باريس تسعى لدور رأس الحربة الأوروبي في مناهضة العقوبات الأميركية

باريس تسعى لدور رأس الحربة الأوروبي في مناهضة العقوبات الأميركية

وزير الاقتصاد الفرنسي: نرفض أن تكون واشنطن شرطي العالم الاقتصادي
الخميس - 29 صفر 1440 هـ - 08 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14590]
وزير الاقتصاد برونو لومير (بلومبرغ)
باريس: ميشال أبو نجم
دعا رئيس الجمهورية الفرنسية إلى إنشاء «جيش أوروبي حقيقي»، أول من أمس، بحيث يمكِّن القارة القديمة من أن «تدافع عن نفسها بشكل سيادي، من غير أن تكون تابعة للولايات المتحدة الأميركية».
والمثير في كلامه أنه في صدد تسميته مصادر الخطر، أشار إلى روسيا والصين والولايات المتحدة، متذرعاً بقرار إدارة الرئيس ترمب الخروج من معاهدة مُبرَمة مع الاتحاد السوفياتي في الثمانينات لتحجيم ترسانة الصواريخ النووية متوسطة المدى لدى الطرفين. وتساءل ماكرون: «مَن ستكون الضحية الرئيسية لهذا القرار؟»، وأجاب: «أوروبا وأمنها».
واضح من كلام ماكرون أن فرنسا تريد أن تدفع أوروبا لتكفَّ عن الاعتماد كلياً على حمايتها لضمان أمنها، ما يعني نظرياً تقليص دور الحلف الأطلسي الذي تقوده واشنطن. لكن باريس لا تريد التوقف فقط عند الجوانب السيادية الأمنية والسياسية، بل إنها تريد أيضًا توفير «السيادة الاقتصادية» للاتحاد الأوروبي، وهو ما شدد عليه مجدداً وزير الاقتصاد برونو لومير في حديث أجري معه، أول من أمس، في العاصمة البلجيكية.
وكان الوزير الفرنسي أول من لوح بهذه الورقة في شهر مايو (أيار) الماضي، عندما قرر دونالد ترمب تمزيق الاتفاق النووي مع طهران المبرم صيف عام 2015، وفرض عقوبات عابرة للحدود على دفعتين، على الشركات التي تتجاهل العقوبات، وتستمر في التعامل مع إيران.
وعندما حل موعد 5 نوفمبر (تشرين الثاني) ودخلت العقوبات المفروضة على قطاعي الطاقة والمال الإيرانيين حيز التنفيذ، وجدت باريس، ومعها شريكتاها في التوقيع على الاتفاقية النووية (بريطانيا وألمانيا)، أنفسهم أمام حائط مسدود.
تقول مصادر فرنسية اقتصادية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، إن ما زاد من «حنق» الفرنسيين أن طلبات الإعفاء التي تقدمت بها باريس إلى واشنطن لشركاتها، وعلى رأسها شركة «توتال» النفطية «لاقت رفضاً قطعياً» من قبل الطرف الأميركي. كذلك كان مصير طلبات الإعفاء لبريطانيا وألمانيا.
وبالمقابل، فإن إدارة ترمب أبدت تساهلاً مع إيطاليا واليونان، وهما الدولتان الأوروبيتان الموجودتان على لائحة البلدان الثمانية التي أُعطيت مهلة إضافية من ستة أشهر تستطيع خلالها الاستمرار في التعاطي مع إيران من غير عقوبات.
وتتساءل هذه المصادر: «إذا كان ترمب وعد بـ(تصفير) صادرات إيران النفطية، فكيف يفهم أنه أعفى من العقوبات زبائن النفط الإيراني الرئيسيين، أي الصين والهند وتركيا وإيطاليا، وهي تحتل المراتب الأربعة الأولى في شراء النفط الإيراني؟».
تشي تصريحات ماكرون ولومير بأن باريس ماضية في عملية «لي ذراع» مع واشنطن، في المجالين السياسي - الدفاعي والاقتصادي. وهذا التصعيد يأتي قبل ثلاثة أيام فقط من مجيء الرئيس ترمب إلى باريس للمشاركة في احتفالات المئوية الأولى لانتهاء الحرب العالمية الأولى إلى جانب الرئيس بوتين ومجموعة كبيرة من رؤساء الدول والحكومات. وسيكون هذا التجمع مناسبة لطرح المواضيع الخلافية سواء في لقاءات ثنائية، أو في ورشة العمل الرئيسية التي ستقام تحت اسم «الأمن والسلام»، في إطار «منتدى السلام» الذي نظمته باريس بهذه المناسبة، وتريد تحويله إلى «دافوس سياسي سنوي»، كما هو حال «دافوس» الاقتصادي في المنتجع السويسري المعروف.
