تاريخ المأكولات البحرية عبر السنين

اعتمد البشر على الصيد أواخر العصر الحجري والفراعنة عرفوه كهواية

تاريخ المأكولات البحرية عبر السنين
TT

تاريخ المأكولات البحرية عبر السنين

تاريخ المأكولات البحرية عبر السنين

أكثر من مليار شخص يعتمدون على المأكولات البحرية في العالم، مصدرا أساسيا للبروتين الحيواني. ورغم شهرة كثير من دول العالم بهذه المأكولات، فإن مواطني كل من آيسلندا واليابان والبرتغال من أكثر الأفراد استهلاكا لها في العالم.
وفي مجال التعريف، تقول الموسوعة الحرة إن «المأكولات البحرية، في فن الأكل، هي حيوانات بحرية لا فقارية صالحة للأكل». هذا التعريف يشمل عادة القشريات (الروبيان، وسرطان البحر، والبرنقيل... إلخ)، والرخويات (بلح البحر، والبطلينوس، والقواقع أو المحار، والحبار... إلخ)، وغيرها من الحيوانات البحرية، مثل بعض قنفذيات الجلد (قنفذ البحر).
مهما يكن، فإن الأسماك على أنواعها هي العمود الفقري للأطعمة البحرية التي يستهلكها ويرغبها الناس من قديم الزمان، «وهناك ما يزيد على 32 ألف نوع (فصيلة) من أنواع الأسماك، مما يجعلها أكثر مجموعة تنوعاً من الفقاريات». مجموعات الأنواع السمكية الغذائية الرئيسية: الأنشوفة - الشبوط - القرموط - الزلفيات - القد - السلطعون - الثعابين المائية - الحدوق - الهلبوت - الرنجة - الكركند - الإسقمري - السلمون - السردين - القرنقيد - النهاش - البلطي - التروتة - التونة.
يعود استهلاك السمك والمأكولات البحرية في العالم إلى العصر الحجري القديم الأعلى، أو ببساطة أواخر العصر الحجري، أي ما قبل 50 - 100 ألف سنة من الآن. وهي الفترة التي شهدت انتشار الإنسان الحديث في أوراسيا (قارتا أوروبا وآسيا) وانقراض البشر البدائيين المعروفين بالنيندرتال.
ومن دراسات علماء الآثار على الهياكل العظمية لما يعرف بإنسان تيانيوان (Tianyuan man)، الذي عاش في شرق آسيا قبل 40 ألف سنة، تبين الاستهلاك اليومي للأسماك النهرية. كما أن عثور علماء الآثار على كثير من أكوام الصدف وعظام الأسماك ورسوم الكهوف القديمة، يدل على الدور الكبير للسمك والمأكولات البحرية في بقاء الإنسان.
ويبدو أن معظم تقنيات الصيد الرئيسية التي نعرفها حاليا على اختلافها، قد انتشرت في العالم في العصر الحجري الحديث، أي ما بين 4 - 8 آلاف سنة من الآن.
كما عرف سكان كاليفورنيا القدماء استخدام الصنانير، واستخدمت بعض القبائل السموم النباتية في عمليات الصيد البدائية.
كما استخدم الصيادون الأوائل في الهند - وخصوصا السكان الأصليين في جزر أندامان ونيكوبار - الحراب النحاسية، والأسلاك الطويلة، لصيد الأسماك منذ العصور المبكرة.
كما عرف أهل الهند الصيد قديما جدا، وهناك من الوثائق ما يدل على معرفتهم بصيد اللؤلؤ أيام مملكة البانديائيون التاميلية في القرن الأول قبل الميلاد، كما عرفوا عالم الملاحة وتقنيات صيد الأسماك.

الأساطير

وحسب الأساطير الاسكندنافية، كانت «الإلهة ران» تستخدم شبك صيد السمك لإنقاذ البحارة المفقودين.
وكما هو الحال مع الرومان، تظهر تقنيات الصيد وعالمه في أعمال السيراميك في البيرو القديمة، في أميركا اللاتينية.
وفي الصين يبدأ التاريخ بثلاثة أفراد شبه صوفيين أو أسطوريين، يعلمون الصينيين فنون الحضارة في نحو 2800 - 2600 قبل الميلاد. وكان من بين هؤلاء كان فوهسي المعروف عنه أنه مخترع الكتابة والاصطياد والتفخيخ وصيد السمك.
وجاء ذكر الأسماك في القرآن الكريم عدة مرات: «وتحدث القرآن الكريم والسنة النبوية عن اللحم الطري... لفظ اللحم إذا أطلق يكون المقصود به لحم الأنعام، أما إذا قيد باللحم الطري فالمقصود هو السمك؛ لأن السمك الصالح للأكل يكون طرياً دائماً».
ولطالما اعتمد الفراعنة والمصريون القدماء على نهر النيل وأسماكه الطازجة والمجففة في مآكلهم اليومية، وقد عرف الفراعنة كثيرا من تقنيات الصيد، كما تشير الرسوم على الأضرحة والقبور.
وقد كان الصيد أيام الفراعنة عالما بحد ذاته، وجزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية إلى جانب نهر النيل، إذ شاع الصيد كهواية، وصنعت له قوارب القش الخاصة، والصنانير، والحراب، والشباك، والسلاسل الواقية المصنوعة من فروع الصفصاف. ومع الأسرة الثانية عشرة الحاكمة، عرفت مصر الصنانير المعدنية ذات الأشرطة. وكان الفراعنة أيضا كما يحصل الآن يضربون السمك على رأسه حتى الموت بعد القبض عليه، وقد عرفوا كثيرا من أنواع الأسماك، وعلى رأسها: سمك البرمون النيلي (Nile perch)، والقرموط (Catfish)، والأنكليس (الحنكليس) (Eels).
ولأن مرتبة الصيادين والصيد الاجتماعية كانت مرتبة دنيا في اليونان، لم نر كثيرا من مشاهد الصيد في الثقافة اليونانية القديمة. ومن المواد الفنية القليلة التي عثر عليها في هذا المضمار كأس يعود تاريخه إلى عام 500 قبل الميلاد «يظهر صبيا يجلس على صخرة، مع قضيب صيد في يده اليمنى وسلة في يساره»، وفي الماء ما يبدو أنه قفص للصيد.
وتعود أهم الأعمال الموثقة عن عالم الصيد والسمك إلى الشاعر اليوناني - الروماني أوبيان الكوريكوسي الذي عاش أيام الإمبراطور ماركوس أوريليوس. وقد كتب أوبيان أطروحة (هاليوتيكا) رئيسية عن الصيد البحري، بين عامي 177 و180 قبل الميلاد. ويصف أوبيان في الأطروحة «وسائل الصيد المختلفة، بما في ذلك استخدام الشباك المدلى بها من القوارب... الرماح العادية، والرماح الثلاثية، ومختلف أنواع الفخاخ».
كما كتب المؤرخ اليوناني بوليبيوس أيضا عن عالم الصيد، وخصوصا صيد سمكة السيف (Swordfish).
مهما يكن، فقد كانت عمليات استهلاك المأكولات البحرية والأسماك بشكل خاص تعتمد على طبقة المواطنين الاجتماعية، والمنطقة التي يعيشون فيها. ولذا كانت بعض الأنواع الطازجة من الأخطبوط والحبار والمحار متوفرة بكثرة في المناطق الساحلية والجزر عامة، وكانت تستهلك محليا، وتصدر إلى المناطق الداخلية. كما عرف أهل أثينا قديما سمك السردين وسمك البلم (Anchovies). بأي حال فإن أهل اليونان عرفوا كثيرا سمك التونة الأصفر، و«السلطان إبراهيم»، وسمك الشفانين (Batoidea)، وسمكة السيف، والأنكليس.
ويبدو أنه في بعض المناطق اليونانية كانت أسعار سمك التونة الأزرق أغلى ثلاث مرات من سمك الببغاء (Parrotfishes).
كما أظهرت الحفريات والوثائق الدينية القديمة أن بني إسرائيل قد استهلكوا كثيرا من أنواع الأسماك منذ وجودهم في مصر القديمة، وقد أكثروا من تناوله بعد السبي، وتم العثور على عظام أسماك بحيرة طبرية ونهري العوجا والأردن، في مواقع أثرية كثيرة في فلسطين. ومن الأسماك التي كانت تستهلك أيام بني إسرائيل: السمك البلطي الذي يعيش في المياه الحلوة والقليلة الملوحة، وسمك الأسبور (sea breams)، وسمك القشر (Groupers)، وسمك اللوت (Meagre)، وسمك البوري الرمادي (Grey mullets)، من الأسماك البحرية. ومعظم هذه الأسماك كانت تأتي من البحر الأبيض المتوسط ومن البحر الأحمر، وكثيرا من الأحيان استيرادا من مصر القديمة ومن نهر النيل. وكما هو معروف أن تجارة السمك كانت رائجة بين القدس ومصر، وكانت تجارة مهمة لدرجة أن أطلق على أحد بوابات القدس «بوابة السمك»، نسبة إلى سوق السمك القريبة من البوابة.
وبشكل عام كانت بعض أنواع الأسماك آنذاك حكرا على الطبقات العليا والأغنياء من الناس؛ نظرا لتكاليف تمليح السمك، وتجفيفه، ونقله، وحفظه... إلخ.
معظم الأدلة المصورة عن الصيد الروماني وعالم الأسماك تأتي من الفسيفساء التي تظهر مشاهد الصيد والقوارب والقصب والشباك. ويبدو أن الرومان كانوا يعرفون كثيرا سمك القنجر (Conger)، والكركدن (Lobster)، أو جراد البحر، وقنفذ البحر (Sea urchins)، والأخطبوط، والحبار.
وكان «السلطان إبراهيم» يعتبر نخبة الأنواع الفاخرة في بعض الفترات من حياة الإمبراطورية الرومانية الطويلة؛ لأن حراشيف السمكة تظهر لونا أحمر مشرقا عندما تموت خارج الماء. ولهذا السبب أيضا كانت تترك الأسماك للموت ببطء على طاولة الطعام.


مقالات ذات صلة

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

مذاقات الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

فيما يتعلق بتجار الجبن في الولايات المتحدة، ينبغي أن تكون هذه الأيام ذهبية واعدة.

بيت ويلز (نيويورك)
مذاقات الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

يؤمن الشيف بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية.

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاءً بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

«الشرق الأوسط»
مذاقات طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

لم يكن دخول المطاعم اللبنانية والشرق أوسطية إلى قائمة ميشلان مهمة سهلة، فطريق الوصول إلى هذا التصنيف العالمي المرموق واجه تحديات عديدة مرتبطة بتاريخ هذا المطبخ

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي

أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

في أمسيات الصيف لا تحتاج المائدة إلى أطباق ثقيلة حتى تترك انطباعاً مميزاً لدى الضيوف؛ فغالباً ما تبدأ الحكاية بطبق صغير يحمل ألوان البحر وروائحه المنعشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
TT

الجبن محبوب الجميع... ولكن لماذا يصعب بيعه هذه الأيام؟

الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)
الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان "بيغ تشيز" (نيويورك تايمز)

فيما يتعلق بتجار الجبن في الولايات المتحدة، ينبغي أن تكون هذه الأيام ذهبية واعدة. وفي الشهر المقبل، يُعرض فيلم وثائقي بعنوان «بيغ تشيز» (The Big Cheese) في مركز «إيه إف سي» في مانهاتن، ليُبرز فنون تقطيع الجبن الفاخر، وتغليفه، والتسويق له على الشاشة الكبيرة.

العام الماضي حصد أميركي الميدالية الذهبية في «المهرجان العالمي للجبن» منافسة تقام كل عامين في مدينة تور الفرنسية وذلك للمرة الأولى في تاريخ المسابقة؛ ما جاء بمثابة ذروة مسيرة استمرت عقداً لانتزاع المكانة والتقدير اللذين لطالما هيمن عليهما التجار الأوروبيون. وتتوالى أسباب الاحتفاء حتى على صعيد الصحة العامة؛ إذ يتربع مثلث من الجبن بالقرب من قمة الهرم الغذائي المقلوب الحديث الذي أصدرته الحكومة الفيدرالية عام 2025.

يواجه صناع الاجبان في أميركا تحديا كبيرا حاليا (نيويورك تايمز)

ومع ذلك لا يبدو تجار الجبن، في معظمهم، مبتهجين بالأمر؛ إذ يساورهم قلق بالغ بشأن مستقبل مهنتهم. أما السبب، فإنه يكمن في أن الفوضى العارمة الناجمة عن الرسوم الجمركية والحروب المشتعلة في الشرق الأوسط تسببتا في ارتفاع أسعار الكثير من أنواع الجبن، سواء المستوردة منها، أو المحلية.

كما زاد اعتماد سلاسل المتاجر الكبرى، بشكل متزايد، على توفير قطع الجبن الجاهزة، والمغلفة آلياً، ما أدى إلى إلغاء وظائف التجار، والبيع بأسعار لا تستطيع المنافذ المستقلة مجاراتها. وتواجه المتاجر الأصغر صعوبة في إيجاد شباب شغوفين ومبدعين يرضون بالعمل بحد أدنى من الأجور، أو أعلى منه بقليل، للوقوف طوال اليوم على أقدامهم للاعتناء بقوالب الجبن الضخمة، والموشاة بالعفن الأزرق النفاذ، أو أقراص الجبن ثلاثية القشدة الفاخرة التي تسيل كالعسل.

