«ساعات وعجائب» يستعير من الماضي لكتابة المستقبل

معرض يستكشف الفضاء وأعلى القمم ويغوص في أعماق البحار

جناح «بانيراي» وفر للزوار رحلة في أعماق البحار (خاص)
جناح «بانيراي» وفر للزوار رحلة في أعماق البحار (خاص)
TT

«ساعات وعجائب» يستعير من الماضي لكتابة المستقبل

جناح «بانيراي» وفر للزوار رحلة في أعماق البحار (خاص)
جناح «بانيراي» وفر للزوار رحلة في أعماق البحار (خاص)

«نحن لا ننتج ساعات بل نبتكرها»، مقولة صرَح بها إيف بياجيه منذ عقود، مفتخراً بإنجازات دار «بياجيه» في هذا المجال، لكنها تُعبِر عن حاضر معرض «ساعات وعجائب» اليوم بشكل بليغ، وإن كان لا بد من القول إن بعض الابتكارات التي تم عرضها كانت أقرب إلى الاختراعات منها إلى أي شيء آخر. تنافس صناعها على ضخها بكل ما هو جديد وعجيب. أمر أثلج صدور المشرفين على المعرض، الذين لم يُخفوا سعادتهم بنجاحه في حفل الختام. فقد حقق نتائج لم تكن متوقعة، بدءاً من عدد الحضور الذي تعدى الـ43 ألف زائر إلى نوع الإصدارات التي تبارت شركات الساعات في عرضها وشرحها مروراً بالمشاركين الذي ارتفع عددهم من 38 شركة ساعات في العام الماضي إلى 48.
تشعر طوال الأسبوع أن جنيف كلها تحولت إلى معمل ساعات نظراً للاحتفالات والعروض والمعارض، التي احتضنتها في أماكن متفرقة على مدى سبعة أيام. أما في «باليكسبو»، حيث يقام معرض «ساعات وعجائب» فظل العجيب والثوري هما التيمة الغالبة. من ظهور أحجام جديدة غابت عن الساحة لعقود بسبب متطلبات السوق إلى التطلع إلى اختراق الفضاء وسبر أغوار الأفلاك والرغبة في تسلق أعلى القمم أو الغوص في أعماق البحار، مروراً بالبحث عن تلك النسبة الذهبية لتحديد الجمال وقانون الجاذبية. فالكل هنا يعرف أن الجوهر الكامن في التعقيدات والوظائف المتطورة لا يكتمل دون وجه يثير شغاف القلب. «كارتييه» و«شانيل» و«هيرميس» و«فاشرون كونستانتين» و«روليكس» و«مون بلان» و«بانيراي» و«آي دبليو سي» و«بارميجياني» و«فان كليف أند أربلز» وهلم جرا من الأسماء التي رسخت أسماءها في عالم الساعات والمجوهرات منذ قرون، إلى جانب أخرى دخلت المجال في السنوات الأخيرة من باب الشغف والرغبة في الاختراع، كلهم أطلقوا إصدارات إما جديدة أو متجددة. فالعديد من الشركات العريقة عادت إلى إرثها في بداية القرن العشرين أو من السبعينات والتسعينات لتضيف إليه نتائج اكتشافاتها وبحوثها الأخيرة، وتُزينه بشكل حوَل العُلب والموانئ إلى تحف تعكس قوة حرفييها وخبرائها. بالنظر إلى عدد المشاركين في المعرض هذا العام، كان لا بد أن يجد كل واحد مبتغاه أو على الأقل ما يُحرِك فضوله ويفتح جدالات فكرية وميتافيزقية. ما تستخلصه من هذه النقاشات والجدالات أن الأمل بتعافي قطاع الساعات الفاخرة تحديداً موجود.


فما رسَخه أسبوع الساعات لعام 2023 أنه رغم التغيرات السياسية والاجتماعية التي يمر بها العالم وتبُث القلق في النفوس، يبقى الترف في مأمن. الأرقام من جهتها تؤكد هذا الأمر، إذ إن مبيعات هذا القطاع تضاعفت في عام 2022 لتصل إلى 24.8 مليار فرنك سويسري.
أسعار الساعات التي طُرحت هذا العام هي الأخرى تُؤكد هذه النظرة التفاؤلية. فقد وصل سعر بعضها إلى 20 مليون دولار كما هو الحال بالنسبة لساعة «بيليونير تايملس تريجر» من شركة «جاكوب أند كو»، فيما ظلت نسبة عالية من الإصدارات المعروضة تتباين بين الـ100 ألف و500 ألف دولار. بيد أن هذا لا يعني أن كل ما صدر من معامل هذه الشركات وبيوت المجوهرات بعيد المنال يخاطب النخبة فحسب، فقد كان هناك أيضاً وعي بضرورة استقطاب جيل صاعد من الشباب، من خلال الألوان والأفكار المرحة والشقية أو الحركات والمواد الجديدة على أمل إدخاله نادي الكبار فيما بعد. «روليكس» مثلاً طرحت ساعة جديدة، «أويستر بيربيتوال» يبدو فيها الميناء وكأنه «PUZZLE». غريبة ومثيرة، لكن لا يختلف اثنان أنها ستُذيب الجليد وتفتح أبواب الحديث كلما وقعت العين عليها.
- «مون بلان»
شركة «مون بلان» أيضاً كان لها نصيب من هذه النقاشات بفضل مجموعة «صفر أكسجين». مجموعة رياضية تتوجه للمستكشفين ومتسلقي الجبال، والجديد فيها أنها تخلو من الأكسجين تماماً، وهو ما يُعتبر سبقاً وإنجازاً. من أربعة طرازات جديدة، تبرز ساعة «مون بلان 1858 - 8000 صفر أكسجين» التي انضمت إلى مجموعة «Zero Oxygen». يخلو هيكلها من الأكسجين تماماً، الأمر الذي يساعد في إزالة التكاثف الضبابي الذي يمكن أن يحدث مع التغيرات الشديدة في درجات الحرارة على الارتفاعات، كما يمنع عملية الأكسدة. وتضيف الشركة أن مكونات الساعة لا تدوم لفترة أطول من دون أكسجين فحسب، بل تحافظ على دقة ثابتة بمرور الوقت أيضاً. ما يزيد من خصوصية هذه الساعة أنها جُهِزَت بميناءٍ بالتأثير المدخن - Sfumato باللون الرمادي الداكن، وهو تقنية إيطالية قديمة تُتيح للدّرجات اللونية والألوان بدخول الظلال تدريجياً في بعضها بعضاً، مما ينتج عنه خطوط خارجية ناعمة وتشكيلاتٍ ضبابية. لإضفاء النمط الجليدي المرتبط بها، فاستخدم صانعو الميناء تقنية «كشط الخشب» - gratté - boisé كقاعدة، لتحقيقه، وهي عملية تستغرق وقتاً أطول ثلاث مرات مما يقتضيهِ أي ميناء معياري وتتطلب أكثر من 20 خطوة منفصلة.
- {شانيل}
منذ نحو 36 عاماً قطعت دار «شانيل» على نفسها عهداً أن تظل وفية لجذورها، وأن تكتب الوقت بلغتها الأنيقة والسلسة. ففي عام 1987 أطلقت أول مجموعة ساعات لها، كانت لمساتها الراقية واضحة فيها، لكنها لم تنس أبداً أن تضخها بالتقنيات المتطورة، معتمدة على مهارة حرفييها وصناعها حتى تنافس الكبار. وبالنتيجة جاءت إصداراتها مزيجاً بين المجوهرات والساعات المعقدة.
في جنيف احتفلت بمجموعة أطلقت عليها «شانيل إنترستيلر» CHANEL INTERSTELLAR تضمنت مجموعاتها الأيقونية مثل «بروميير» PREMIERE و«بوي فراند» BOY.FRIEND و«كود كوكو» CODE COCO و«جي12» J12. وفيها التقت عوالم الخيال العلمي والفضاء والسفر عبر الزمن. كان بُعدها مستقبلياً أكثر منه عودة إلى الماضي أو حنيناً إليه، علماً بأن النجوم والأفلاك والمذنبات وكل ما يدور في السماء خيط من الخيوط التي تربط كل أقسام الدار بالمؤسِسة غابرييل شانيل. فالقصة تقول إنها منذ أن كانت طفلة تعيش في ملجأ للأيتام بعد وفاة والدتها، كانت تسهر لتراقب حركة النجوم في السماء بعيون مفتوحة وفضول حولته فيما بعد إلى إبداعات. ساعات «سبايشل تامبوريل» من مجموعة «جي 12» مثلاً من التصاميم الاستثنائية التي تلعب على الأسود والأبيض، من خلال الذهب الأبيض والماس. جمال وجهها يُخفي تعقيدات تقنية عالية، بدءاً من هيكل السيراميك شديد الصلابة إلى ميناء من الذهب الأبيض عيار 18 قيراطاً مرصّعاً بـ41 ماسة قطع باغيت.
- «آي دبليو سي شافهاوزن»
من جهتها، قدمت دار آي دبليو سي شافهاوزن إصدار توب غان «Oceana»، أول ساعة بايلوت كرونوغراف من سيراميك أكسيد الزركونيوم الأسود بقُطر يبلغ 41 مم. استلهمت السيراميك الأسود الداكن الذي استعملته فيها من الأجزاء التقنية للطائرات النفاثة الأسرع من الصوت، فضلاً عن أنها تعتبر من المواد المميزة لساعات توب غان منذ إطلاق المجموعة في عام 2007. أكثر ما يلفت النظر إليها إلى جانب موادها، لونها الذي جاء نتيجة تعاونها مع شركة RPantone وتم استلهامه من زي البحرية الأميركية، وزي الطيارين الذين يستعملونه عند قيامهم بمهام شاقة على متن حاملات الطائرات. اصطبغ كل من الكرونوغراف والميناء بالأزرق كذلك السوار المطاطي المكسو ببطانة قماشية مع تشطيب دينيم، بينما جاءت الأزرار الانضغاطية وخلفية العلبة من التيتانيوم خفيف الوزن لتكمل شخصيتها الرياضية.
- {بارميجياني فلورييه}
في جناح «بارميجياني فلورييه» لم تختلف القصة. هنا أيضاً كان الجديد: من ساعة «توندا بي إف مينيت راترابانت» - «Tonda PF Minute Rattrapante» إلى ساعة «توندا بي إف جي إم تي راترابانت روز جولد» - «TONDA PF GMT RATTRAPANTE ROSE GOLD»، التي تعود في عام 2023 بإصدار متكامل من الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً، مزينةً بميناء بلون أزرق ميلانو يظهر عليه تضفير «غيوشيه» دقيق بنمط حبة الشعير.
تبدو الساعة متواضعةً للوهلة الأولى، مع عقربين، للساعات والدقائق يطوفان حول الميناء، ولكنها سرعان ما تكشف عن تعقيد ميكانيكي يقوم بتشغيل عقربَين متراكِبَين، أحدهما من الذهب المطلي بالروديوم والآخر من الذهب الوردي. يؤدي الضغط على الزر الضاغط الواقع عند موضِع الساعة 7 إلى أداء العقرب المصنوع من الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً والمخصص للتوقيت المحلي لقفزةٍ مدتها ساعة واحدة كاشفاً عن العقرب الذهبي المطلي بالروديوم، الذي يعرض وقت الموطِن. بمجرد عدم الحاجة إلى معلومات الوقت المزدوج، يؤدي الضغط على الزرّ الضاغط المدمج في التاج إلى عودة العقرب إلى مكانه. تتوجه الساعة للرحّالة وعشاق السفر والمغامرات.


- {فاشرون كونستانتين}
«لي كابينوتييه ديوال مون غراند كومبليكايشن» حركة جديدة من صنع «فاشرون كونستانتين» تحتضن 11 تعقيداً، مما يجعلها من أكثر التعقيدات تطوراً في صناعة الساعات. كان الهدف المبدئي من ابتكار هذه الساعة هو تكريم القمر الأصلي. فغالباً ما يتم إنزال عرض القمر إلى الخلفية، لكنه هنا يتموضع في المُقدمة ويؤكد حضوره اللافت للنظر بفضل اللون والحجم. ونظراً لأن الفكرة كانت أيضاً تقديم رؤية للقمر الصناعي للأرض كما يظهر في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي، فإن مؤشر طور القمر المركزي، يتميز بشاشة عرض مزدوجة تستعرض أطوار القمر المختلفة وسط الميناء وتكمله الساعات والدقائق ومؤشرات التقويم الدائم، فيما تظهر المؤشرات الفلكية على الجانب الخلفي مع توقيت اليوم الفلكي - وهو أقصر بأربع دقائق من اليوم المدني - ومع مخطط سماء يوضح موقع الأبراج في الوقت الفعلي. أما الجزء الخلفي من الساعة فيتميَز بفتحة تكشف عن التوربيون وعربة النقل المالطية على شكل صليب.
- «بانيراي»
ساعة «راديومير آنيوال كالندر»: تعقيد جديد لبانيراي من مجموعتها «راديومير» Radiomir. جديدها هنا يتمثل في تعقيد التقويم السنوي. من مؤشرات للثواني والدقائق إلى الساعات والأيام. كل هذا واضح للغاية ليساعد على قراءتها بسهولة وعلى الفور. يظهر التاريخ واليوم قرب موضع الساعة 3، من خلال فتحتين في القرص. أمّا الشهر الحالي فيظهر على قرص خارجي متحرّك، يُشار إليه بواسطة سهم ثابت عند موضع الساعة 3. مع تغيّر كلّ شهر، تتيح كامة في الآلية تحرّك القرص الخارجي على مرة واحدة، بحيث تتغيّر المعلومة على الفور. كما أنّ التغيير بين الأشهر البالغة مدتها 30 يوماً و31 يوماً يتمّ أوتوماتيكياً على مستوى الآلية. وثمّة حاجة إلى إعادة ضبطها مرّة في السنة، في نهاية شهر فبراير (شباط). ونظراً لحرص «بانيراي» على سهولة القراءة والطابع العملي، فإنّ مصححاً موجوداً على الجانب الأيسر من العلبة يسمح بتغيير اليوم، مع كلّ تحريك له، بعد ضبط الشهر والتاريخ.


مقالات ذات صلة

من موجة موسمية إلى ظاهرة

لمسات الموضة أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)

من موجة موسمية إلى ظاهرة

منذ ظهوره في 1926 وهو متسلطن في خزانة المرأة لم يخرج منها حتى بعد أن هجمت الألوان الصارخة على ساحة الموضة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تحتاج إليها.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الكل كان يترقب ظهور الأميرة بعد طول غياب ولم تخيب آمالهم (إ.ب.أ)

لآلئ أميرة ويلز... ما رمزيتها ودلالاتها؟

بعد غياب طويل بسبب مرضها، ظهرت أخيراً أميرة ويلز، كيت ميدلتون في العرض العسكري الذي يقام سنوياً. هذه المرة بمناسبة عيد ميلاد الملك تشارلز الثالث. منذ أن تناهى…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد انتهاء حرفيات مدغشقر من دورهن تنتقل الحقيبة إلى معامل الدار في روما لوضع اللمسات النهائية (فندي)

«فندي» تُدخل «الرافيا» عالمها الخاص

كان مهماً لسيلفيا فندي، منذ البداية، أن تخدم هذه الحقائب؛ أياً كانت خامتها وتصميمها ولونها، صاحبتها بشكل يومي وفي كل المناسبات من دون أن تتأثر بعاديات الزمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تبدو ديمي مور حالياً أكثر سعادة وشباباً بعد أن تصالحت مع نفسها وجسدها (إ.ب.أ)

أهلاً بالخمسين... أهلاً بذهبية العمر

المخرجة كورالي فارغيت استكشفت في فيلمها الأخير علاقة المرأة السامة مع جسدها..كيف يُغرس فيها منذ الصغر أن قيمتها مرتبطة بمظهرها. ديمي مور جسدت الدور بطريقة مقنعة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة دانيل أرشام في الاستوديو الخاص به يعمل على تصميم الساعة التي ستحمل اسمه وتوقيع هوبلو (هوبلو)

ساعة بدرجة تحفة من «هوبلو» والفنان دانيال أرشام

كشفت اليوم شركة هوبلو للساعات الفاخرة عن ثمرة تعاونها مع الفنّان المعاصر دانيال أرشام.

