سرطان الثدي... عوامل خطر متعددة

الكشف المبكر يرفع فرص الشفاء لأكثر من 95 %

سرطان الثدي... عوامل خطر متعددة
TT

سرطان الثدي... عوامل خطر متعددة

سرطان الثدي... عوامل خطر متعددة

يعد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان انتشاراً لدى النساء في جميع أنحاء العالم، وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية (WHO). ووفقاً للصندوق الدولي لأبحاث السرطان WCRF فقد تم تشخيص ما يقرب من 1.7 مليون حالة جديدة في عام 2012، ما جعله ثاني أكثر أنواع السرطان شيوعاً. ويمثل هذا نحو 12٪ من جميع حالات السرطان الجديدة، و25٪ من جميع أنواع السرطان لدى النساء. كما وأن سرطان الثدي هو السبب الخامس الأكثر شيوعاً للوفاة. ويعتبر هذا الشهر شهر التوعية بسرطان الثدي.
وتختلف معدلات البقاء على قيد الحياة لسرطان الثدي من دولة لأخرى، ولكنها بشكل عام قد تحسنت في العقد الأخير. ويرجع ذلك إلى أن سرطان الثدي بات يشخص في مرحلة مبكرة من الإصابة في الدول التي توفر لسكانها إمكانية الحصول على الرعاية الطبية، ولديها تطوير مستمر في استراتيجيات العلاج. ونجد، الآن، في كثير من البلدان التي لديها رعاية طبية متقدمة، أن معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات من الإصابة بسرطان الثدي في مرحلة مبكرة يصل إلى 80 - 90 في المائة، وينخفض إلى 24 في المائة للحالات التي يتم تشخيصها في مرحلة أكثر تقدماً.
وسجل أعلى معدل لسرطان الثدي في بلجيكا، تليها الدنمارك وفرنسا ثم أميركا الشمالية وأوقيانوسيا. وأقل معدل في آسيا وأفريقيا، ويتم تشخيص حالات الإصابة بسرطان الثدي بشكل طفيف في البلدان الأقل نمواً (53 ٪). وتشير التقديرات الوقائية إلى أن نحو 22٪ من حالات سرطان الثدي في البرازيل يمكن الوقاية منها بعدم شرب الكحول، والنشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي.
وفي السعودية، بلغ عدد حالات سرطان الثدي 1853 حالة في عام 2013، حسب إحصاءات السجل السعودي للأورام، الذي أشار إلى أن معدل الإصابة كانت 25 لكل 100.000 نسمة، ومتوسط العمر 50 سنة.

مسببات السرطان
نشر في مايو (أيار) 2017 آخر التقارير الرسمية التي صدرت حول سرطان الثدي من الصندوق الدولي لأبحاث السرطان. ويعتبر هذا التقرير الأكثر دقة ومنهجية وتحليلاً علمياً من بين البحوث العلمية المتاحة حالياً، وقد ركز على علاقة النظام الغذائي والوزن والنشاط البدني بسرطان الثدي، وتحديد أي من هذه العوامل تزيد أو تقلل من خطر الإصابة بهذا السرطان. وللتوصل إلى نتائج هذا التقرير، قام فريق بحث من كلية إمبريال كوليدج في لندن، بجمع وتحليل بيانات 119 دراسة من جميع أنحاء العالم، شارك فيها أكثر من 12 مليون امرأة وأكثر من 260000 حالة سرطان ثدي، ثم تم تقييمها بشكل مستقل من قبل لجنة من كبار العلماء الدوليين.
وبناءً على نتائج هذه الدراسة، تم تحديث قسم سرطان الثدي في التقارير السابقة، وتم تصنيف حالات سرطان الثدي عن طريق «حالة انقطاع الطمث» إلى سرطان الثدي قبل انقطاع الطمث وبعد سن اليأس.
إن من المستجدات في سرطان الثدي، ما خلصت إليه اللجنة المختصة بالتحديث المستمر لمؤشرات سرطان الثدي الأميركية (The Continuous Update Project Panel) من وجود أدلة قوية على أن استهلاك المشروبات الكحولية، وزيادة الوزن عند الولادة، وزيادة الطول عند الولادة، هي من أسباب وعوامل الخطورة لسرطان الثدي الذي يحدث قبل انقطاع الطمث، وأن النشاط البدني العنيف وزيادة الدهون في الجسم تعتبر من عوامل الحماية ضد سرطان الثدي الذي يحدث أيضاً قبل انقطاع الطمث.
أما بالنسبة لسرطان الثدي الذي يحدث بعد سن اليأس، فقد رأى أعضاء فريق اللجنة أن هناك دليلاً قوياً على أن استهلاك المشروبات الكحولية، وزيادة الدهون في الجسم طوال مرحلة البلوغ، وزيادة الوزن والطول عند الكبار هي من أسباب سرطان الثدي بعد سن اليأس. وأن النشاط البدني (بما في ذلك النشاط البدني القوي) وزيادة دهون الجسم في سن البلوغ يحمي من سرطان الثدي بعد سن اليأس. وبالإضافة إلى ذلك، رأى الفريق أيضاً أن هناك أدلة قوية على أن الرضاعة الطبيعية تحمي من سرطان الثدي، بغض النظر عن وقت حدوثه قبل أو بعد سن اليأس.