ورغم افتتاح متاجر جبن جديدة مؤخراً، والتوسع الدؤوب لسلسلة متاجر «كروغر» الذي أتاح منافذ علامة «مورايز» في مئات المواقع، فإن مراكز متخصصة عريقة ومحترمة أغلقت أبوابها في جميع أنحاء البلاد. وشهدت الأعوام القليلة الماضية فقدان أسماء بارزة صاغت معايير الجودة في هذا المجال، مثل «محل جبن بيدفورد» في نيويورك، و«سوبرماركت جبن دي تي ليف إيه» في لوس أنجليس، و«محل جبن سالم» في ماساتشوستس، والذي أرجع السبب إلى «ارتفاع التكاليف، وتضاؤل هامش الربح».

بائعو الأجبان في حالة غير مستقرة حاليا (نيويورك تايمز)

أما بقية التجار الذين طالتهم شرارة هذه الظروف، فلا يسعهم سوى القلق على أعمالهم. وعن ذلك قالت هانا كيني، التي تتولى الإشراف على نحو ستين نوعاً من الجبن من مختلف أنحاء العالم في «سوبرماركت جيبيرد» بحي لا هولا في سان دييغو، إن الزبائن يتوافدون باستمرار منذ افتتحت هي وزوجها المتجر قبل خمسة أشهر. ومع ذلك، فإن خطر الإفلاس لا يغيب عن ذهنها أبداً.

وأضافت كيني: «كنت مرعوبة من ألا ينجح الأمر على الإطلاق، بسبب كل هذه المتاجر التي تغلق أبوابها. إنه لأمر يفطر القلب حقاً أن ترى أشخاصاً كرسوا حياتهم ومسيرتهم المهنية لهذه الصناعة، ويُضطرون لإغلاق متاجرهم».

فيما يتعلق ببائع الجبن، فهو شخص يبيع الجبن، لكن بائعي الجبن البارعين يتجاوز دورهم حدود ذلك، فإنهم في واقع الأمر أقرب إلى كونهم مترجمين، حيث يفهمون رغبات المتسوقين الذين قد لا تتجاوز مفرداتهم مصطلحات مثل طري، صلب، حاد، أزرق. كما يعملون بمثابة متسوقين شخصيين، لأنهم ينقبون بين عشرات الأنواع المعروضة لاختيار النوع الذي يلبي كل ما يحتاجه العميل، بالإضافة إلى ما يرضيه من نكهات قد لا يعرف كيف يطلبها. كما أنهم مثقفون، فهم يشاركون معلومات قيّمة عن الجبن، وسماته، وتاريخه، وكيف تعكس نكهته الفترة التي صُنع فيها، والمراعي التي جرى فيها رعي الحيوانات، بل أحياناً حتى شخصية الراعي، أو راعي البقر، أو راعي الماعز. كما أنهم يدافعون عن صانعي الجبن الذين نادراً ما يخرجون عن الحظائر، ومصانع الألبان، والكهوف التي يعملون فيها، والتي تبعد مئات أو آلاف الأميال.

يواجه صناع الأجبان حاليا تحديا كبيرا بسبب الوضع الاقتصادي والحروب (نيويورك تايمز)

من جهتها، علقت جودي أولسن ريد، التي تحرص على صناعة كل قطعة جبن بنفسها في مزرعة شيبردز واي في مينيسوتا -من حليب الأغنام التي يربيها زوجها- بقولها: «إنه دور بالغ الأهمية. علينا أن نثق في بائعي الجبن، وأنهم يحملون بداخلهم حماساً ووفاءً تجاه الجبن مثلنا. وعندما يكونون كذلك، فهذا أمر رائع».

من ناحية أخرى، ليس كل العمل لفظياً فحسب، فالبائعون يتولون، بشكل روتيني، نقل قطع جبن بارميجيانو ريجيانو التي تزن 90 رطلاً، وشق قطع جبن كومتي بسلك ذي مقبضين، ولف ثم إعادة لف قطع الجبن بغلاف بلاستيكي مشدود، وناعم كالحرير. أما عمل التلميع -الرش، والتمليح، والنقع، والتتبيل، والتنظيف بالفرشاة- فهو أقل إجهاداً من الناحية البدنية، لكنه بالغ الأهمية للوصول بالجبن إلى أفضل حالاته في اليوم الذي يصل فيه إلى سلة الزبون.

وتتجلى الكثير من هذه المهارات في فيلم «بيغ تشيز»، وهو توثيق لفعالية «دعوة بائعي الجبن» لعام 2023، حيث تنافس نحو أربعين بائع جبن في 15 فئة من الخبرة في صناعة الجبن، وتأهل الفائزون إلى «الكأس العالمية للجبن» في ذلك العام.

