«مارجيلا... سنوات هيرميس»

«مارجيلا... سنوات هيرميس»

معرض يتتبع الفترة التي قضاها في الدار الفرنسية
الخميس - 2 شعبان 1439 هـ - 19 أبريل 2018 مـ رقم العدد [ 14387]
تصاميمه البسيطة مضادة لموجة الإثارة الحسية التي كانت السائدة في تلك الفترة - أسلوبه التفكيكي يظهر في العديد من القطع المعروضة - جانب من المعرض
باريس: «الشرق الأوسط»
قد يكون المصمم مارتن مارجيلا عازفا عن الأضواء لا يرغب فيها ولا يسعى إليها، إلا أن الموضة تصر على إخراجه من الظل وتسليط الضوء على أعماله وتأثيراته على الموضة. بعد المعرض الذي احتضنه متحف أنتوورب عام 2017. وتناول سنواته في دار «هيرميس»، ها هي الدار الفرنسية تتسلم المشعل وتنظم معرضا بنفس العنوان «مارجيلا... سنوات هرميس» في متحف الفنون الزخرفية
the Musée des Arts Décoratifs بباريس سيمتد إلى شهر سبتمبر (أيلول) القادم. معرض يلقي الضوء على سنوات ربما لا يعرفها الجيل الجديد من متابعي الموضة رغم أنها تستحق بعض الإضاءة، لأنه كتب فيها فصلا مهما في تاريخ الدار الفرنسية التي تعتبر من أهم بيوت الأزياء العالمية. تنتظر المرأة إنتاجاتها بلهفة ولا تمانع أن تنتظر أشهرا طويلة للحصول على حقيبة منها.
تعود القصة إلى عام 1997 عندما طلب الراحل جون لويس ديما، الرئيس التنفيذي لـ«هيرميس» من المصمم البلجيكي الأصل أن يتولى تصميم الجانب النسائي للدار. أثار الأمر الكثير من الجدل واللغط. فعالم الموضة كان يتوقع أن يختار جون لويس مصمما معروفا على المستوى العالمي نظرا لمكانة الدار، في حين كان مارتن مارجيلا مصمما لا يحب الأضواء ويتميز بأسلوب مختلف تماما عما كان متعارفا عليه في أوساط الأناقة الراقية. كان يميل إلى الحداثة والابتكار بمعنى الاختبار. فعندما أسس داره الخاصة في عام 1988 لم يكن يرفض الظهور في الصور وإجراء المقابلات ولا حتى وضع اسمه خلف ياقة منتجاته حسب العادة فحسب، بل كان يقدم أزياءه بالمقلوب، وبأقمشة مستعملة يعيد صياغتها وأحذية تبدو مقطعة عند الأصابع أو ملصقة. ولأنه لم يُجر مقابلات صحافية ظل بمثابة الجندي المجهول أو البطل الذي يعمل في الخفاء.
قبل المصمم عرض جون لويس ديما، وبقي في الدار من عام 1997 إلى 2003 صمم فيها تشكيلات لا تزال الدار تعتز بها، لأنها شكلت إلى حد ما شخصيتها بتعزيزها الأناقة الراقية البعيدة كل البعد عن التكلف والبهرجة واللوغوهات وما شابه من أمور كانت الموضة ولا تزال تتبناها. وهذا ما يظهر في 100 قطعة معروضة في متحف «الفنون الزخرفية» بباريس «مهد دار هرميس» كما تقول أمينة المعرض ماري صوفي كارون دو لاكاريير، وهو ما يسري أيضا على مارجيلا. فرغم أنه بلجيكي فإنه أنطلق من باريس التي أسس داره فيها. إلى جانب المعروضات هناك أفلام قصيرة تأخذنا إلى التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية، تحكي فصولا من قصة المصممة حين تسلم وظيفته الفنية وكيف أثر عليها.
تأثيره كان واضحا في التصاميم التي اكتسبت خطوطا في غاية البساطة بأحجام كبيرة كما في الألوان. فمن بين أهم الأشياء التي قام بها أنه تخلص من نقشات الدار وألوانها الصاخبة، متبنيا ألوانا طبيعية وهادئة لا تزال لصيقة بأسلوب الدار إلى الآن وجزء من جاذبيتها. هناك أيضا الياقة المفتوحة على شكل V التي اعتمدها في القمصان والجاكيتات والكنزات الصوفية. تبدو بسيطة، وربما عادية، من بعيد إلا أن التمعن فيها عن قُرب يؤكد عبقريته ودقته في التفصيل التي تجعل كل جزئية في مكانها الصحيح.
ما فرضه مارجيلا على الموضة أنه ألغى مبالغات حقبة الثمانينات ومبالغاتها مؤكدا أن الجمال يكمن أيضا في البساطة. ركز على تفكيك الموضة وإعادة صياغتها بأسلوب حداثي، بما في ذلك عروضه التي كانت تعكس هذه الرؤية المتمردة على الترف بمعناه التقليدي. كان يقيمها في أماكن غريبة ومتفرقة في ضواحي باريس عوض المتاحف والقصور مثل غيره. من نفس المنظور لم تكن قصاته عن الإبهار والإثارة لأنها بالنسبة له لم تكن للمرأة التي تتفرج عليها من الصفوف الأمامية، بل لامرأة ستلبسها وتستعملها في حياتها اليومية.
عبقرية مارجيلا كما يعترف بها العالم الآن لا تكمن في البهارات بل فيما وراء الصورة، بدءا من إتقانه للتفصيل إلى قدرته على ملاءمة الأقمشة ببعض. عناصر أو أولويات كان لها الفضل في إرساء معنى الموضة الحداثية وأثرت على عدد من المصممين الشباب منهم ماركة «فيتمون» التي تعيش عصرا ذهبيا في الوقت الحالي. وهذا يعني أنه أسس لمدرسة جديدة في وقت كان فيه نجوم الموضة هم توم فورد في دار «غوتشي» وميوتشا برادا وكارل لاغرفيلد في دار «شانيل» وجون غاليانو في دار «ديور» وغيرهم. رغم التحديات، نجح في وضع «هيرميس» في مكانة بعيدة عن المقارنات والمنافسة، لأنها جعلها بمثابة المضاد الحيوي لامرأة تريد أزياء راقية لا تتقيد بالموجة السائدة في تلك الفترة مثل الفتحات العالية والصدر المكشوف والتطريزات الغنية. في «هيرميس» كانت هذه المرأة تجد بُغيتها في أزياء راقية وعصرية تجمع الأنوثة بالنُبل في الوقت ذاته، صب فيها لمسة من التفصيل الرجالي على أقمشة ناعمة. كل هذا يكشفه المعرض مؤكدا أن العبقرية لا تحتاج إلى استعراض.
سيمتد معرض «مارجيلا... سنوات هيرميس» إلى 2 من شهر سبتمبر القادم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة