عودة الجرود لأصحابها مرتبطة بمسار المعركة... والجيش باق في المواقع الاستراتيجية

ستسلم بعد تنظيفها من الألغام... والأهالي يأملون في وفاء الدولة بوعودها

مقاتلو «حزب الله» على شاحنة في جرود عرسال قرب الحدود السورية منتصف هذا الشهر (رويترز)
مقاتلو «حزب الله» على شاحنة في جرود عرسال قرب الحدود السورية منتصف هذا الشهر (رويترز)
TT

عودة الجرود لأصحابها مرتبطة بمسار المعركة... والجيش باق في المواقع الاستراتيجية

مقاتلو «حزب الله» على شاحنة في جرود عرسال قرب الحدود السورية منتصف هذا الشهر (رويترز)
مقاتلو «حزب الله» على شاحنة في جرود عرسال قرب الحدود السورية منتصف هذا الشهر (رويترز)

يعدّ أهالي البقاع الشمالي عند الحدود اللبنانية الشرقية، الأيام والساعات لتسلّم أراضيهم في الجرود وإعادة زرعها وحصاد محصولها كما اعتادوا قبل أن تحتلّها «جبهة النصرة» و«تنظيم داعش». هم يترقبون مسار معركة الجيش ضدّ «داعش» التي قاربت على الانتهاء لحظة بلحظة وعيونهم على أراضيهم التي منعوا من الذهاب إليها منذ نحو 3 سنوات، ويعدّون العدة للعودة؛ وإن كان موسم الزرع قد فاتهم.
وأتت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري أمس إلى عرسال وتصريح رئيس الجمهورية ميشال عون، الداعمين لأهالي المنطقة الحدودية، ليبثا مجددا الأمل في نفوسهم. وقد أكد عون أن «مرحلة ما بعد تحرير هذه المناطق ستكون لإنمائها وإزالة الرواسب التي خلفتها الأوضاع الشاذة التي سادت خلال الأعوام الماضية»، مشددا على أنه «تم تخصيص اعتمادات مالية لتحقيق عدد من المشاريع العاجلة قيمتها 30 مليون دولار أميركي»، منوها «بصمود أبناء هذه المناطق في أرضهم وممتلكاتهم».
ولا يختلف وضع أهالي عرسال التي كان «حزب الله» قد انتهى من حربه ضد «جبهة النصرة» في القسم الأكبر من جرودها، عن وضع أهالي القاع وراس بعلبك والفاكهة، حيث يتولى الجيش مهمة تحريرها من تنظيم «داعش»، فيما يبدو أن توقيت تسليم الجرود المحررة وتلك التي في طريقها إلى التحرّر، مرتبط بهذه المعركة التي يعطيها الجيش الأولوية في الوقت الحالي، وهو ما يؤكد عليه مصدر عسكري ومصدر آخر مقرّب من «حزب الله». ويقول الأخير لـ«الشرق الأوسط»: «سبق لأمين عام (حزب الله) حسن نصر الله أن أكد الاستعداد لتسليم جرود عرسال التي تحرّرت من (النصرة) للجيش اللبناني، وهو لم يتراجع عن هذا القرار إنما ينتظر الإشارة من الجيش لوضع خطّة لتسلّمها»، وفي حين رجّح أن يكون سبب التأخير انهماك الجيش بمعركة «داعش»، توقّع أن يتم التسليم بعد الانتهاء منها.
من جهتها، أكدت مصادر عسكرية أن الجيش سيقوم بتسليم أراضي الجرود إلى أصحابها بعد التحرير، موضحة لـ«الشرق الأوسط» التالي: «بالنسبة إلى الأراضي التي حرّرها الحزب في جرود عرسال والتي ينتشر في بعض نقاطها، فسيسلّمها بالتأكيد إلى مالكيها، إنما فقط ينتظر الانتهاء من المعركة الحالية، ولن يختلف الوضع بالنسبة إلى جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة؛ إنما بعد القيام بمسحها بشكل كامل وتنظيفها من الألغام لتأمين سلامة المواطنين».