وسعى آدم جاي موسكوفيتز، منظم الفعالية، والمنتج التنفيذي لفيلم «بيغ تشيز»، بصفته مستورداً وموزعاً للجبن، جاهداً طوال سنوات لإنتاج هذا الفيلم. وقال: «هدفي من هذا الفيلم أن تخرج من السينما، وتفكر في بائع الجبن المحلي لديك، وتشتري الجبن».

قالب من الجبن الأيطالي (نيويورك تايمز)

من جهتها، أخبرت إميليا دالبيرو، الحائزة على الميدالية الذهبية في مسابقة «مونديال دو فروميغ»، العام الماضي، بائعة الجبن التي فازت بالميدالية البرونزية، كورتني جونسون، بأنها تضطر كثيراً لشرح أن بائعي الجبن لا يصنعون الجبن.

وقالت جونسون: «من المؤكد أن معظم الأميركيين لا يزالون لا يعرفون بائع الجبن المحلي لديهم، لأنهم قد لا يملكون واحداً، وقد لا يملكون متجراً متخصصاً في صناعة الجبن. لا يوجد متجر في كل مدينة رئيسة، وبالتأكيد ليس في كل بلدة صغيرة».

من ناحية أخرى، تُشكّل رواتب العاملين في مجال العناية بالأجبان وخدمة الزبائن عبئاً كبيراً على إيرادات متاجر الأجبان. وقال باتريك واتسون، مالك متجر «ستينكي بروكلين» سابقاً في بروكلين، إن العمل كان يتطلب نحو ستة موظفين يومياً. وفي الوقت الذي كان متجره للنبيذ في الشارع نفسه يحتاج إلى ثلاثة موظفين فقط، فإنه كان يحقق ضعف المبيعات، أو ثلاثة أضعافها. وأضاف أن نقص الموظفين كان «السبب العاشر من بين عشرين» الذي دفعه هو وزوجته إلى عدم إعادة فتح «ستينكي» بعد إغلاقه في بداية الجائحة.

وقالت دالبيرو، الحائزة على الميدالية الذهبية، إنه عندما توقف توزيع العينات، لجأ الكثير من بائعي الأجبان إلى صقل مهاراتهم في الوصف الحسي لإتمام عمليات البيع، وهي مهارة تعود بالنفع على الجميع من وجهة نظرها.

إلا أن ما بدأ كإجراء وقائي مؤقت سرعان ما تحوّل إلى تكتيك لخفض التكاليف. وقالت دالبيرو وآخرون إن الكثير من المتاجر ما زالت تعتمد نموذج «الطلب السريع». وفي الوقت نفسه يجمع البعض الآخر بين الطريقتين القديمة والحديثة، مع تقطيعهم الأجبان حسب الطلب، لتوفير كميات أكبر من الأجبان المُعبأة مسبقاً، مقارنةً بما كانوا يوفرونه سابقاً. ويبرز التوجه نحو الشراء السريع بشكل خاص في بعض سلاسل متاجر البقالة، بما في ذلك «هول فودز»، التي اشتهرت قبل عقد أو عقدين من الزمن بوجود بائعين شغوفين، وملمين بالمنتجات خلف العديد من أقسامها.

في مطلع هذا العام أغلق كيث آدامز، صانع الجبن من كاليفورنيا، علامتيه التجاريتين: «أليمار تشيز» و«ويليام كوفيلد تشيزميكرز». وأوضح أن عوامل عديدة دفعته للخروج من هذا المجال، لكن من أبرزها الصعوبة المتزايدة التي واجهها، كمنتج صغير، في إقناع سلاسل متاجر مثل «هول فودز» ببيع منتجاته.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
TT

الشيف بسّام فتوح لـ«الشرق الأوسط»: الطهي تجربة تحمل ذاكرة وهوية

مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)
مائدة غنية بالنكهات (الشرق الأوسط)

يؤمن الشيف بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «فلسفتي في العمل تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ذواقة اليوم، لذلك تجمع أطباقي بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».بسام فتوح هو الشيف الرئيس في مطعم «فيروز» فيستحضر فيه روح لبنان في قلب القاهرة، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، تشعر وأنت تتناول المازة اللبنانية وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، لتخرج بعدها وأنت تدندن أغنية «بحبك يا لبنان».

أطباق تأخذك في رحلة إلى لبنان (الشرق الأوسط)

يسعى الشيف فتوح بأن يكون هذا المكان أشبه بواحة يشعر فيها الزائر وكأنه دخل كهفاً أو مغارة في جبل لبنان، إذ تقوم فلسفة المكان على تجسيد روح لبنان، أما العمل داخل هذه المغارة فهو أشبه بـ«خلية نحل»، فالشيف، والطهاة المساعدون والنُّدُل هم في رحلة بحث دائمة عن الأفضل، وتحدي الحفاظ على الجودة، حيث يتم إشراك الزبائن في تقييم الأطباق، والاستماع إلى اقتراحاتهم لتطوير التجربة، مع متابعة ما تقدمه المطاعم اللبنانية الأخرى، من أجل مواكبة المنافسة.

