. فكيف له أن يمزج الأخشاب بالورود ويُزاوج بينها بتناغم؟ لم يكن الأمر سهلا واستغرق منه عدة أشهر قبل أن يتوصل إلى الوصفة الأخيرة التي جعلته يرضى عنها. مثل باقي العطارين المشاركين في هذا المشروع، أنيطت بأليكس لي مهمة ابتكار عطر واحد، صب فيه كل ما يتمتع به من خيال وقدرات كيميائية. باقي العطارين استلهموا إما من تراب توسكاني، أو رائحة الرخام والمرمر؛ بل وحتى من رائحة المسارح الكبيرة التي تحتضن حفلات الأوبرا والكوميديا. لم يكن الأمر سهلا؛ لكنه كان «تحديا لذيذا» بحسب اعترافهم.
في المقابل، كان العطار فابريس بيليغرين، من شركة «فيرمنيش» الفرنسية الوحيد الذي أنيطت به مسؤولية ابتكار 5 عطور مرة واحدة. كان فخورا ومعتدا بنفسه وهو يشرح الخطوات التي اتبعها في جعل كل واحد يختلف عن الثاني. يقول إنه استلهم اثنان منها، «فانديميا» و«كونفيفيو»، من موسم حصاد العنب في توسكاني، بينما اعتمد في عطر «لاكورتي» على نوعين من الياسمين وحليب اللوز والفانيلا، بينما جعل عطر «كاليمالا» غنيا بالأخشاب الثمينة، و«تيستا دي مورو» بخلاصات البخور والزعفران والباتشولي وخشب الصندل. كلها عناصر من شأنها أن تدغدغ الحواس وتجذب زبائن من كل أنحاء العالم، وإن كانت الدار تُعول على أسواق الشرق الأوسط والصين والولايات المتحدة، بالنظر إلى عشقها للعطور.
وما يُحسب للمجموعة أنها، رغم العدد وباعتراف الدار بأنها تريد من ورائها تلميع صورتها وضمان البقاء في الصدارة، تتبع تقليدا جديدا بات مرادفا لصناعة العطور المتخصصة، يتلخص في احترام التقاليد والاعتماد على إرث قديم مقارنة بشركات عالمية تعتمد على الحملات الترويجية الضخمة. ما توصلت إليه الدار أنها عندما تنسج قصة متكاملة؛ شكلا ومضمونا، فإنها تنجح في إثارة الانتباه ولا تحتاج إلى مؤثرات أو وجوه شهيرة لتسويقها.


مقالات ذات صلة

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.