وكان الجيش اللبناني قد أطلق يوم السبت الماضي عملية عسكرية في منطقة جرود راس بعلبك وجرود القاع الجبلية، وأعلن أول من أمس استعادة 80 في المائة من المنطقة التي يسيطر عليها التنظيم، وكان قد قدر هذه المساحة الجانب اللبناني بنحو 120 كيلومترا مربعا.
وإذا كان أهالي القاع وراس بعلبك قد بدأوا الاحتفال بانتصار الجيش المرتقب منتظرين «فجرا جديدا» لمنطقتهم، بحسب تعبير رئيس بلدية القاع، بشير مطر، فإن العرساليين الذين سبق أن تحرّرت جرودهم من «النصرة» ينتظرون لحظة العودة بفارغ الصبر لزرع أراضيهم والاستفادة من مقالعهم، بحسب ما يؤكد رئيس البلدية باسل الحجيري، مع العلم أنه, قد تسنّى لبعض العرساليين تفقّد أراضيهم «التي ذرفنا عليها دموع الفرح والحزن في الوقت عينه»، بحسب تعبير أحدهم، متّهما عناصر «حزب الله» بإحراق الآليات التي كانت موجودة في المنطقة، وهو ما ينفيه نفيا قاطعا المصدر المقرب من الحزب.
ويشرح المواطن العرسالي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد انتهاء معركة (حزب الله) ومغادرة عناصر (النصرة) منطقة المقالع فيما يعرف بالجرد الواطي، ذهبنا إلى أرضنا ورأينا كل ما بقي ما آلياتنا تعرض للتكسير والحرق، وكتبت عليها شعارات لـ(حزب الله)، حتى إن إحدى القنوات المقربة من الحزب صورت بعض هذه الآليات وقالت إنه تم إحراقها منعا لاستخدامها من (النصرة)». وأضاف: «مع العلم بأنه وقبل معركة الحزب الأخيرة كنا نذهب بشكل يومي إلى الأراضي التي كانت تحت سيطرة المسلحين حيث كانت آلياتنا هناك وبقيت سليمة، إلى أن طلب منا الجيش سحبها قبل أيام من بدء المعركة ولم يبق منها إلا العدد القليل من ذات الأحجام الكبيرة».
في المقابل، يقول المصدر المقرب من الحزب: «ننفي هذه الاتهامات ولا نقبل بها. وسلوكنا أثناء المعركة يؤكد حرصنا على أهالي عرسال وأراضيهم حتى إننا منعنا المقاتلين من قطف الفاكهة»، مضيفا: «(النصرة) هي التي قامت بإحراق البيوت والآليات، وهذا مثبت أمام الجيش اللبناني».
وفي حين يلفت رئيس بلدية القاع في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن جرود القاع ليست أراضي زراعية ولا كانت تعد مصدر رزق لأهلها، إنما يقتصر استعمال معظمها على رعاة الماعز، يؤكد رفض التنازل عنها. ويقول: «ستعود إلينا شاء من شاء وأبى من أبى». أما جرود عرسال، فتعد الخزان الاقتصادي للعرساليين الذين يتعيشون من إنتاجها، إن كان من زراعة الفاكهة أو من مقالع الحجر والصخر. وهو ما يؤكده الحجيري بقوله: «السواد الأعظم من أهالي عرسال يعيش فيها، ويتعيش من أرضها آلاف العائلات، مما جعل الوضع الاقتصادي لهؤلاء يتراجع إلى درجات متدنية جدا منذ احتلالها ومنعهم من الاستفادة منها».
وبانتظار أن تضع المعركة أوزارها، يعوّل البقاعيون على المرحلة المقبلة للعودة إلى أوضاعهم السابقة، وهذا ما يشير إليه المواطن العرسالي، منوها بزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى المنطقة أول من أمس، قائلا: «هي المرة الأولى التي يزور فيها بلدتنا رئيس للحكومة، وهو ما أفرح الصغير قبل الكبير، ونأمل أن تكون بداية جديدة وليست لأهداف انتخابية، وإن كانت التجارب والوعود السابقة لإنماء المنطقة لم تجد طريقها إلى التطبيق».


