باريس تسعى لدور رأس الحربة الأوروبي في مناهضة العقوبات الأميركية

وزير الاقتصاد الفرنسي: نرفض أن تكون واشنطن شرطي العالم الاقتصادي

وزير الاقتصاد برونو لومير (بلومبرغ)
وزير الاقتصاد برونو لومير (بلومبرغ)
TT

باريس تسعى لدور رأس الحربة الأوروبي في مناهضة العقوبات الأميركية

وزير الاقتصاد برونو لومير (بلومبرغ)
وزير الاقتصاد برونو لومير (بلومبرغ)

دعا رئيس الجمهورية الفرنسية إلى إنشاء «جيش أوروبي حقيقي»، أول من أمس، بحيث يمكِّن القارة القديمة من أن «تدافع عن نفسها بشكل سيادي، من غير أن تكون تابعة للولايات المتحدة الأميركية».
والمثير في كلامه أنه في صدد تسميته مصادر الخطر، أشار إلى روسيا والصين والولايات المتحدة، متذرعاً بقرار إدارة الرئيس ترمب الخروج من معاهدة مُبرَمة مع الاتحاد السوفياتي في الثمانينات لتحجيم ترسانة الصواريخ النووية متوسطة المدى لدى الطرفين. وتساءل ماكرون: «مَن ستكون الضحية الرئيسية لهذا القرار؟»، وأجاب: «أوروبا وأمنها».
واضح من كلام ماكرون أن فرنسا تريد أن تدفع أوروبا لتكفَّ عن الاعتماد كلياً على حمايتها لضمان أمنها، ما يعني نظرياً تقليص دور الحلف الأطلسي الذي تقوده واشنطن. لكن باريس لا تريد التوقف فقط عند الجوانب السيادية الأمنية والسياسية، بل إنها تريد أيضًا توفير «السيادة الاقتصادية» للاتحاد الأوروبي، وهو ما شدد عليه مجدداً وزير الاقتصاد برونو لومير في حديث أجري معه، أول من أمس، في العاصمة البلجيكية.
وكان الوزير الفرنسي أول من لوح بهذه الورقة في شهر مايو (أيار) الماضي، عندما قرر دونالد ترمب تمزيق الاتفاق النووي مع طهران المبرم صيف عام 2015، وفرض عقوبات عابرة للحدود على دفعتين، على الشركات التي تتجاهل العقوبات، وتستمر في التعامل مع إيران.
وعندما حل موعد 5 نوفمبر (تشرين الثاني) ودخلت العقوبات المفروضة على قطاعي الطاقة والمال الإيرانيين حيز التنفيذ، وجدت باريس، ومعها شريكتاها في التوقيع على الاتفاقية النووية (بريطانيا وألمانيا)، أنفسهم أمام حائط مسدود.
تقول مصادر فرنسية اقتصادية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، إن ما زاد من «حنق» الفرنسيين أن طلبات الإعفاء التي تقدمت بها باريس إلى واشنطن لشركاتها، وعلى رأسها شركة «توتال» النفطية «لاقت رفضاً قطعياً» من قبل الطرف الأميركي. كذلك كان مصير طلبات الإعفاء لبريطانيا وألمانيا.
وبالمقابل، فإن إدارة ترمب أبدت تساهلاً مع إيطاليا واليونان، وهما الدولتان الأوروبيتان الموجودتان على لائحة البلدان الثمانية التي أُعطيت مهلة إضافية من ستة أشهر تستطيع خلالها الاستمرار في التعاطي مع إيران من غير عقوبات.
وتتساءل هذه المصادر: «إذا كان ترمب وعد بـ(تصفير) صادرات إيران النفطية، فكيف يفهم أنه أعفى من العقوبات زبائن النفط الإيراني الرئيسيين، أي الصين والهند وتركيا وإيطاليا، وهي تحتل المراتب الأربعة الأولى في شراء النفط الإيراني؟».
تشي تصريحات ماكرون ولومير بأن باريس ماضية في عملية «لي ذراع» مع واشنطن، في المجالين السياسي - الدفاعي والاقتصادي. وهذا التصعيد يأتي قبل ثلاثة أيام فقط من مجيء الرئيس ترمب إلى باريس للمشاركة في احتفالات المئوية الأولى لانتهاء الحرب العالمية الأولى إلى جانب الرئيس بوتين ومجموعة كبيرة من رؤساء الدول والحكومات. وسيكون هذا التجمع مناسبة لطرح المواضيع الخلافية سواء في لقاءات ثنائية، أو في ورشة العمل الرئيسية التي ستقام تحت اسم «الأمن والسلام»، في إطار «منتدى السلام» الذي نظمته باريس بهذه المناسبة، وتريد تحويله إلى «دافوس سياسي سنوي»، كما هو حال «دافوس» الاقتصادي في المنتجع السويسري المعروف.
ماذا يقول وزير الاقتصاد الفرنسي بعد انطلاق العمل بالسلة الثانية من العقوبات الأميركية في حديثه لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر أمس؟ يؤكد برونو لومير أن بلاده ترفض أن تكون واشنطن «شرطي العالم» الاقتصادي، بمعنى أنها تفرض إرادتها الأحادية على الأطراف الدولية. وما يزعج باريس ومعها العواصم الأوروبية هو «العقوبات العابرة للحدود» التي تطبقها واشنطن بعيداً عن أي قرار دولي، وبعكس العقوبات التي كانت مفروضة على إيران منذ عام 2012، والتي أُقِرّت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن.
وقال لومير إن «أوروبا ترفض أن تمكّن الولايات المتحدة من أن تكون شرطي العالم» مشدداً على أن لأوروبا «سيادتها الاقتصادية» التي تنتهكها القرارات الأميركية عندما تحدد لها، وبشكل منفرد، الأطراف التي تستطيع التعاطي معها اقتصادياً وتجارياً، والأخرى الممنوعة عليها. كذلك يدعو الوزير الفرنسي أوروبا للتمسك بـ«استقلاليتها الاقتصادية».
هذه المبادئ؛ أكانت السياسية الدفاعية أو الاقتصادية التجارية الاستثمارية، بحاجة إلى «ترجمة» ميدانية، وإلا فستبقى بلا مفعول مادي ملموس. ولو تركت جانباً المسائل السياسية والدفاعية، فإنه بمراجعة ما قامت به البلدان الأوروبية الثلاثة المنخرطة في الاتفاق النووي أو الاتحاد الأوروبي لا يبدو أنه يستجيب لتطلعات الاستقلالية والسيادة الاقتصادية.
وللتذكير، فإن «الاتحاد» أقر عملياً مسألتين: الأولى، إعادة تفعيل قانون يعود لعام 1996 ويراد منه أن يوفر الحماية القانونية والمالية للشركات التي أقرت مواجهة العقوبات والإبقاء على تعاملاتها المختلفة مع إيران. والثانية إيجاد آلية يمكن تسميتها بالعربية «صندوق العمليات الخاصة» التي أعلن عنها في نيويورك في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويريد الأوروبيون الذين يسعون لتلافي استخدام العملة الأميركية في تعاطيهم مع إيران من أجل تجنب العقوبات، توفير «قناة» مستقلة تكون بمثابة «غرفة مقاصة» توضع فيها عائدات النفط الإيراني، وتُسحب منها قيمة السلع أو الخدمات التي ستقدمها شركات أوروبية أو غير أوروبية إلى إيران، ما يعيد العملية إلى عهد «المقايضة» البدائي.
ما يزيد الحاجة إلى هذه القناة، القرار الذي صدر عن خدمة «سويفت للتراسل المالي» التي أبعدت بموجبه عدداً غير محدد حتى الآن من البنوك الإيرانية عن تعاملاتها، ما يحرم إيران من الدخول إلى السوق المالية العالمية.
وأمس، وصفت المفوضية الأوروبية، على لسان الناطقة باسمها فيما يخص المسائل الخارجية في المفوضية، قرار «خدمة سويفت» التي مقرها في بروكسيل بأنه «مؤسف». واللافت أن هذه «الخدمة» بررت قرارها بأنه «اتخذ لمصلحة الاستقرار وسلامة النظام المالي العالمي عموماً»، في إشارة ضمنية لقوة الدولار الأميركي، وقدرة واشنطن على التأثير على النظام المالي العالمي.
حقيقة الأمر أن الأوروبيين يعتبرون أن «القناة» التي يعملون لإقامتها هي «الرد» المشترك على التدابير الأميركية. والحال أن هذه القناة رغم الحديث عنها منذ ما يزيد على الشهر لم تر النور بعد. وزراء خارجية ومالية الدول الأوروبية الثلاث المعنية، إضافة إلى فيديريكا موغيريني، اعترفوا بأنهم يعملون على إقامتها، ولكنها تحتاج لمشاورات إضافية، والاتفاق على التفاصيل. وربما الأهم هو مكان إقامتها وكيفية حماية المدينة التي ستحل فيها، من العقوبات الأميركية. ولا يبدو أن لومير يعير الأهمية الكافية لهذه المسألة، إذ أكد أنه «يتعين التوصل إلى إقامة مؤسسة حكومية تستخدم كوسيلة مستقلة لأوروبا من أجل أن تتعامل تجارياً مع أي بلد أو بأية سلعة طالما أن ذلك يتوافق مع القانون الدولي».
هل ستنجح أوروبا في مساعيها؟ السؤال مطروح، والشكوك كبيرة، ولعل أهمها أن هذه الآلية يمكن أن تفيد فقط الشركات التي ليس لها حضور بالأسواق الأميركية، ما يعني أنها الشركات الوسطى والصغرى وحدها. وتكفي نظرة إلى الشركات العالمية متعددة الجنسيات التي انسحبت في الأشهر الأخيرة من السوق الإيرانية للتأكد من محدودية الآلية الموعودة في تحقيق ما يسعى إليه الوزير الفرنسي من سيادة واستقلالية اقتصادية أوروبية.



إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».