عوامل الخطر
تشير معظم الدراسات والبحوث التحليلية حول الوقاية من السرطان والبقاء على قيد الحياة الصادرة عن مركز التحديث المستمر (continuous update project, CUP) لدراسات السرطان إلى أن معظم أنواع سرطان الثدي تكون ذات صلة بالهرمونات، وأن التاريخ الطبيعي للمرض يختلف من مريضة لأخرى، وفقاً للتشخيص ما إذا كان قد تم قبل أو بعد انقطاع الطمث، وقد يكون بسبب أنواع مختلفة من الورم، وربما أيضاً لتأثيرات مختلفة من عوامل أخرى كالتغذية وتأثيرها على الهرمونات اعتماداً على حالة انقطاع الطمث. وإلى جانب ذلك فهناك عوامل خطر أخرى يرتبط سرطان الثدي بها، مثل البلوغ المبكر قبل عمر 12 سنة، وحدوث أعراض سن اليأس متأخراً بعد عمر الـ55، وعدم الحمل أو إنجاب الطفل الأول بعد سن الثلاثين. كل هذه الحالات تعرض المرأة إلى زيادة سنوات التعرض لهرمون الإستروجين والبروجسترون، وزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي. والعكس ينطبق أيضاً: فتأخر بداية الحيض، وانقطاع الطمث في وقت مبكر، والحمل والولادة قبل سن 30 كلها عوامل تقلل من خطر الإصابة بسرطان الثدي.
إن التعرض الإشعاعي المتأين خلال العلاج الطبي مثل الأشعة السينية، وخصوصاً أثناء سن البلوغ، يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، حتى مع الجرعات المنخفضة منه. وكذلك العلاج الهرموني الذي يحتوي على هرمون الإستروجين مع أو من دون البروجسترون يزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي، ويكون الخطر أكبر عند استخدام الاثنين معاً. إن وسائل منع الحمل التي تحتوي على كل من هرمون الإستروجين والبروجسترون، وتؤخذ عن طريق الفم هي أيضاً ترفع خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الشابات، ولكن بنسبة بسيطة.