مقالات ذات صلة

مقتل جنود ماليين وعناصر روسية في كمين لمتطرفين وسط مالي

أفريقيا جنود من القوات المسلحة المالية خلال عملية عسكرية (رويترز - أرشيفية)

مقتل جنود ماليين وعناصر روسية في كمين لمتطرفين وسط مالي

لقي ما لا يقل عن ثلاثة جنود ماليين وأربعة من عناصر قوات شبه عسكرية روسية مصرعهم في كمين نصبه متطرّفون لقافلتهم في وسط مالي.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل.

«الشرق الأوسط» (داكار)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن قرار حل حزب «العمال الكردستاني» علامة فارقة في طريق «تركيا خالية من الإرهاب» (الرئاسة التركية)

إردوغان: قرار حل «الكردستاني» علامة فارقة للسلام في تركيا

أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن معيار تركيا ليس الهوية العرقية؛ بل الإرهاب والعنف والتهديدات لأمنها القومي، وأن الأكراد إخوة للأتراك وعاشوا معاً ألف عام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

لا تزال التهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم النظام البائد، تطارد الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية لا تزال سارية بحقهم.

منصور حسين (دمشق)
أفريقيا عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

مقتل 5 أشخاص في هجوم إرهابي في نيجيريا والجيش يحبط هجوما لبوكو حرام ويعتقل 4 إرهابيين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)

«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
TT

«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)

تزداد الضغوط الصحية والإنسانية في اليمن مع استمرار الهجمات الحوثية واتساع حركة الفارين من مناطق الساحل الغربي، وغرب تعز ولحج، وسط تحذيرات من مخاطر تفشي الأمراض الوبائية في مخيمات النازحين، في وقت تكافح فيه المرافق الصحية للتعامل مع الإصابات الناجمة عن الحرب وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وأفادت منظمة الصحة العالمية برصد تنبيهات بشأن حالات يُشتبه في إصابتها بالكوليرا في موقعين للنازحين داخلياً في عدن، مما دفع وزارة الصحة العامة والسكان إلى تفعيل فرق الاستجابة السريعة لتنفيذ عمليات رصد نشط ومتابعة الوضع الصحي ميدانياً.

وبحلول الأسبوع الثامن والثلاثين، بلغ عدد حالات الكوليرا المشتبه بها 7784 حالة، وسط مخاوف من ارتفاع احتمالات انتقال الأمراض المرتبطة بالمياه والنظافة في مناطق النزوح، حيث تعتمد نحو 40 في المائة من الأسر النازحة حديثاً في الساحل الغربي على آبار غير محمية أو مصادر مياه سطحية لتأمين مياه الشرب، بينما يفتقر نحو ثلث هذه الأسر إلى مرافق صرف صحي مزودة بأقفال.

ولا تقتصر التداعيات الصحية للحرب على مخاطر الأوبئة، إذ ألقت الإصابات الناتجة عن القتال بثقلها على الخدمات الطبية، لا سيما خدمات رعاية الأمهات والمواليد. وفق البيانات الأممية.

ازدياد احتمالات انتشار الكوليرا والحصبة والملاريا بمخيمات النازحين في اليمن (إعلام محلي)

وعُلقت مؤقتاً خدمات الرعاية الشاملة للطوارئ التوليدية ورعاية حديثي الولادة في مستشفيين بمأرب ورأس العارة، بعد توجيه غرف العمليات والكوادر الطبية للتعامل مع أعداد جرحى الحرب، مما أدى إلى تحويل المرضى إلى أقرب مستشفيات لا تزال قادرة على توفير هذه الخدمات.