ونتيجة هذا العمل الدؤوب، ووجود «فيروز» ضيفاً دائماً على مواقع الترشيحات، وكان آخرها تصنيفه من بين أفضل 10 مطاعم فاخرة في العالم، وفق اختيار المسافرين بموقع TripAdvisor لعام 2025.

يعي فريق العمل أن الحصول على الجائزة ليس مجرد تكريم، بل مسؤولية تستدعي الحفاظ على مستوى التجربة، التي تبدأ بحضور الهوية اللبنانية، مع الحرص على أن تكون المكونات المستخدمة لبنانية أصيلة، بدءاً من المقبلات والتوابل وصولاً إلى الأطباق الرئيسية والحلويات. كما يتم إعداد جميع المخبوزات داخل المطعم لضمان الطابع الأصيل، والتي تُعد داخل فرن خاص، بحيث تستقبل روائحها الزائر مع أول خطواته، مع الحرص على أن تكون المواد الأساسية، مثل الأعشاب والمكونات الرئيسية، ذات مصدر لبناني.

ديكورات بسيطة تذكرك بالمتوسط (الشرق الأوسط)

ومن أسس التجربة أن الشيف فتوح لبناني ويقوم بنفسه بتدريب فريق الطهاة على الوصفات اللبنانية الأصيلة، كما يتذوق الأطباق بنفسه قبل خروجها إلى الزبائن، ويستمع أيضاً إلى تعليقاتهم عليها.

يؤمن الشيف فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. ويضيف : «فلسفتي داخل (فيروز) تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ضيوف اليوم، لذلك تجمع قائمة المطعم بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيف فتوح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

نكهات تعتمد على المكون الصحيح (الشرق الأوسط)

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة .

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها الشيف فتوح مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز «فيروز» بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».

لا تقتصر النكهة اللبنانية داخل «فيروز» على أطباقه، بل تمتد إلى أركانه كافة، عبر استحضار روح لبنان في كل تفاصيل المكان، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها ووفقاً لاسمه، يظهر اللون الفيروزي بما يعكس البحر والصفاء والهدوء، ويترجم كذلك في وحدات الإضاءة ليمنح الزائر إحساساً بالراحة، كما يمتد إلى زخارف الأطباق التي تعكس الذوق الشامي، سواء تلك التي تقدم فيها الأطعمة أو المعلقة للزينة في أرجاء المطعم.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، يشعر الزائر وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، ليخرج من المطعم بعد أن أنهى رحلته مُدندناً: «بحبك يا لبنان».

يمتلك «فيروز» قائمة طعام «دسمة» في جميع أقسامها، يكمن فيها تميز المطعم. تبدأ القائمة مع المقبلات اللبنانية الباردة والساخنة التي تكتسب شهرة كبيرة، ويرشح الشيف بسام من بين أصنافها تذوق الحمص بالأفوكادو، والكبة المقلية، والفتوش، كونها تمثل روح المطبخ اللبناني الحقيقي.

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة والمذاق الراقي.

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميز.

ومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها شيف المطعم مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز المطعم بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».

لا تقتصر النكهة اللبنانية داخل «فيروز» على أطباقه، بل تمتد إلى أركانه كافة، عبر استحضار روح لبنان في كل تفاصيل المكان، فاللوحات الجدارية تروي حياة اللبنانيين القدماء على البحر، من الصيد وتربية الحيوانات، إلى شكل البيوت وألوانها.

ووفقاً لاسمه، يظهر اللون الفيروزي بما يعكس البحر والصفاء والهدوء، ويترجم كذلك في وحدات الإضاءة ليمنح الزائر إحساساً بالراحة، كما يمتد إلى زخارف الأطباق التي تعكس الذوق الشامي، سواء تلك التي تقدم فيها الأطعمة أو المعلقة للزينة في أرجاء المطعم.