درء الإصابة
• هل يمكن التحكم في عوامل خطر الإصابة بسرطان الثدي؟
هناك عوامل ثابتة لا يمكن التحكم بها، ومنها:
- الجنس، النساء معرضات لخطر الإصابة أكثر من الرجال.
- العمر، التقدم في العمر أحد أكثر عوامل الخطورة تأثيراً حيث تم تسجيل غالبية حالات الإصابة بهذا المرض لدى النساء اللاتي بلغن سن 55 عاماً أو أكثر.
- العوامل الوراثية، فوجود جينات محددة عند البعض يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة.
- التاريخ العائلي، وجود تاريخ عائلي في شجرة العائلة وخصوصاً «الأم، الأخت، الابنة» بإصابتهم بسرطان الثدي أو سرطان المبيض.
- وجود تاريخ مرضي بالإصابة، يعرض المرأة إلى خطر أكبر للإصابة مرة أخرى.
- البلوغ المبكر، قبل سن 12 سنة أو تأخر انقطاع الطمث بعد سن 55 سنة.
- عدم الإنجاب، أو الإنجاب بسن متأخر فوق الـ30.
وهناك عوامل يمكن التحكم فيها وتقليل خطر الإصابة:
- أنماط الحياة الصحية، بترك حياة الركود، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام بمعدل نصف ساعة يومياً، وتناول غذاء صحي يتضمن الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة، وإتباع الرضاعة الطبيعية فهي تقلل من خطر الإصابة بسرطان الثدي، وتجنب السمنة والمحافظة على الوزن المثالي.
- الفحص والاكتشاف المبكر، إن من المهم أن تكون كل امرأة هي طبيبة نفسها، وعليها التعرف على شكل الثديين وملمسهما في حالتهما الطبيعية، واكتشاف أي تغيرات مهمة في الثديين، وإبلاغ الطبيب فوراً عند ظهور أي عوارض مرضية على الثدي.
- ممارسات يمكن تطبيقها أو تفاديها، مثل: الإرضاع الطبيعي، وممارسة الرياضة، واستخدام حبوب منع الحمل، والمعالجة الإشعاعية على الصدر لسرطان سابق بعمر مبكر، والعلاج ببدائل الهرمونات لمرحلة انقطاع الطمث، ومحاربة السمنة.

الأعراض والكشف المبكر

إن 90 في المائة من الكتل في الثدي هي كتل حميدة، قد تكون أوراماً ليفية أو تكيسات أو غيرها. كما أن معظم تغيرات الثدي هي بسبب التغيرات الهرمونية التي تصاحب المرأة خلال نموها، خصوصاً في مراحل البلوغ، والحمل، والرضاعة، وفترة ما قبل الدورة الشهرية وبعدها، وأخيراً مرحلة انقطاع الطمث.
أما علامات وأعراض المرض فتتمثل في ظهور:
- ورم في منطقة الثدي أو تحت الإبط.
- تغير في حجم أو شكل الثدي.
- تغير في لون أو مظهر جلد الثدي أو الحلمة (إحمرار - سماكة).
- إفرازات غير طبيعية من الحلمة، كالإفرازات الدموية.
- انكماش أو انقلاب الحلمة.
- ألم في الحلمة أو الثدي.
أما الكشف المبكر لسرطان الثدي فيتم عند طريق تنفيذ:
- الفحص الذاتي للثدي، إذ ينصح بتعلم الفحص الذاتي لزيادة الوعي بالأعراض وعلامات المرض في المراحل المبكر.
- الفحوص الروتينية أو الإكلينيكية، من عمر 30 - 40 كل ثلاث سنوات.
- التصوير بالأشعة السينية (الماموغرام)، من عمر 40 - 69 سنة. وينصح بعمله في عمر أبكر من 40 سنة في حالة وجود تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الثدي أو المبيض، والتعرض لمعالجة إشعاعية في عمر صغير، ووجود أعراض وعلامات الإصابة بسرطان الثدي.
ومن الضروري فحص الثدي عند الطبيبة كل ثلاث سنوات منذ بلوغ السيدة سن العشرين، ويصبح إجراء الفحص أمراً ضرورياً مرة كل عام عند بلوغها الأربعين، مع تصوير الثدي بالماموغرام. وكلما اكتشف السرطان مبكراً كلما زادت فرص الشفاء منه لأكثر من 95 في المائة.
كما أن الإصابة بسرطان الثدي لا تعني أبداً استئصال الثدي، إلا إذا كان الورم عميقاً أو كبيراً جداً، أو بدأ في الانتشار.

