سلَّط مؤتمر دولي احتضنته مدينة الرياض الضوء على دور اللغة العربية في الهُوية الثقافية، وصلتها بالتراث والذاكرة الجمعية والخطاب الثقافي، ومكانتها في التفاعل الحضاري والترجمة والحوار بين الثقافات. كما استعرض حضورها في مجالات الإبداع المعرفي والفني، وبحث أبعاد الثقافة الرقمية وأثر المنصات والذكاء الاصطناعي في تشكيل الهُوية وإنتاج المحتوى العربي، إلى جانب عرض التجارب المؤسسية والسياسات الثقافية، واستشراف مستقبل العربية في الثقافة والمجالات الإبداعية والاقتصاد المعرفي.
وانطلقت، الأحد، أعمال المؤتمر السنوي الدولي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي ينعقد العام الحالي تحت عنوان «اللغة العربية والثقافة: التداخلات والأبعاد».
ويستمر المؤتمر على مدى يومين متتاليين، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء والمختصين في مجالات اللغة والثقافة من داخل السعودية وخارجها، بهدف دراسة أوجه التداخل الوثيق بين العربية والثقافة ومناقشتها، ورصد تجليات هذا التداخل في الهُوية والإبداع والتفاعل العالمي، إضافة إلى مواكبة التحولات الرقمية والسياسات اللغوية والثقافية.
اللغة وعاء الوعي ومرآة التحوّل

شدّد الدكتور عبد الله الوشمي، الأمين العام لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، على الارتباط العضوي والوثيق بين اللغة والثقافة، موضحاً أن «المجتمعات تصوغ باللغة رؤيتها للعالم، وتسمي بها الأشياء، وتعبّر بها عن قيمها ومعارفها وتجاربها، وفي المقابل تترك الثقافة أثرها العميق في اللغة، فتتسع مفرداتها، وتتغير دلالاتها، وتتجدد أساليبها بتطور المجتمع وتحولاته».
وأضاف، في كلمة ألقاها خلال حفل الافتتاح، أن دراسة اللغة حفظٌ للذاكرة الجمعية، وتشكيلٌ للوعي، وصياغةٌ للخطاب الحضاري.
وأكد الوشمي أن للغة العربية تجربة تاريخية ممتدة؛ إذ حملت عبر العصور نتاجاً واسعاً من المعارف والآداب والفنون، وتفاعلت بمرونة مع مختلف الثقافات، وشاركت بفاعلية في حركة الترجمة والتبادل المعرفي والحضاري. ووجّه الشكر والتقدير إلى القيادة السعودية على العناية والرعاية الدائمتين اللتين تحظى بهما لغة الضاد، مشيداً بـ«إقرار السياسة الوطنية للغة العربية»، التي تؤطّر الجهود الوطنية وتمكّنها في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن تمكين اللغة لا يتحقق عبر مسار واحد، بل يتطلب رؤية متكاملة تقوم على سياسة واعية، ومعرفة موثوقة، وتعليم مؤثر، وأدوات تقنية حديثة، وفضاء ثقافي يجعل اللغة جزءاً حياً من الحياة اليومية للمجتمع.
إنجازات عالمية وأرقام تتجاوز الحدود
وسلّط الأمين العام الضوء على المنظومة الشاملة التي يعمل المجمع من خلالها، وتجمع بين التخطيط والسياسة اللغوية والحوسبة والتعليم والثقافة، مؤكداً أن أثر أعمال المجمع امتد إلى أكثر من 60 دولة حول العالم.
وشملت أبرز هذه الإنجازات نشر ما يزيد على 300 إصدار علمي ومعرفي، وتطوير أكثر من 40 معجماً رقمياً وعدداً من المدونات المتخصصة، وبناء منصة تضم أكثر من 50 لعبة لغوية تفاعلية عبر «مركز ذكاء العربية»، وتطوير أدوات تقنية لدعم المعالجة الآلية للغة.
ومن أعمال المجمع التي أوردها الوشمي إنشاء مراكز محلية ودولية، وبناء منصات رقمية لتعليم العربية للناطقين بغيرها، إلى جانب إعداد المناهج والاختبارات المعيارية لقياس الكفايات اللغوية.
الهُوية وأبعاد الثقافة الرقمية

يهدف المجمع من تنظيم المؤتمر إلى إبراز دور العربية في الهُوية الثقافية وصلتها بالتراث والذاكرة الجمعية. ويعرض المشاركون أوراقهم العلمية ويناقشونها ضمن 6 محاور رئيسة، هي: اللغة والهُوية الثقافية، واللغة والتفاعل الحضاري، واللغة والإبداع المعرفي والفني، واللغة والثقافة الرقمية، واللغة والسياسات الثقافية، واللغة وآفاق المستقبل الثقافي.
وفي محور «اللغة والثقافة الرقمية»، يناقش المؤتمر أثر وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الهُوية الثقافية، وموضوعات الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية في المجال الثقافي. كما يتناول، ضمن محور السياسات الثقافية، التكامل بين التخطيط اللغوي والاستراتيجيات الثقافية، والتشريعات والأنظمة الوطنية الداعمة للعربية، والتجارب المؤسسية في حمايتها وتفعيلها ثقافياً.
ويستشرف المؤتمر كذلك آفاق المستقبل الثقافي للغة العربية، ويناقش التحديات والفرص المرتبطة بالمجالات الإبداعية والاقتصاد المعرفي، والمبادرات المستقبلية في المشهد الثقافي العالمي.
وتُعدّ النسخة الخامسة امتداداً لمؤتمرات المجمع السنوية، التي تتناول في كل دورة موضوعاً متخصصاً من المسائل المتصلة باللغة العربية ومجالاتها، وتجمع الباحثين والمختصين من دول العالم لتبادل المعرفة والخبرات، ومناقشة المستجدات العلمية ذات الصلة، بما يدعم البحث العلمي ويعزّز حضور العربية في المجالات المعرفية والثقافية.
ويأتي تنظيم المؤتمر في إطار جهود المجمع لخدمة اللغة العربية، وتعزيز حضورها محلياً وعالمياً، ودعم البحث المتخصص، وتوسيع مجالات التعاون مع الباحثين والمختصين والمؤسسات المعنية باللغة العربية والثقافة، والإسهام في تطوير الرؤى والممارسات التي تستجيب للتحولات الثقافية والمعرفية والتقنية.
وقال الوشمي: «نتطلّع إلى أن تسهم أعمال المؤتمر وأوراقه العلمية ونقاشاته في إثراء البحث في العلاقة بين اللغة والثقافة، وتقديم رؤى تُعزّز حضور العربية في المجالات الثقافية والمعرفية، وتدعم التكامل بين المؤسسات والباحثين والمختصين؛ بما يواكب التحولات المتجدّدة، ويفتح آفاقاً واسعة أمامها في مستقبل الثقافة».