كما رُصد تراجع في عدد المرافق الصحية التي تقدم تقاريرها في محافظات مأرب وتعز والضالع وعدن. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها قبل التصعيد الأخير، بينما تجري عمليات للتحقق من البيانات وتحديد حجم التأثير الفعلي على الخدمات الصحية.

النزوح يفاقم المخاطر

تؤكد البيانات الأمنية أن النزوح أصبح أحد أبرز محركات الاحتياجات الصحية في اليمن، مع استمرار حركة فرار الأسر من مناطق القتال واتساع رقعة الاستضافة في المحافظات المجاورة.

ولا تزال حركة النزوح في معظمها قصيرة المدى ودائرية، إذ انتقل نحو ثلثي الأسر المسجلة لدى «آلية الاستجابة السريعة» داخل حدود محافظاتها نفسها. وتبرز بعض مديريات تعز المتأثرة بالنزاع، مثل المعافر وجبل حبشي، بوصفها مناطق منشأ ووصول للنازحين في الوقت ذاته، بينما يمتد مسار آخر للنزوح إلى مسافات أطول.

أصبح النزوح أحد أبرز المحركات للاحتياجات الصحية (إعلام محلي)

ومن ساحل الحديدة، تتحرك الأسر النازحة باتجاه عدن وأبين ولحج وحضرموت والمهرة، وغالباً ما تجد نفسها أمام خيارات محدودة، فتقيم لدى أسر مضيفة أو في خيام ومآوٍ مؤقتة، في ظروف معيشية تزيد مخاطر انتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك، بالتزامن مع اقتراب موسم ظاهرة «النينيو»، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية.

وفي مؤشر على اتساع حركة النزوح، سجلت «آلية الاستجابة السريعة» أعلى معدلات التسجيل اليومية منذ بدء الأزمة، بتسجيل 1315 أسرة في 21 سبتمبر (أيلول)، و1470 أسرة في 23 سبتمبر. ومنذ الأول من أغسطس (آب)، شملت الآلية 15197 أسرة، أي ما يقارب 81140 شخصاً. لكن نفاد مخزون المجموعات الإغاثية حال دون تقديم المساعدة للأسر النازحة في محافظتي تعز ولحج في 24 سبتمبر.

احتياجات تتسع

مع اتساع الهجمات الحوثية الجوية والبرية، أفادت المعلومات الأممية بأن «مشروع رصد الأثر على المدنيين» رصد عمليات قصف طالت مدنيين وبنية تحتية مدنية في عدد من المحافظات، بينها حوادث أدت إلى إصابة نازحين. ونظراً إلى أن عمليات الرصد المستقلة لا تتم بصورة فورية، يظل السجل اليومي لوزارة الصحة اليمنية المرجع الأساسي المتاح لأرقام الضحايا في الوقت الراهن.

وعلى الصعيد الميداني، يستمر القتال على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل ساحل لحج الغربي، ولا سيما مناطق المضاربة ورأس العارة وباب المندب ومحور كهبوب، إلى جانب جبهات مأرب في الجوبة وصرواح وحريب ومأرب الوادي، وجبهات تعز المتعددة.

يمني في منطقة رأس عمران غرب عدن يمشي داخل مخيم للفارين من الهجمات الحوثية (أ.ب)

ويعكس هذا الواقع طبيعة طوارئ إنسانية معقدة لا تقتصر احتياجاتها على علاج الإصابات والصدمات الناجمة عن الحرب، إذ يحتاج النازحون والمجتمعات المضيفة إلى خدمات صحية أساسية ومنقذة للحياة، بما في ذلك الرعاية التي توفرها الفرق الطبية المتنقلة.

وتبرز كذلك الحاجة إلى تعزيز تدابير الصحة العامة، من خلال حملات التطعيم ومكافحة نواقل الأمراض، إلى جانب تحسين التنسيق بين الجهات والشركاء العاملين في المجالين الإنساني والصحي، استناداً إلى تقييم سريع ومشترك للاحتياجات.

ومع استمرار القتال والنزوح، تواجه الاستجابة الإنسانية والصحية ضغوطاً متزايدة، بينما يصبح الوصول السريع إلى الأسر المتضررة والحفاظ على الخدمات الأساسية والوقاية من تفشي الأمراض عوامل حاسمة للحد من تدهور الوضع وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.


مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
TT

مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)

​استحدثت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع القليلة الماضية مقابر جديدة، ووسعت أخرى في 7 محافظات يمنية خاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع ازدياد عمليات تشييع ودفن عناصرها الذين سقطوا في جبهات القتال، في وقت تتكتم فيه الجماعة على حجم خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية مطَّلعة لـ«الشرق الأوسط» إن أعمال إنشاء المقابر وتوسعتها شملت صنعاء ومحيطها، وذمار وإب والمحويت وحجة وصعدة، إلى جانب مناطق أخرى، مشيرة إلى تجهيز مساحات جديدة للدفن، بالتزامن مع نقل جثامين قتلى الجماعة من مناطق المواجهات إلى مساقط رؤوسهم، أو إلى ما تسميه «روضات الشهداء».

وأضافت المصادر أن جثامين عناصر حوثية تصل من جبهات ومناطق مختلفة، بينها الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي ولحج والضالع، وفق المعلومات المتداولة محلياً.

وحسب المصادر، لم تقتصر تحركات الجماعة على إنشاء مواقع جديدة؛ بل شملت أيضاً توسعة مقابر قائمة وتسوير وتجهيز مواقع أخرى؛ خصوصاً في المناطق الريفية وأطراف المدن، بهدف توفير مساحات إضافية للدفن.

صورة مجند حوثي وُضعت على قبره في مقبرة للجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت أن بعض المقابر يجري تجهيزها بصورة منظمة، عبر تسويرها وتركيب بوابات وتنظيم مواقع الأضرحة، في حين تتواصل أعمال التنظيف والصيانة في مقابر سبق أن خصصتها الجماعة لعناصرها.

وتشير المصادر إلى ارتفاع وتيرة الدفن في بعض المناطق، بالتزامن مع وصول جثامين قتلى من جبهات القتال، في وقت لا تعلن فيه الجماعة حصيلة شاملة توضح أعداد قتلاها ولا حجم خسائرها البشرية خلال الفترة الأخيرة.

وتعتمد الجماعة -وفق المصادر- على بيانات متفرقة بشأن تشييع ودفن عناصرها، دون نشر كشف شامل بأسماء القتلى وأعدادهم والمناطق التي سقطوا فيها، الأمر الذي يصعِّب تحديد حجم الخسائر الفعلية.

أموال للصيانة والتجهيز

وتتزامن هذه التحركات مع أنشطة ما تُسمى «هيئة رعاية أسر القتلى» التابعة للحوثيين، والتي تشمل -وفق منشورات متداولة- أعمال توسعة وتنظيف وترميم وتسوير وتركيب بوابات وتنظيم الأضرحة، وتجهيز مواقع جديدة في عدد من المناطق.

ولم تقتصر هذه الأنشطة على محافظة واحدة؛ ففي صعدة، معقل الجماعة، وثقت منشورات تابعة لها جولات ميدانية في عدد من «الروضات» بمديريات ساقين وحيدان ومنبه وغمر ورازح، لمتابعة أعمال الصيانة والتحسين والتجهيز، إلى جانب إنشاء مقابر جديدة في المناطق ذاتها.

وفي محافظات ذمار وعمران والمحويت، أعلنت الهيئة الحوثية خططاً لتوسعة مقابر كانت قد استحدثتها سابقاً، إلى جانب تجهيز «الروضات» ورفع الأضرحة في عدد من المديريات.

مقبرة لقتلى الجماعة الحوثية في حي الجراف شمال صنعاء (فيسبوك)

وفي محافظة حجة، شملت الأعمال مقابر قتلى الجماعة في الشاهل والمحابشة والمفتاح وكحلان الشرف، بما في ذلك توسعة المواقع، واستكمال الجدران والتسوير، وتركيب البوابات، وترتيب الأضرحة.

وفي المقابل، يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً اقتصادية وإنسانية صعبة، مع تراجع مصادر الدخل وتدهور الخدمات، ما يسلط الضوء على حجم الموارد التي تخصصها الجماعة لهذه الأنشطة وأولويات الإنفاق في مناطق سيطرتها.


خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
TT

خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)

ارتفعت الخسائر التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها أوقعتها في صفوف الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران، إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح خلال 4 أيام، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهات عدة، وتصاعد الهجمات ومحاولات التسلل والالتفاف، خصوصاً في جبهات تعز ولحج وباب المندب.

وجاءت أحدث حصيلة بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 356 عملية استهداف خلال 24 ساعة، قالت إنها أسفرت، وفق تقديراتها الميدانية، عن مقتل وإصابة 476 من عناصر الجماعة، إلى جانب تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وعشرات الآليات والعربات العسكرية.

وكان المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي، قد أعلن، مساء الأحد، تحييد 2316 عنصراً حوثياً بين قتيل وجريح خلال 72 ساعة، نتيجة 756 عملية استهداف في جبهات كتاف والبقع ومحور علب والجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، ليصل مجموع الحصيلة المعلنة خلال الأيام الأربعة إلى أكثر من 2792 قتيلاً وجريحاً، قبل احتساب ما أعلنته مصادر ميدانية أخرى من خسائر خلال الفترة نفسها.

دخان يتصاعد من قمة جبل بعد أن استهدف الجيش اليمني موقعاً للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي الساعات الأخيرة، تركز جانب كبير من القتال في غرب تعز والمناطق المتصلة بمحافظة لحج وباب المندب، حيث خاضت القوات الحكومية مواجهات مع الحوثيين في الوازعية، بالتزامن مع إحباط محاولة تسلل شمال تعز بقصف مدفعي، والتصدي لمحاولة التفاف في جبهة كهبوب.

وفي جبل حبشي، قالت القوات الحكومية إنها صدت هجوماً حوثياً في جبهة بني بكاري، ومنعت الجماعة من تثبيت اختراق جديد، بينما شهدت جبهتا راسن والعلقمة جنوب تعز اشتباكات وإطلاق نار متبادلاً.

وشنت القوات الحكومية، وفق المصادر العسكرية، ضربات جوية ومدفعية على مواقع وتعزيزات حوثية في الربيعي والجعشاء والزبيبية والبحابح، بالتزامن مع إسقاط مسيّرة حوثية فوق الكدحة.

وأعلن المركز الإعلامي في محور تعز العسكري مقتل 12 حوثياً وإصابة 13 آخرين في مختلف جبهات المحور، إضافة إلى إحراق مدرعة وعربة عسكرية في الكدحة، وتدمير دبابة في منطقة الربيعي.

كما استهدف الطيران الحربي منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في جبل أومان شرق تعز، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية القضاء على مجموعة من الحوثيين أثناء محاولة تسلل في جبهة الدفاع الجوي شمال غربي المدينة.

وفي الحوبان، شنت القوات الحكومية غارات جوية على معسكر جليلة بالقرب من مطار تعز، في إطار سلسلة ضربات استهدفت مواقع وقدرات عسكرية للجماعة في المحافظة.

محاولات التفاف

امتدت المواجهات إلى جبهات الصبيحة في لحج في المناطق الواقعة بينها وبين تعز، حيث شنت الجماعة الحوثية هجمات متزامنة على جبهتي المحاولة والأغبرة، مستهدفة مواقع جبل سيف وبرح أمخنيف وجبل أمكحان.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات الحكومية، مسنودة بأبناء القبائل، صدت محاولات التقدم وأجبرت المهاجمين على التراجع، مشيرة إلى سقوط قتلى في صفوف الحوثيين وأسر عنصرين منهم.

وبعد فشل الهجوم، لجأت الجماعة، وفق المصادر نفسها، إلى القصف بالطيران المسيّر وقذائف الهاون على مواقع القوات المدافعة والقرى المجاورة.

معارك الجبال في تعز ولحج كبدت الحوثيين خسائر بشرية كبيرة (إعلام عسكري)

وفي جبهة الأغبرة، تركزت المواجهات في محيط جبل البازلة ومنطقة الصورة، بالتزامن مع محاولات تسلل وضغط عسكري في رأس العارة والمضاربة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات المدافعة أحبطت هجوماً في الأغبرة، وحاصرت مجموعات متسللة، وأسرت عدداً من عناصر الحوثيين واستولت على أسلحة وعتاد، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات للجماعة.

كما أفادت المصادر بتعرض مناطق مأهولة في المضاربة ورأس العارة لقصف بصواريخ «كاتيوشا»، بينما قالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية دمرت مركبة كانت تقل قيادياً حوثياً ومرافقين له في كهبوب.

وتشير التطورات الميدانية إلى استمرار الجماعة الحوثية في الدفع بتعزيزات إلى خطوط المواجهة، خصوصاً في مفرق ماوية وراسن والعلقمة، مقبلة من صنعاء وعمران وذمار وإب.

وفي المقابل، كثفت القوات الحكومية عملياتها الجوية والمدفعية على خطوط الإمداد ومواقع التجمع، في محاولة لاحتواء الهجمات ومنع تحويل الاختراقات المحدودة إلى مواقع ثابتة.

وفي المخا والساحل الغربي، قالت مصادر إن القوات الحكومية نفذت غارات على مواقع وتجمعات حوثية داخل المدينة، بينما أفادت معلومات ميدانية بأن الجماعة تعمل على إنشاء خنادق ومتارس داخل المخا ومحيطها وباتجاه باب المندب.

356 عملية

قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي، إن العمليات التي نفذت خلال 24 ساعة شملت الساحل الغربي، وحرض والطوال (شمال غرب) وكتاف والبقع ومحور علب والجوف (شمال) ومأرب (شرق صنعاء) ولحج وتعز (جنوب غرب) والبيضاء (جنوب شرقي صنعاء).

وأضاف أن القوات استخدمت أسلحة جوية ومسيّرات ومدفعية ووسائل أخرى، وأن العمليات أدت، وفق التقديرات الميدانية، إلى تحييد 476 من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح، فضلاً عن تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وآليات عسكرية.

وتأتي هذه الحصيلة بعد يوم واحد من إعلان الجيش تنفيذ 756 عملية خلال 72 ساعة، قال إنها أدت إلى تحييد 2316 حوثياً، وتدمير منصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وتعزيزات وعربات عسكرية.

وتعكس العمليات المعلنة انتقال القتال إلى نمط يعتمد على استنزاف التعزيزات الحوثية قبل وصولها إلى الخطوط الأمامية، بالتزامن مع محاولة القوات الحكومية منع الحوثيين من توسيع نطاق الضغط على الجبهات المتصلة بتعز ولحج والساحل الغربي.

وفي عدن، عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش اليمني اللواء الركن أحمد البصر، اجتماعاً عسكرياً لمناقشة تنظيم وترتيب القوات المسلحة وتوحيد جهود الهيئات والوحدات العسكرية، وتعزيز التنسيق والتكامل في تنفيذ المهام.

وأكد البصر أهمية رفع مستوى التنسيق والمتابعة وتعزيز الانضباط وكفاءة الأداء، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية على امتداد عدد من الجبهات اليمنية.