دراسات عالمية حديثة حول سرطان الثدي

أشارت دراسة صينية نشرت الأسبوع الماضي إلى أن دولة الصين تشهد زيادة كبيرة في معدلات سرطان الثدي، ومن المتوقع أن تستمر في الارتفاع خلال العقود الثلاثة المقبلة، وأن أعلى المعدلات تكون في المناطق الحضرية في الصين منها في المناطق الريفية. وكشف تحليل البيانات أن السرطان قد ارتفع بمعدل نحو 3.5٪ سنوياً من 2000 إلى 2013، مقارنة بانخفاض قدره 0.4٪ سنوياً خلال نفس الفترة في الولايات المتحدة. كما أشارت الدراسة إلى العلاقة بين الكثافة السكانية ومعدل الإصابة، وأنها علاقة تزايد مضطردة.
واستنتجت الدراسة أن من المرجح أن يكون للتحضر تأثير كبير على الإصابة، وعزت أسباب ارتفاع الإصابة بسرطان الثدي في الصين إلى: قلة الإنجاب لطفل أو اثنين، وتأخر إنجاب الطفل الأول لما بعد عمر 35 سنة، وتأخر الحمل، وعدم الإرضاع الطبيعي، والتعرض للإجهاد، وقلة النشاط البدني، والسمنة، وتناول الكحول، والشيخوخة، حيث تعيش المرأة الصينية لفترة أطول، فيزيد الضرر الجيني، وتقل القدرة على إصلاحه. وتشهد الهند وضعاً مماثلاً مثيراً للقلق.
> أشارت دراسة بريطانية جديدة، نشرت الأسبوع الماضي، إلى أن النساء اللاتي كثيراً ما يصبغن شعرهن قد يتعرضن لخطر أكبر للإصابة بسرطان الثدي. وقد قام بهذه الدراسة البروفسور كفاح مقبل، جراح سرطان الثدي بمستشفى الأميرة غريس في لندن، مستعرضاً دراسات حول ما إذا كانت هناك صلة بين أصباغ الشعر وسرطان الثدي، ووجدت زيادة بنسبة 14 في المائة في المرض بين النساء اللاتي يلون شعرهن.
وذكر الباحث أنه على الرغم من أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات التأكيدية في هذا المجال، فإن نتائج الدراسة تشير إلى أن التعرض لأصباغ الشعر قد تسهم في خطر الإصابة بسرطان الثدي، وقدم نصيحته بألا تصبغ النساء شعرهن أكثر من خمس مرات في السنة، وأن يستعملن منتجات ذات مكونات طبيعية مثل نبات البنجر.
وفي دراسة منفصلة، وجد باحثون فنلنديون أن النساء اللواتي يستخدمن صبغ الشعر أكثر عرضة لتطوير سرطان الثدي، بغض النظر ما إذا كانت المنتجات هي السبب المباشر للمرض. وذكرت سانا هيكين من سجل السرطان الفنلندي، أن النساء قد يكن، على سبيل المثال، يستخدمن أصباغ الشعر مع مستحضرات تجميل أخرى أكثر من النساء اللواتي لم يستخدمن أبداً أصباغ الشعر.

* استشاري في طب المجتمع


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

صحتك تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب) p-circle

إسبانيا تسجل إصابة جديدة بـ«هانتا» لراكب أُجلي من السفينة «هونديوس»

أعلنت وزارة الصحة الإسبانية، الثلاثاء، تسجيل إصابة جديدة بفيروس «هانتا» لراكب إسباني أُجليَ من السفينة السياحية «هونديوس».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)

ممارسة الفنون تؤخر الشيخوخة بفاعلية مماثلة للرياضة

ربطت دراسة بريطانية بين المواظبة على الأنشطة الفنية والثقافية، مثل القراءة والاستماع إلى الموسيقى، وزيارة المتاحف والمعارض، وبين إبطاء وتيرة الشيخوخة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا إجراءات صحية صارمة رافقت إجلاء ركاب السفينة الموبوءة في جزيرة تينيريف يوم 10 مايو (أ.ف.ب) p-circle

حجر صحي على 12 من العاملين في مستشفى هولندي بعد خرقهم بروتوكول «هانتا»

فرض مستشفى هولندي الحجر الصحي على 12 من العاملين فيه احترازياً بعد التعامل مع عينات دم وبول لحالة مصابة بفيروس «هانتا» دون الالتزام بالبروتوكولات الصارمة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
صحتك الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
TT

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم. ورغم فوائده قصيرة المدى في تحسين التركيز والانتباه، فإن تأثيره لا يقتصر على الدماغ فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجهاز الهضمي، حيث يمكن أن يُحدث تبايناً ملحوظاً في استجابة المعدة والقولون، خصوصاً عند الإفراط في تناوله. وبين الفوائد والآثار الجانبية، تبرز أهمية فهم كيفية تفاعل الجسم مع الكافيين ومصادره المختلفة.

