«الصندوق العالمي للآثار» في جولة خليجية استكشافية

رئيسته التنفيذية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هدم الأبنية القديمة وإعادة بنائها يجعلانها كأنها «ديزني لاند»

تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
TT

«الصندوق العالمي للآثار» في جولة خليجية استكشافية

تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)

الجولة الاستكشافية التي قام بها وفد «الصندوق العالمي للآثار» المؤلف من 50 شخصاً، وشملت الكويت والبحرين والسعودية، صادف أن جاءت مع احتفال هذه المنظمة بالعيد الـ60 لانطلاقتها، وهي تسعى إلى أن توسّع أعمالها باتجاه الخليج العربي.

تقول بينيديكت دو مونلور، الرئيسة التنفيذية لـ«الصندوق العالمي للآثار»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نزور الخليج، لأن المنظمة تكبر، وثمة أشخاص جدد انضموا إلى مجلس الإدارة، من بينهم الشيخة مي آل خليفة. وهي حالياً، الشخصية العربية الوحيدة في المجلس».

مديرة الصندوق العالمي للآثار بينيديكت دو مونلور

وتشرح بينيديكت أن «هذه كانت رغبتنا، نظراً لدور الشيخة مي المهم في الحفاظ على التراث في البحرين، ونتطلّع لانضمام مزيد من الأعضاء العرب، والتعاون مع شركاء في المنطقة؛ نظراً لغناها التراثي». وترى أن العرب أنفسهم، باتوا أكثر اهتماماً بقضايا الآثار والحفاظ عليها، و«لدينا في المجلس الاستشاري نحو 20 شخصية عربية، بينهم من الكويت والسعودية والبحرين».

د. إيلي فلوطي ممثلاً للصندوق

ويدعم «الصندوق العالمي للتراث» مشاريع في العالم العربي، منذ 30 سنة، عمل خلالها على 70 مشروعاً، كلفت نحو 40 مليون دولار، لكن ليس له مركز رسمي عربي. وقد اختار الصندوق مؤخراً الدكتور إيلي فلوطي ممثلاً له في المنطقة العربية. «هو يمثلنا في مسائل الشراكة والتواصل. أما افتتاح مكتب رسمي، فهي فكرة جدّية نعمل على دراستها، ليكون أسوة بمكاتبنا في بقية أنحاء العالم».

الدكتور إيلي فلوطي (خاص الشرق الأوسط)

ويقول الدكتور فلوطي لـ«الشرق الأوسط» إن دوره هو التعريف بالصندوق. لأنه رغم المشروعات المهمة التي أنجزتها المنظمة في مصر والمنطقة، بقيت غير معروفة من قبل الناس. «ثمة تقصير. وعملي أن أسدّ هذه الفجوة. كما أنني إضافة إلى التواصل مع الإعلام أنسّق مع الحكومات والجهات المعنية، والمؤسسات، وأشرح ماهية المشروعات التي تحتاج إلى تمويلات».

حالياً، يعمل الصندوق على أكثر من مشروع عربي. في العراق يُرمّم متحف الموصل الذي دمّره «تنظيم داعش»، وكان قد بناه المهندس محمد مكية. وهناك ورشة في موقع بابل، وقلعة أربيل، هذا فيما يتعلق بالعراق. وفي اليمن ورشة في مدينة تعز القديمة، ويجري ترميم قصر الإمام. وفي مصر مشروعات أيضاً، أحدها في القاهرة القديمة في باب زويلة، في تكية إبراهيم الجولشاني، وثمة عمل على الموقع الفرعوني أبيدوس. وتعمل المنظمة بالتعاون مع الحكومات والسكان المحليين لتنفيذ مشروعاتها، وتساعد في توفير التّمويل والخبرات.