جميلة حلفيشي (لندن)

الأسود... ظاهرة الموسم

أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
TT

الأسود... ظاهرة الموسم

أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)
أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)

«فالنتينو»، «هيرميس»، «ماكسمارا»، «كلوي»، وطبعاً «شانيل» التي تعده لونها الخاص، وباقة من اليابانيين وغيرهم، اتفقوا هذا العام على عودة الأسود إلى الصدارة. شمل قرارهم هذا تشكيلات الخريف والشتاء والربيع والصيف، على حد سواء.

بيدَ أن قصة تربُّع الأسود على عرش الموضة ليست وليدة هذا الموسم أو ذاك، فهي تعود إلى عام 1926، عندما قدمت مصممة شابة اسمها كوكو شانيل للعالم فستاناً أسود ناعماً. أثار حينها ضجة وجدلاً في كل الأوساط، ليس لأنه كان أقصر مما كانت المرأة تألفه والأعراف تتفق عليه فحسب؛ بل لأنه كان قبل ذلك لون الحزن والحداد.

كانت مجلة «فوغ» الأميركية، من بين من لفتهم الفستان وتوقعوا نجاحه، حين كتبتْ معلِّقة عليه، أنه «سيكون القطعة التي ستلبسها كل نساء العالم». لم يخب توقعها. كان ثورة في زمانه، ولا يزال يتمتع بالوهج والإثارة نفسيهما، لدرجة تدفعنا للتساؤل: كيف لم ينتبه لجماله وإمكاناته أحد قبل الآنسة شانيل؟

الأسود والأبيض ماركة «شانيل» المسجلة تستعملهما في كل جزئية من تصاميمها (شانيل)

لم يتبيَّن حتى الآن ما إذا كانت كوكو شانيل سوداوية الطبع أم لا؛ لكن المؤكد أنها آمنت بتأثيره وإثارته إلى حد أنها كررت في كثير من المناسبات أنها لن تتخلى عنه، حتى تجد ما هو أكثر قتامة منه: «حتى ذلك الحين، سأكتفي بارتداء الأسود». بعد 1926، أثبت نفسه؛ حيث كان من الممكن أن ينضم إلى قائمة الألوان الأنيقة الأخرى؛ لكنه تسلطن وتربَّع في خزانة المرأة. لم يتزعزع منها حتى عندما حصلت هجمة «الإنستغرام» وبقية وسائل التواصل الاجتماعي المتعطشة لألوان صارخة ونقشات متضاربة من أجل الحصول على صور أكثر وضوحاً وتأثيراً.

عمليات التجميل التي يظل خاضعاً لها على يد مصممين جُدد تساهم في ضخِّه بالشباب والكاريزما. ومع الوقت نسي الجميع أنه لون الحِداد. دخل مناسبات المساء والسهرة والأفراح. الراحل عز الدين علايا –مثلاً- قال: «إنه لون يثير الفرح في نفسه».

من عرض «كلوي» الأخير حيث دمجت المصممة الأسلوب البوهيمي المنطلق بتصاميم مفصلة وراقية (كلوي)

هذا لا يعني أنه لا يتوارى أو تتراجع أهميته أحياناً لصالح موجة أو لون جديد؛ لكن دائماً لفترة قصيرة يعود بعدها أقوى. وهذا ما حصل مؤخراً. عروض الأزياء للخريف والشتاء والربيع والصيف، على حد سواء، أكدت أن واقع الموضة الجديد ولسنوات مقبلة سيتلون به. يمكن القول إن ظهوره المكثف في معظم العروض حوَّله من مجرد موجة موسمية إلى ظاهرة.

في عرض «فالنتينو» مثلاً، لوَّن مصممها السابق بيير باولو بيكيولي كل التشكيلة (63 قطعة) به. لم يستثنِ إطلالة واحدة منه، وهو الذي تعوَّد إتحافنا بألوان شهية، فضلاً عن عروض كل من «برادا» و«ماكسمارا» و«شانيل» و«كلوي» و«هيرميس» وهلمَّ جراً. بالنسبة للمصمم بيكيولي، فهمنا فيما بعد أن الدافع وراء هذه السوداوية قد يكون شخصياً. فبعد فترة قصيرة من العرض، أُعلن خبر استغناء دار «فالنتينو» عنه، أو خروجه منها بعد 25 عاماً من العطاء والتفاني. ولأن الأرجح أنه كان على علم بهذا القرار من قبل، فإن الشكوك تدور حول أنه اختار الأسود رمزاً لنهاية فصل مهم من مشواره المهني. وليس ببعيد أنه فصَّل العرض حداداً على ربع قرن من عمره.

ساد الأسود في تشكيلة «ماكسمارا» مُكسِّراً الصورة التي ارتبطت في الأذهان بألوان الكاراميل والعسل والشوكولاتة (ماكسمارا)

عرض «ماكسمارا» في المقابل كان بكل سواده احتفالياً. فالدار الإيطالية التي ارتبط اسمها في الأذهان بألوان تتباين عادة بين درجات العسل والكاراميل والبسكويت والسكر، مع نفحات من الرمادي والأزرق، فاجأت في تشكيلتها لخريف وشتاء 2024- 2025 الجميع، بإسناد دور البطولة للأسود.

وكما هي الحال في كل القصص السردية التي باتت ترافق عروض الأزياء -مثلها مثل الموسيقى والإضاءة- صرَّح مصممها البريطاني إيان غريفيث، بأن السبب يعود إلى الكاتبة والصحافية والممثلة الفرنسية كوليت: «كانت تلبس هذا اللون ولا تتخلى عنه، حتى أنه أصبح لونها الرسمي، وهذا ما أبهرني وأنا أتطلَّع إلى صورها». اكتشف أيضاً المساحات الكبيرة التي يتيحها للإبداع: «هذه المساحات تساعد على إبراز صورة ظلية أنيقة بخطوط سلسة» وفق قوله.

كانت كوليت الكاتبة والصحافية بتمردها على الأعراف وجرأتها ملهمة المصمم إيان غريفيث (ماكسمارا)

تغيير توجه الدار بهذه الدرجة كان جريئاً بالنسبة لدار أزياء، تكمن قوتها في معاطفها ذات الألوان الشهية؛ لكنه تغيير محسوب، تشعر فيه بأن الأسود هنا يحتفل بعلاقته المثيرة بالمرأة والممتدة على مدى قرن، وتحديداً تلك العلاقة الجريئة التي زرعتها فيه كوكو شانيل وتميَّزت بها كوليت. امرأتان خضَّتا المتعارف عليه في عصرهما، بذكائهما وثقافتهما الواسعة، وتعدد مواهبهما. كانت كوليت صحافية وكاتبة سيناريو، وفي بعض الأحيان خبيرة تجميل، وموسيقية. كانت أيضاً متمرِّدة لا تتقيد بإملاءات المجتمع والتقاليد، كما صرَّح غريفيث: «كانت تتمتع بروح متوثبة ومشاعر إنسانية تلامس القلب، وهذا ما أطمح إلى تحقيقه في (ماكسمارا) بوصفي مصمماً».

ظهر في المعاطف كما في القطع المنفصلة وفساتين السهرة والمساء (ماكسمارا)

لم يكن تبنِّي كوليت الأسود لوناً رسمياً هو وحده ما يُميِّزها. كانت أيضاً تميل إلى الملابس ذات اللمسات الذكورية، وهذا ما ترجمه المصمم في معاطف مستوحاة من التصاميم العسكرية وأخرى بأحجام سخية، كما في بنطلونات واسعة بخصور عالية. ربما يكون الماكياج وظهورها بأزياء محددة في بعض الأحيان ما يُذكِّرنا بأنوثتها. أمر ترجمه غريفيث من خلال تنورات بأطوال مختلفة، وقطع منفصلة أخرى أضفى عليها حداثة وعملية باعتماده أسلوب الطبقات المتعددة.