مصادر الكافيين وتأثيرها على الجهاز الهضمي

لا تقتصر مصادر الكافيين على القهوة وحدها، رغم شيوعها، بل يوجد أيضاً في الشاي بمختلف أنواعه، وجوز الكولا المستخدم في المشروبات الغازية، وقرون الكاكاو التي تدخل في صناعة الشوكولاته. كما تحتوي مشروبات الطاقة على نسب مرتفعة من الكافيين المُصنّع.

وتتفاوت استجابة الجهاز الهضمي لهذه المصادر تبعاً لتركيز الكافيين وطبيعة الجسم، إلا أن تأثيرها العام ينعكس بشكل مباشر على المعدة والقولون، سواء من حيث تحفيز الحركة أو زيادة الإفرازات الهضمية.

الكافيين وحركة الأمعاء

يلاحظ كثير من الأشخاص أن تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء، وهو تأثير شائع وملحوظ. ويُعزى ذلك إلى دور القهوة في تحفيز إفراز هرمون الغاسترين، الذي تفرزه المعدة ويسهم في تسريع حركة القولون.

واللافت أن هذا التأثير لا يرتبط بالكافيين وحده، إذ أظهرت دراسات أن القهوة منزوعة الكافيين قد تُحدث استجابة مشابهة، وفقاً لموقع «هيلث لاين». وهذا يشير إلى أن مكونات أخرى في القهوة قد تلعب دوراً في هذا التأثير.

هل يسبب الكافيين الإسهال؟

نظراً لتأثير الكافيين المُحفّز لحركة الأمعاء، فإن تناوله بكميات كبيرة قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى براز رخو أو حتى الإسهال. وتزداد احتمالية حدوث ذلك لدى من لديهم حساسية في الجهاز الهضمي أو يعانون من اضطرابات معوية.

لذلك، يُنصح بمراقبة الكمية المستهلكة، خصوصاً إذا ظهرت أعراض مزعجة، ومحاولة تقليلها أو استبدال القهوة بخيارات أخف مثل الشاي.

مصادر الكافيين لا تقتصر على القهوة وحدها (بيكسلز)

تأثير الكافيين على حموضة المعدة

من التأثيرات الشائعة للكافيين أيضاً زيادة حموضة المعدة لدى بعض الأشخاص، مما قد يؤدي إلى الشعور بحرقة المعدة أو الانزعاج الهضمي.

ويعود ذلك إلى قدرة الكافيين على تحفيز إنتاج حمض الهيدروكلوريك، وهو حمض أساسي لعملية هضم البروتين. لكن عند إفرازه بكميات زائدة، قد يُسبب تهيّج بطانة المعدة ويؤدي إلى أعراض غير مريحة، خصوصاً لدى من يعانون من حساسية أو مشكلات مسبقة في المعدة.

ويؤثر الكافيين بشكل ملحوظ على الجهاز الهضمي، إذ قد يُحسّن حركة الأمعاء لدى البعض، لكنه قد يُسبب أيضاً اضطرابات مثل الإسهال أو زيادة حموضة المعدة لدى آخرين. ومن هنا، يبقى الاعتدال في استهلاكه هو العامل الأهم لتجنب آثاره السلبية والاستفادة من فوائده دون الإضرار بالصحة.


تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
TT

تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)

كشفت دراسة أميركية عن تقنية علاجية مبتكرة قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، عبر استهداف دوائر محددة في الدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث كارولاينا الطبية أن هذه التقنية قد تمثل مفتاحاً جديداً لكسر دائرة الإدمان. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Journal of Psychiatric Research».