جانب من ورشة بابل (موقع الصندوق العالمي للآثار)

تحضير ملفات «اليونيسكو»

ويعمل الصندوق مع الحكومة الكويتية لتحضير الملف الذي سيُقدّم لـ«اليونيسكو» لوضع جزيرة فيلكا على لائحة التراث العالمي. في هذه الحالة، تقول بينيديكت: «شكّلنا فريقاً من أثريين ومهندسين ذهبوا إلى الجزيرة بحثوا ووثقوا، وحضّروا جزءاً من الملف الذي يُفترض أن يكون قوياً ومتماسكاً». لهذا فإن مهمات الصندوق العالمي ذات طبيعة متعدّدة، تختلف تبعاً للحاجة. فقد سبق لهذه المنظمة أن عمِلت مع العراق لتحضير ملف موقع بابل، وحضّرت مع الحكومة البيروفية، ملف موقع مجمع شنكيلو، الذي أُدرج منذ سنتين على لائحة التراث العالمي. هو نوع من الملفات يحتاج وجوداً على الأرض، للتوثيق والبحث وتعاوناً بين الخبراء الدوليين والجهات المحلية والحكومات التي هي من تقدم الملف، في نهاية المطاف.

60 سنة مع التراث

وبحسب بينيديكت فإن «الصندوق العالمي للتراث» بات المنظمة غير الحكومية الأولى عالمياً في الحفاظ على التراث. ويقع مركز الصندوق في نيويورك، وله مكاتب في البيرو ولندن، وباريس، وإسبانيا، والبرتغال، والهند، وسجّل في الصين، وله مشروعات في 112 دولة، وعمل على 700 موقع أثري. وكان قد أسّسه الكولونيل جيمس أ. جراي عام 1965، وبدأ عمله بالاهتمام بكنائس منحوتة في الصخر بإثيوبيا، وبعد الفيضانات القياسية التي ضربت مدينة البندقية عام 1966، حشد الكولونيل جراي جهوده لحماية كنوز التراث الإيطالي.

من ورشة بابل (موقع الصندوق العالمي للآثار)

وهدف الصندوق إنقاذ المعالم الأكثر تهديداً، سواء بسبب الحروب أو تحوّلات المناخ. وهذا الأخير هو سبب أساسي يتهدّد التراث في غالبية دول العالم باستثناء المنطقة العربية، حيث إن الغالبية الساحقة ممن أرسلوا طلبات مساعدة للمنظمة، يشتكون مما خلّفته الحروب من دمار، في سوريا كما في ليبيا والعراق وفلسطين. وتُشدّد بينيديكت على أن الصندوق يقوم على جهود الأفراد، ولا علاقة له بالسياسة، بل مهمته تحفيز الحكومات والهيئات على الاهتمام بالآثار.

25 موقعاً للمراقبة والمتابعة

ويعلن «الصندوق العالمي للتراث» عما يسميه «قائمة مواقع مراقبة الآثار» كل سنتين مرة، وتشمل 25 معلماً. وتضمنت لائحة عام 2025، مواقع مثل أديرة وادي درينو، بألبانيا، والنسيج العمراني التاريخي لمدينة غزة، بفلسطين، وخزانات المياه في المدينة العتيقة في تونس، والمدينة التاريخية لأنطاكيا. وأتت الاختيارات من بين مائتي طلب وصلت للمنظمة.

يُموّل الصندوق من جهات مختلفة، شركات وأفراد ومؤسسات، تذكر منها بينيديكت شركات: «أكور»، و«تيفاني» في اليابان، و«تاتا» في الهند، وهناك مشاركة لحكومات، مثل مشروع بابل المُمول من الدولة الأميركية، ومتحف الموصل المُمول من مؤسسة «ألف». وتشرح أن الدول التي تحسم من ضرائب مواطنيها، كما في أميركا وأوروبا عند دفع تبرعات، غالباً ما تجد فائدة في دفع الأموال للتراث أو قضايا أخرى، للاستفادة من التخفيضات الضريبية. «في العالم العربي الناس يعطون بدوافع اجتماعية ودينية وإنسانية، والآن جاء دور الثقافة، وهو أمر جيد. نحن ندعو الجميع للمساهمة في هذا المجال والعناية بترميم المعالم التراثية».

جولة الكويت والسعودية

مع توسع عمل «صندوق التراث العالمي» نما عدد الأعضاء المنضمين إليه. «والمنطقة العربية مهمة جداً، لأنها مهد الحضارات». لهذا تُعدُّ مديرة الصندوق أن لقاء الوفد الذي يزور المنطقة مع شخصيات خليجية، مثل الشيخة حصة آل الصباح، في الكويت، وهي من مؤسسي دار الآثار الإسلامية، وزيارة مكان مخصص لغزل الصوف، والحياكة والنسيج، أمر مهم. «لأننا نُركّز على الآثار والعمارات بوصفها تراثاً مادياً، لكننا معنيون أيضاً بالتراث غير المادي. لهذا كان جميلاً أن نرى شغل الصوف، وبيت الشيخة حصة الذي هو من هندسة حسن فتحي، وأن نزور المسجد الكبير في الكويت».

وبعد السعودية التي زار فيها الوفد العلا وجدة، واستفاد من وجود «بينالي الفنون الإسلامية»، تجد بينيديكت أنهم «في السعودية باتوا يدعمون التراث أكثر من أي بلد في العالم».

متحف الموصل يُرمّم بعد أن دمّره «داعش» (موقع الصندوق العالمي للآثار)

مركز الشيخ إبراهيم نموذج رائع

وفي البحرين جال الوفد في المحرق، وعدّت مديرة الصندوق أنها من المدن القليلة التي احتفظت بتاريخها، ممّا يُعطيها روحها، خصوصاً طريق اللؤلؤ، ومركز الشيخ إبراهيم ببيوته القديمة المرمّمة. تعقب قائلة: «حين يتحمّس الناس للجديد، ويتخلصّون من هذه المباني القديمة، ويتم القضاء عليها، نجد استعادتها مستحيلة، وإذا ما حاولنا بناءها مرة أخرى تُصبح مثل (ديزني لاند). لذلك يجب الحفاظ عليها، والاهتمام بها، وإعارتها العناية اللازمة». ويُعدّ مركز الشيخ إبراهيم نموذجاً رائعاً، «حيث نرى بيوتاً قديمة رُمّمت بمهارة، وبميزان دقيق يجمع بين التاريخ والحداثة. إنها تنبض بالروح، وتجلب السياح والمال أيضاً».

التراث مسؤولية الجميع

كان يُنظر إلى الحفاظ على الآثار على أنها وظيفة الدولة، بيد أن هناك وعياً اليوم لدور الهيئات والمنظمات غير الحكومية والأفراد. و«الصندوق العالمي للآثار» يريد أن يخرج من طابعه الأوروبي والأميركي، بعد أن انضم إليه أفراد من الهند والبيرو وغير ذلك. «لا نريد أن نبقى أميركيين، وإنما نُشدّد على التنوع والطابع الدولي، والحفاظ على علاقتنا بالجهات المحلية التي نتعامل معها».


مقالات ذات صلة

محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

المشرق العربي صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)

محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

بعد ساعات من تعيينه محافظاً للرقة صرح عبد الرحمن سلامة، بأن «الاستقرار الأمني في الرقة تحقق بنسبة تقارب 90 في المائة»

«الشرق الأوسط» (الرقة (سوريا))
ثقافة وفنون تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، تم الإعلان عن التوسع في إقامتها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير الحالي، حققت البعثات الأثرية المصرية الكثير من الإنجازات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.


مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

بينما كان يستعد محمد صدقي الموظف الأربعيني العامل في الرياض لشراء هاتف جديد لزوجته ليصطحبه هدية لها الصيف المقبل بعد عودته المقررة في الإجازة السنوية خلال شهر مايو (أيار) المقبل، قرر التراجع عن الخطوة بعد قرار الحكومة المصرية إلغاء الإعفاءات الشخصية على الهواتف الجوالة مع المصريين القادمين من الخارج.

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بإعفاء العاملين المغتربين من «جمارك الجوال» التي تصل إلى نحو 38.5 في المائة على بعض الأنواع من الهواتف، مع التأكيد على دور المغتربين في «إنقاذ الاقتصاد بتحويلاتهم الضخمة التي تسجل زيادة شهرية وفق البيانات الرسمية.

وسجلت تحويلات المصريين المغتربين من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي نمو بزيادة تقارب 42 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام قبل الماضي مع تسجيل 37.5 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية لتكون الأعلى على الإطلاق بحسب بيانات «المركزي المصري».

ومنذ مطلع 2025، طبقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين بالخارج أو العائدين من رحلات سفر بالسماح باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات مع تعديل اشتراطات التسجيل عدة مرات قبل أن يدخل قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكافة المصريين اعتباراً من ظهر (الأربعاء).

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (الثلاثاء) فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

هواتف الآيفون الأكثر تأثراً بالقرار الجديد (إ.ب.أ)

وقدرت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة سها الجندي في مارس (آذار) 2024 عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليون شخص.

وتوجد فروق سعرية لافتة في أسعار الهواتف الجوالة داخل مصر وخارجها، خصوصاً العلامات الشهيرة.

وتتيح الحكومة مهلة 90 يوماً لاستخدام الأجهزة للمصريين القادمين من الخارج على مدار العام مع إرسال بيانات رسمية تفيد بتوقيت الدخول حال حدوث مشكلة في عدم استجابة الهاتف للعمل على الشبكات المصرية، وفق التعديلات الأخيرة، مع إتاحة الفرصة لكل من يقوم بشراء هاتف من الخارج لسداد الرسوم المقررة خلال مهلة الـ90 يوماً قبل إيقاف الهاتف عن العمل.

وانتقد عدد من المصريين بالخارج عبر مواقع التواصل القرار الحكومي باعتباره يفرض عليهم رسوماً إضافية.

فيما تحدث الإعلامي عمرو أديب عن «غضب كبير» بسبب القرار بين المصريين بالخارج.

وطالب الإعلامي أحمد موسى بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف واحد سنوياً معفى من الجمارك والضرائب لدورهم في دعم الاقتصاد.

ولعبت الزيادات «القياسية» في تحويلات المصريين بالخارج دوراً في توفير موارد للنقد الأجنبي خلال الفترة الماضية مع تراجع عائدات قناة السويس تأثراً بحرب غزة وما تبعها من اضطراب لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأعلنت وكيل لجنة «الاتصالات» بمجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر عن انعقاد اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة القرار مع المسؤولين الحكوميين لبحث توقيته، وتداعياته، ودوافع اللجوء إليه.

وقالت عبد الناصر لـ«الشرق الأوسط» إن أقل شيء يمكن تقديمه للمصريين المغتربين هو إعفاؤهم من الرسوم والجمارك لهاتف واحد سنوياً تقديراً لدورهم ودعمهم للاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن «كافة دول العالم تمنح المغتربين استثناءات، وسبق للحكومة المصرية أن أعدت تشريعاً مماثلاً في امتيازات الإعفاء للسيارات التي يقومون باستيرادها من الخارج».

وأكدت أنه يوجد «تفهم لبعض دوافع الحكومة نتيجة ممارسات لما وصفته بـ(مافيا استيراد الهواتف) الذين استغلوا ثغرات قانونية لإدخال هواتف دون رسوم عبر استغلال المسافرين لإدخال الهواتف بأسمائهم وبيعها بالأسواق، لكن في الوقت نفسه لا يتوجب معاقبة الجميع بسبب هذه السلوكيات».

مغتربون مصريون بالخارج يطالبون بمنحهم تسهيلات (إ.ب.أ)

وأكد «نائب رئيس شعبة الاتصالات والجوال بغرفة القاهرة التجارية» وليد رمضان لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حالة استثناء المصريين بالخارج بالسماح بإدخال هاتف كل عام أو عامين فإن الأمر لن يشكل مشكلة بالنسبة لقطاع الاتصالات»، مشيراً إلى أن «القرار يمكن إصداره تقديراً لدورهم في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة التي يقومون بإدخالها عبر التحويلات الدورية».

وأوضح أنه يوجد «ترحيب داخل الأوساط التجارية بالقرار، لكونه يحد من عمليات التهريب والثغرات التي جرى استغلالها في الفترة الماضية»، مشيراً إلى «أن هواتف (الآيفون) تعد الأكثر تأثراً بالقرار، وهي لا تصنع في مصر بالوقت الحالي».

وأعرب متابعون عن تعجبهم من القرار الذي تم اتخاذه بداعي دعم المنتجات المحلية، وانتقدوا ارتفاع أسعار الهواتف الجوالة المصنعة داخل مصر مقارنة بأسعار الأنواع نفسها ببقية الدول العربية الأخرى، حيث تسجل فارقاً لافتاً في السعر. معتبرين أن القرارات السابقة لم تصب في مصلحة المواطنين المصريين.