تبقى «شانيل» وفية لمؤسستها في كل المواسم بحضور اللون الأسود بشكله الأنيق في كل تشكيلاتها (شانيل)

غني عن القول، إن الأسود هو الحاضر الدائم في عروض «شانيل». مثله مثل الأبيض، لصيق بها. تستعملهما الدار في ديكورات محالِّها، وفي تغليف مستحضراتها، كما في أزيائها وإكسسواراتها. هما الآن ماركتها المسجلة، مثلما اللون البرتقالي لدار «هيرميس»، والأحمر الغامق لـ«كارتييه»، والفيروزي لـ«تيفاني أند كو»، والرمادي لـ«ديور». كانت القطع التي تلوَّنت به هذا الموسم لافتة وراقية كما العادة. استعملت فيها المصممة فيرجيني فيارد خامات متنوعة، تم تنسيق بعضها مع بعض، ليتحول الممتنع إلى سهل، والتضارب إلى تناغم.

لم يغِبْ أيضاً في عرض «برادا». برز في كنزات بياقات عالية وتنورات مستقيمة تغطي الركبة، وتايورات مستوحاة من بدلات رجالية مصنوعة من الصوف من الأمام، ومن الحرير والدانتيل من الخلف. قالت ميوتشا إنها «بمثابة عودة إلى الرومانسية التي ربما أصبحت من التابوهات». الفرق في عرض «برادا» أنه كان الأرضية التي أسندت ألواناً أخرى، وتناغمت معها لتخلق بالنتيجة صورة متنوعة تخاطب كل الأذواق.

الحركة اليابانية

هذه الموجة القوية للأسود، تعود بنا إلى حقبة الثمانينات، مع استقواء حركة يابانية قادها كل من إيسي مياكي، وراي كاواكوبو، مصممة «كوم دي غارسون»، ويوجي ياماموتو، وآخرون. هذه الحركة حوَّلته من مجرد لون تُقبل عليه المرأة للحصول على أنوثة ونحافة، إلى مفهوم قائم بذاته وأسلوب حياة. يكفي بخطوطه البسيطة الخالية من أي بهرجة للارتقاء بإطلالة أي امرأة، لا سيما في حقبة كانت تتسم بالمبالغات والبهرجة التي فرضها أسلوب «الماكسيماليزم»، مثل الأكتاف العريضة والعالية وألوان النيون والألوان المعدنية والزخرفات، وغيرها. كانت الحركة اليابانية مضادة، لعب فيها الأسود دوراً حيوياً.

لم يغب عن عرض دار «هيرميس» التي طرحته من الجلد وخامات ناعمة أخرى (هيرميس)

المصمم ياماموتو وصفه حينذاك باللون «المتواضع والمتغطرس، الكسول والسهل. إنه غامض؛ لكن قبل كل شيء هو لون يقول: أنا لا أزعجك فلا تزعجني». هذا القول تُرجم في أرض الواقع بأنه مضمون لا يثير الجدل السلبي أياً كان تصميمه، وبالتالي وظَّفه كل مصمم برؤيته الخاصة لرسم اللوحة التي يريد بيعها لنا.

جوليان دوسينا، مصمم دار «باكو رابانا» عبَّر عن هذه الرؤية قائلاً: «عندما أشاهد شخصاً يرتدي اللون الأسود في الشارع، أشعر وكأنني أرى لوحة من الفن التجريدي. تجعلني أركز أكثر على الحركة والشخصية».

تحوله إلى ظاهرة هذا الموسم يجعلنا نتوقف ونتساءل عند أسباب أخرى، حسب رأي أندرو بولتون، أمين قسم الأزياء في «متحف متروبوليتان للفنون» بنيويورك، قائلاً إن «عودته بهذه القوة يمكن أن تُعزى إلى الاضطرابات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي نعيشها حالياً». فهو لون قوي يضمن الجاذبية، كما يمنح الثقة في كل الظروف.