ويُعد التدخين من أبرز العادات الضارة بالصحة العامة، إذ يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والسكتات الدماغية، فضلاً عن تأثيره السلبي على الجهاز التنفسي والمناعة. كما لا تقتصر أضراره على المدخنين، بل تمتد إلى المحيطين بهم عبر التدخين السلبي. ويُعد الإقلاع عن التدخين خطوة أساسية لتحسين جودة الحياة والحد من مخاطر الأمراض المزمنة، إذ يبدأ الجسم التعافي تدريجياً بعد التوقف.

وركزت الدراسة على فهم كيفية إعادة التوازن داخل الدماغ بين نظامين رئيسيين؛ نظام الرغبة والمكافأة، ونظام التحكم في السلوك واتخاذ القرار.

واعتمد الباحثون على تقنية تُعرَف باسم «التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة» (rTMS)، وهي تقنية غير جراحية تستخدم نبضات مغناطيسية دقيقة لتحفيز مناطق محددة في الدماغ دون الحاجة لتدخُّل جراحي أو أدوية. وهدفت هذه التقنية إلى تعديل النشاط العصبي في المناطق المرتبطة بإدمان النيكوتين.

وتعمل التقنية عبر إرسال نبضات مغناطيسية مركزة إلى القشرة الدماغية، تستهدف بصورة خاصة مناطق مسؤولة عن التحكم في السلوك واتخاذ القرار، مثل القشرة الجبهية الجانبية، إلى جانب مناطق مرتبطة بالرغبة والمكافأة. وتسهم هذه النبضات في تنشيط الخلايا العصبية أو تعديل نشاطها، بما يساعد على إعادة التوازن بين نظام «التحكم الذاتي» ونظام «الرغبة».

وشملت الدراسة مجموعة من المدخنين البالغين، جرى تقسيمهم إلى مجموعات خضعت لـ15 جلسة علاجية على مدار ثلاثة أسابيع، مع استخدام تصوير الدماغ لتحديد مواقع التحفيز بدقة.

وأظهرت النتائج أن تحفيز منطقة التحكم الذاتي في الدماغ، المعروفة باسم (DLPFC)، أدى لخفض معدل التدخين بأكثر من 11 سيجارة يومياً، إلى جانب تراجع واضح في الرغبة بالتدخين، وانخفاض مستويات أول أكسيد الكربون في الجسم، وهو مؤشر بيولوجي على تقليل التدخين، مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجاً وهمياً أو خضعت لاستهداف مناطق أخرى بالدماغ. كما استمرت الآثار الإيجابية للعلاج لمدة شهر على الأقل بعد انتهاء الجلسات.

وكشفت صور الدماغ أيضاً عن زيادة نشاط مناطق التحكم الذاتي، مقابل انخفاض نشاط مناطق المكافأة المرتبطة بالإدمان، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المشاركين.

ووفق الباحثين، فإن تعزيز نشاط مراكز التحكم في الدماغ يزيد قدرة الفرد على مقاومة الرغبة في التدخين، بينما يتراجع نشاط المناطق المرتبطة بالمكافأة والإدمان تدريجياً. ومن هذا المنطلق، لا تعتمد التقنية على كبح الرغبة بشكل مباشر، بل على «إعادة تدريب» الدماغ ليصبح أكثر قدرة على ضبط السلوك الإدماني بصورة طبيعية.

ووفق الباحثين، فإن النتائج تُمهد الطريق لإجراء تجارب أوسع قد تجعل من التحفيز الدماغي وسيلة علاجية مساعدة للإقلاع عن التدخين إلى جانب الأدوية والعلاج السلوكي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم تنجح معهم العلاجات التقليدية.


من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
TT

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا. لم تعد التغذية مسألة مرتبطة بالجسد فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لصحة الدماغ ووظائفه. وتشير أبحاث حديثة في مجالَي علم الأعصاب والتغذية إلى وجود علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة، والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى. فالدماغ شأنه شأن أي عضو آخر يحتاج إلى وقود نوعي ليؤدي مهامه بكفاءة. وعندما يختل هذا الوقود لا تتأثر الطاقة الجسدية فقط، بل تمتد الآثار إلى التفكير، والانتباه، والاستجابة للضغوط اليومية.

العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ

يعتمد الدماغ على إمداد مستمر ومتوازن من العناصر الغذائية للحفاظ على أدائه العالي. فالدهون الصحية تدخل في بناء الخلايا العصبية، وتعمل مضادات الأكسدة على حمايته من التلف، في حين تُسهم الفيتامينات والمعادن في تسهيل التواصل بين خلاياه.

ومع مرور الوقت، يمكن للأنظمة الفقيرة بالعناصر الغذائية والغنية بالأطعمة المُصنّعة أن تؤدي إلى زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهما عاملان يرتبطان بتراجع القدرات الإدراكية وضعف التركيز.

في المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية المتوازنة -التي تعتمد على الفواكه والخضراوات والبروتينات الصحية والدهون المفيدة- بتحسين الذاكرة وتعزيز مرونة الدماغ. ولا يكمن السر في عنصر واحد أو ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة»، بل في اتباع نظام غذائي متكامل ومتوازن يدعم الدماغ على المدى الطويل.

الاحتياجات الغذائية للدماغ

رغم أن الدماغ لا يشكّل سوى نحو 2 في المائة من وزن الجسم، فإنه يستهلك ما يقارب 20 في المائة من طاقته، مما يعكس مدى حساسيته لنوعية الغذاء. ويُعدّ الجلوكوز المصدر الأساسي لطاقة الدماغ، لذلك ترتبط كفاءة عمله ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستويات السكر في الدم، وفقاً لموقع «ستانفورد لايف ستايل ميديسين».

لكن الأمر لا يتوقف عند الجلوكوز؛ إذ يحتاج الدماغ إلى مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية للحفاظ على نشاطه ووظائفه الحيوية، ومن أبرزها:

أحماض «أوميغا 3» الدهنية: تلعب دوراً محورياً في بناء الخلايا العصبية ودعم وظائف الدماغ، كما تُسهم في تحسين الذاكرة والتعلم. وتوجد في الأسماك الدهنية، وبذور الكتان، والجوز.

مضادات الأكسدة: تحمي الدماغ من الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وهي عوامل ترتبط بأمراض عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون. وتتوافر بكثرة في الفواكه والخضراوات الملونة.

فيتامينات «ب»: مثل فيتامين «ب12» وحمض الفوليك، وهي ضرورية لإنتاج النواقل العصبية وتنظيم عمليات الطاقة، وتساعد في الحفاظ على الوظائف الإدراكية وتقليل خطر اضطرابات الذاكرة والمزاج.

تأثير النظام الغذائي على الإدراك والذاكرة

مع تزايد الدراسات في هذا المجال، يتضح أن نوعية الغذاء لا تؤثر فقط على الصحة العامة، بل تلعب دوراً مباشراً في القدرات الذهنية، من التعلم إلى التذكر.

الذاكرة والتعلم

يُسهم النظام الغذائي الغني بالعناصر المفيدة في تعزيز قدرة الدماغ على تخزين المعلومات واسترجاعها. فقد أظهرت الدراسات أن أحماض «أوميغا 3» تساعد في ترسيخ الذاكرة، في حين تقلّل مضادات الأكسدة من التلف الذي قد يُضعف الأداء الذهني.

المرونة العصبية

وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية، وتُعد أساس التعلم والتكيف. وقد ثبت أن الأنظمة الغذائية الصحية، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، تدعم هذه المرونة وتعزّز الكفاءة الإدراكية.

التدهور الإدراكي

في المقابل، تؤدي الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والدهون غير الصحية والكربوهيدرات المكررة إلى تسريع تراجع القدرات الذهنية، وزيادة خطر الإصابة باضطرابات معرفية مع التقدم في العمر.

ولا يقتصر تأثير الغذاء على بناء الجسم، بل يمتد ليشكّل حجر الأساس لصحة الدماغ ووظائفه. ومن خلال تبنّي نمط غذائي متوازن وغني بالعناصر المفيدة، يمكن تعزيز التركيز، وتحسين الذاكرة، والوقاية من التدهور الإدراكي، ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة بأكملها.