وبينما ينساب صوت «فيروز» في خلفية المكان بألحان «نسّم علينا الهوى»، يشعر الزائر وكأن نسمات من جبال لبنان قد عبرت إليه وسط زحام القاهرة، ليخرج من المطعم بعد أن أنهى رحلته مُدندناً: «بحبك يا لبنان».كما هو صوتها المغلف بالدفء، يأخذك مطعم «فيروز»، في رحلة دافئة إلى لبنان وروحه، ماراً بين روائح أطعمته الشهيرة، ومتجولاً بين مذاقاته المتنوعة، مقدماً لزبائنه أشهى الأطباق اللبنانية.مع الخطوات الأولى في هذه الواحة يشعر الزائر وكأنه دخل كهفاً أو مغارة في جبل لبنان، إذ تقوم فلسفة المكان على تجسيد روح لبنان، بدءاً من الكرم في كميات الطعام، مروراً بالديكور والألوان والرسومات، وصولاً إلى الموسيقى والرقصات التقليدية مثل الدبكة، بحيث يشعر الزائر منذ لحظة دخوله أنه في قطعة من الجبل اللبناني.

أما العمل داخل هذه المغارة فهو أشبه بـ«خلية نحل»، فشيف المطعم ومديره، والطهاة والنُّدُل، ومن خلفهم فريق التسويق بالفندق، في رحلة بحث دائمة عن الأفضل، وتحدي الحفاظ على الجودة، حيث يتم إشراك الزبائن في تقييم الأطباق، والاستماع إلى اقتراحاتهم لتطوير التجربة، مع متابعة ما تقدمه المطاعم اللبنانية الأخرى، من أجل مواكبة المنافسة والبقاء على مستوى يليق بالهوية اللبنانية المقدمة.

ونتيجة هذا العمل الدؤوب، ووجود «فيروز» ضيفاً دائماً على مواقع الترشيحات، وكان آخرها تصنيفه من بين أفضل 10 مطاعم فاخرة في العالم، وفق اختيار المسافرين بموقع TripAdvisor لعام 2025.

يعي فريق العمل أن الحصول على الجائزة ليس مجرد تكريم، بل مسؤولية تستدعي الحفاظ على مستوى التجربة، التي تبدأ بحضور الهوية اللبنانية، مع الحرص على أن تكون المكونات المستخدمة لبنانية أصيلة، بدءاً من المقبلات والتوابل وصولاً إلى الأطباق الرئيسية والحلويات. كما يتم إعداد جميع المخبوزات داخل المطعم لضمان الطابع الأصيل، والتي تُعد داخل فرن خاص، بحيث تستقبل روائحها الزائر مع أول خطواته، مع الحرص على أن تكون المواد الأساسية، مثل الأعشاب والمكونات الرئيسية، ذات مصدر لبناني.

ومن أسس التجربة أن الشيف الرئيسي للمطعم لبناني، يدرب فريق الطهاة على الوصفات اللبنانية الأصيلة، بما يضمن التزامهم بالمعايير الدقيقة للمطبخ اللبناني، كما يتذوق الأطباق بنفسه قبل خروجها إلى الزبائن، ويستمع أيضاً إلى تعليقاتهم عليها.

يؤمن شيف المطعم بسّام فتوح بأن الطهي ليس مجرد إعداد طعام، بل تجربة متكاملة تحمل ذاكرة وثقافة وهوية. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «فلسفتي داخل (فيروز) تقوم على احترام المطبخ اللبناني الأصيل، مع تقديمه بروح عصرية راقية تناسب ضيوف اليوم، لذلك تجمع قائمة المطعم بين الوصفات التقليدية المعروفة، والنَّفَس الحديث في التقديم والتفاصيل، مع التركيز على جودة المكونات والمذاق المتوازن».

يمتلك «فيروز» قائمة طعام «دسمة» في جميع أقسامها، يكمن فيها تميز المطعم. تبدأ القائمة مع المقبلات اللبنانية الباردة والساخنة التي تكتسب شهرة كبيرة، ويرشح الشيف بسام من بين أصنافها تذوق الحمص بالأفوكادو، والكبة المقلية، والفتوش، كونها تمثل روح المطبخ اللبناني الحقيقي.

ومن بين الأطباق الرئيسية، يرشح الشيش طاووق، والريش المشوية، والموزة المحمرة مع الريزوتو اللبناني، لأنها من أكثر الأطباق التي تترك انطباعاً قوياً لدى زواره، والتي يطلبونها خصيصاً، لافتاً إلى أن «طبق الموزة المحمرة أو المشاوي اللبنانية المشكلة يعكس شخصيتي في المطبخ بشكل كبير، لأنهما يجمعان بين الدقة والصبر واحترام النكهة الأصلية، كما أنهما أطباق تحتاج إلى عناية في التتبيل والطهي البطيء لتصل إلى الضيف بطعم غني ومتوازن، وفي الوقت نفسه تحمل لمسة فخامة في التقديم».

أما طبق الريزوتو اللبناني، فهو يجمع بين قوام الأرز الكريمي والتوابل اللبنانية الأصيلة، ليقدم طبقاً يحتفي بالنكهات الجريئة والمذاق الراقي.

بعد مائدة عامرة بأصناف المقبلات والأطباق الرئيسية، يأتي «مسك الختام» بتناول الحلويات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل «غزل بيروت»، التي يقدمها المطعم بطريقة إعداد أصيلة وبنكهة عصرية، بالإضافة إلى الكنافة اللبنانية، التي يرشحها الشيف لضيفه الذي يفضل أن ينهي التجربة بطعم دافئ ومميز.

ومع تجولنا بين أصناف «فيروز»، لاحظنا أن أطباقه، ولا سيما المقبلات، أشبه بلوحة فنية تجمع ألواناً مختلفة، وهي ملاحظة يؤكدها شيف المطعم مبتسماً: «هو أمر مقصود، لأن العين تتذوق قبل الفم، وأنا أؤمن أن تقديم الطبق جزء أساسي من التجربة، لذلك نهتم بتناسق الألوان والخامات وطريقة الترتيب داخل الطبق».

ويختتم الشيف مؤكداً أن فوز المطعم بجائزة TripAdvisor لعام 2025 مصدر فخر كبير، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة، «فالجائزة تعني أن ضيوفنا يثقون في التجربة التي نقدمها، لذلك يصبح الحفاظ على هذا المستوى، بل وتطويره باستمرار، هو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا».


عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
TT

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاء بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

ويُقام المهرجان على ارتفاع يزيد على 2.000 متر فوق سطح البحر، ويمتد على مدى خمسة أيام تجمع بين التراث المحلي والتجارب الأصيلة وفنون الطهي المستوحاة من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وسط طبيعة الجبل الأخضر الخلابة.

المعروف عن الجبل الأخضر أنه يتميز بمناخ نادر يشبه مناخ منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما يجعله أحد الأماكن القليلة في شبه الجزيرة العربية التي تزدهر فيها أشجار الزيتون. وأصبح موسم الحصاد السنوي رمزاً للإرث الزراعي الغني للمنطقة، حيث ينتج المزارعون المحليون زيوت زيتون استثنائية تعكس الخصائص الفريدة للبيئة الجبلية.

عمان تستقبل مهرجان الزيتون بنسخته الخامسة (الشرق الأوسط)

وينظم منتجع أنانتارا الجبل الأخضر بمناسبة الاحتفال بالمهرجان جولات منظمة لعيش تفاصيل وتقاليد موسم الحصاد من خلال رحلات مخصصة لقطف الزيتون برفقة مرشدين، وتجربة الطهي والأنشطة الثقافية. وتنطلق هذه الفعاليات ابتداء من الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول)، ويقوم الشيف مارتين أريستوندو بإعداد أطباق مستوحاة من مطبخ إقليم الباسك في إسبانيا تعتمد على زيت الزيتون.

تقام في الجبل الأخضر بعمان العديد من الفعاليات بمناسبة مهرجان الزيتون (الشرق الأوسط)

تشمل أبرز فعاليات المهرجان مسابقات قطف الزيتون، وسوق الزيتون وزيت الزيتون التي تستعرض المنتجات المحلية والحرفية، بالإضافة إلى حصص لتعلم الطهي الإسباني في «نقطة ديانا» المطلّة على الوادي، بالإضافة إلى جولات برفقة مرشدين في معاصر الزيتون وجلسات تذوّق بإشراف الدكتور علي الفرقاني. وخلال تجربة «حكايات الزيتون على الفطور»، يتم التعرف على القصص والتقاليد والنكهات المرتبطة بموسم الحصاد في الجبل، من خلال زيت الزيتون المنتجة محلياً والمأكولات التقليدية من المنطقة.

وتتواصل تجارب الطهي طوال أيام المهرجان مع أطباق مستوحاة من مطبخ البحر الأبيض المتوسط تحتفي بتنوّع استخدامات الزيتون. ويحتفي مطعم بيلا فيستا الإيطالي بالمهرجان من خلال ابتكار أطباق يستخدم فيها زيت الزيتون والمنتجات الموسمية التي تصنع في الجبل الأخضر.

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

بدأت زراعة أشجار الزيتون في عُمان خلال تسعينات القرن الماضي، مع إدخال أصناف من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى، تأقلمت تدريجياً مع مناخ الجبل الفريد. واليوم، يحتفي مهرجان حصاد الزيتون السنوي بهذه المسيرة الزراعية المميّزة، ويقرّب الضيوف من المزارعين والتقاليد والحرفية التي تقف وراء أحد أهم المواسم الزراعية في عُمان.