ماذا يقول وزير الاقتصاد الفرنسي بعد انطلاق العمل بالسلة الثانية من العقوبات الأميركية في حديثه لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر أمس؟ يؤكد برونو لومير أن بلاده ترفض أن تكون واشنطن «شرطي العالم» الاقتصادي، بمعنى أنها تفرض إرادتها الأحادية على الأطراف الدولية. وما يزعج باريس ومعها العواصم الأوروبية هو «العقوبات العابرة للحدود» التي تطبقها واشنطن بعيداً عن أي قرار دولي، وبعكس العقوبات التي كانت مفروضة على إيران منذ عام 2012، والتي أُقِرّت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن.
وقال لومير إن «أوروبا ترفض أن تمكّن الولايات المتحدة من أن تكون شرطي العالم» مشدداً على أن لأوروبا «سيادتها الاقتصادية» التي تنتهكها القرارات الأميركية عندما تحدد لها، وبشكل منفرد، الأطراف التي تستطيع التعاطي معها اقتصادياً وتجارياً، والأخرى الممنوعة عليها. كذلك يدعو الوزير الفرنسي أوروبا للتمسك بـ«استقلاليتها الاقتصادية».
هذه المبادئ؛ أكانت السياسية الدفاعية أو الاقتصادية التجارية الاستثمارية، بحاجة إلى «ترجمة» ميدانية، وإلا فستبقى بلا مفعول مادي ملموس. ولو تركت جانباً المسائل السياسية والدفاعية، فإنه بمراجعة ما قامت به البلدان الأوروبية الثلاثة المنخرطة في الاتفاق النووي أو الاتحاد الأوروبي لا يبدو أنه يستجيب لتطلعات الاستقلالية والسيادة الاقتصادية.
وللتذكير، فإن «الاتحاد» أقر عملياً مسألتين: الأولى، إعادة تفعيل قانون يعود لعام 1996 ويراد منه أن يوفر الحماية القانونية والمالية للشركات التي أقرت مواجهة العقوبات والإبقاء على تعاملاتها المختلفة مع إيران. والثانية إيجاد آلية يمكن تسميتها بالعربية «صندوق العمليات الخاصة» التي أعلن عنها في نيويورك في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويريد الأوروبيون الذين يسعون لتلافي استخدام العملة الأميركية في تعاطيهم مع إيران من أجل تجنب العقوبات، توفير «قناة» مستقلة تكون بمثابة «غرفة مقاصة» توضع فيها عائدات النفط الإيراني، وتُسحب منها قيمة السلع أو الخدمات التي ستقدمها شركات أوروبية أو غير أوروبية إلى إيران، ما يعيد العملية إلى عهد «المقايضة» البدائي.
ما يزيد الحاجة إلى هذه القناة، القرار الذي صدر عن خدمة «سويفت للتراسل المالي» التي أبعدت بموجبه عدداً غير محدد حتى الآن من البنوك الإيرانية عن تعاملاتها، ما يحرم إيران من الدخول إلى السوق المالية العالمية.
وأمس، وصفت المفوضية الأوروبية، على لسان الناطقة باسمها فيما يخص المسائل الخارجية في المفوضية، قرار «خدمة سويفت» التي مقرها في بروكسيل بأنه «مؤسف». واللافت أن هذه «الخدمة» بررت قرارها بأنه «اتخذ لمصلحة الاستقرار وسلامة النظام المالي العالمي عموماً»، في إشارة ضمنية لقوة الدولار الأميركي، وقدرة واشنطن على التأثير على النظام المالي العالمي.
حقيقة الأمر أن الأوروبيين يعتبرون أن «القناة» التي يعملون لإقامتها هي «الرد» المشترك على التدابير الأميركية. والحال أن هذه القناة رغم الحديث عنها منذ ما يزيد على الشهر لم تر النور بعد. وزراء خارجية ومالية الدول الأوروبية الثلاث المعنية، إضافة إلى فيديريكا موغيريني، اعترفوا بأنهم يعملون على إقامتها، ولكنها تحتاج لمشاورات إضافية، والاتفاق على التفاصيل. وربما الأهم هو مكان إقامتها وكيفية حماية المدينة التي ستحل فيها، من العقوبات الأميركية. ولا يبدو أن لومير يعير الأهمية الكافية لهذه المسألة، إذ أكد أنه «يتعين التوصل إلى إقامة مؤسسة حكومية تستخدم كوسيلة مستقلة لأوروبا من أجل أن تتعامل تجارياً مع أي بلد أو بأية سلعة طالما أن ذلك يتوافق مع القانون الدولي».
هل ستنجح أوروبا في مساعيها؟ السؤال مطروح، والشكوك كبيرة، ولعل أهمها أن هذه الآلية يمكن أن تفيد فقط الشركات التي ليس لها حضور بالأسواق الأميركية، ما يعني أنها الشركات الوسطى والصغرى وحدها. وتكفي نظرة إلى الشركات العالمية متعددة الجنسيات التي انسحبت في الأشهر الأخيرة من السوق الإيرانية للتأكد من محدودية الآلية الموعودة في تحقيق ما يسعى إليه الوزير الفرنسي من سيادة واستقلالية اقتصادية أوروبية.
ايران إيران سياسة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة