الفنانة الأردنية ركين سعد: السينما السعودية تكشف عن مواهب واعدة

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تخوض السباق الرمضاني بـ«مذكرات نشال»

الفنانة الأردنية ركين سعد (الشرق الأوسط)
الفنانة الأردنية ركين سعد (الشرق الأوسط)
TT

الفنانة الأردنية ركين سعد: السينما السعودية تكشف عن مواهب واعدة

الفنانة الأردنية ركين سعد (الشرق الأوسط)
الفنانة الأردنية ركين سعد (الشرق الأوسط)

أكدت الفنانة الأردنية ركين سعد أن سيناريو فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، الذي عُرض بمهرجان البحر الأحمر السينمائي، استحوذ عليها بمجرد قراءته، ولم تستطع أن تتركه إلا بعدما انتهت منه، ووصفته بأنه «يطرح موضوعاً إنسانياً جذاباً».

وأشارت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود «كيمياء» تجمعها والفنان عصام عمر في عملهما معاً. وقالت إن «شخصية أسماء التي جسّدتها بالفيلم، على الرغم من ظروفها الصعبة فإنها فتاة قوية؛ لأن الله خلق المرأة لديها قوة داخلية تظهر في المواقف الصعبة»، وتحدَّثت عن السينما السعودية، مؤكدة أنها تكشف عن مواهب واعدة.

وقالت ركين إن «المخرجة كاملة أبو ذكري كانت (وش السعد عليّ) حين قدَّمتني لأول مرة في مصر عبر مسلسل (واحة الغروب)». وكشفت الفنانة الأردنية عن مشاركتها في مسلسل «مذكرات نشال» مع الفنان أحمد أمين للعرض في رمضان المقبل.

وأدَّت ركين في فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» شخصية «أسماء»، وهي فتاة بسيطة تضع الحجاب وتعمل في سوبر ماركت، بينما تقطن مع فتيات مثلها في شقة بالقاهرة، وترتبط أسماء بقصة حب مع «حسن» (يؤدي دوره الفنان عصام عمر) لكنها تتركه وترتبط بآخر، وحين يقع «حسن» في أزمة لا يجد مَن يسانده سواها.

ركين كما تظهر في شخصية «أسماء» مع عصام عمر بالفيلم (الشرق الأوسط)

وتقول ركين عن السيناريو الذي جذبها من اللحظة الأولى: «كان مكتوباً بتتابع ذكي، وشعرت كأنني أشاهد فيلماً أمامي، والأحداث مشوقة، وأجمل ما فيه أنني صدَّقته؛ لأن شخصياته تُشبه الناس، فهو مكتوب من القلب، وما يخرج من القلب يصل للقلب مباشرة».

وتوضِّح ركين أبعاد شخصية أسماء كما جسَّدتها: «هي بنت عادية، يمكن أن تلتقيها في أي مكان بمصر، تحاول أن تعيش في ظل ظروف قاسية، وتشعر بالحيرة بين قلبها وعقلها في ظل عدم قدرة مَن تحب على تتويج قصتهما. بوصفها فتاة فهي تحتاج إلى الأمان والاستقرار، مثلما تحتاج إلى أن يتكلم حسن ويُفصح عن مشاعره تجاهها، وترى أنه لو فعل ذلك لتغيَّرت علاقتهما وعادا لسابق عهدهما».

قبل هذا الفيلم، الذي جمعها بعصام عمر، قدَّمت معه إعلاناً جذب الجمهور بشكل كبير مثلما تقول: «كان الإعلان في رمضان الماضي، وقد صوَّرنا الفيلم أولاً، ثم صادفنا هذا الإعلان الذي حقق نجاحاً كبيراً ، وعصام صديقي ومثل أخي، ودائماً أقول له (الله يعطيك على قدر موهبتك وحبك لعملك)، هو إنسان جميل، وتجمعنا (كيمياء) في عملنا معاً، ونفهم بعضنا بعضاً من مجرد نظرة».

وعن التحضير للفيلم مع المخرج خالد منصور قالت: «على الرغم من أنني قدمت أعمالاً كثيرة مع مخرجين في أفلامهم الأولى، فإنني أحببت في خالد أنه يدرك تماماً ما يريده من الممثل، ويعطيه المساحة للتعامل مع إحساسه لكي يضيف الممثل لمساته، وكونه كاتب قصة وحوار الفيلم فهو يشعر بكل كلمة كتبها؛ لذا أقول إن شخصياته تمس القلب».

وترصد ركين الفارق بين ردود فعل الجمهور في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، وعرضه الأول في مهرجان «فينيسيا»، قائلة: «سعدت بردود الفعل على الفيلم في (فينيسيا) رغم أنهم لا يتحدثون لغتنا، لكنهم تفاعلوا مع القصة لأنها حكاية إنسانية قد تمسُّ الإنسان في أي مكان، لكن الأمر كان مختلفاً في مهرجان البحر الأحمر، وسط جمهور عربي وهي أبعاد لها علاقة بثقافتنا، لذا تجاوبوا مع الفيلم، وكنت أرقب ردود فعلهم وتعاطفهم مع مواقف درامية مؤثرة، وأتمنى أن يتكرر ذلك مع عرض الفيلم تجارياً بداية العام الجديد، كما أتمنى أن يحظى بالصدى نفسه في مهرجان قرطاج بتونس، ومهرجان داهوك بالعراق اللذين يشارك بهما».

وتستعيد ركين أول فيلم لها، وهو الفيلم الفلسطيني «3000 ليلة» للمخرجة مي المصري، الذي شارك بمهرجان قرطاج وتتذكر: «في قرطاج كنت مبهورة باهتمام الجمهور. كنت أسمعه وهو يتفاعل معه، فيبكي في مشاهد مؤلمة، ويضحك مع مواقف مرحة».

ركين سعد تشارك بفيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» في مهرجان البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

وتتطلع الفنانة الأردنية للتركيز بشكل أكبر على السينما، وتتحدَّث عن جديدها، قائلة: «عملت أفلاماً قصيرة جديدة، كما أنهيت تصوير فيلم أردني طويل بعنوان (بومة)، الذي حصل على دعم من مهرجان البحر الأحمر، وهو من كتابة وإخراج زيد عبد الرحمن، مخرج فيلم (بنات عبد الرحمن)».

وتوازن ركين بين وجودها في كل من السينما المصرية والأردنية. وتقول عن ذلك: «أنا مستقرة في مصر منذ سنوات، وأذهب كثيراً لزيارة أهلي بالأردن، والفنان يوجد عادة في المكان الذي يجد به الدور الحلو الذي يناديه، وأتذكر حين قررت قبل سنوات الإقامة في القاهرة حين دعتني المخرجة كاملة أبو ذكري للمشاركة في مسلسل (واحة الغروب) فهي من قدَّمتني في مصر، ونصحتني بالإقامة بها وهي صديقتي وشقيقتي وأمي وكانت (وش السعد عليّ)».

وعن السينما السعودية تقول ركين: «أراها تحقق خطوات واسعة، وتكتشف عن مواهب واعدة، ويسعدني العمل في السينما السعودية إذا تلقيت سيناريو جيداً، فأنا مع القصة التي تحرك مشاعري».

وقدَّمت الممثلة الأردنية أعمالاً لافتة في الدراما التلفزيونية على غرار «سفاح الجيزة»، و«ريفو». وتوضح: «أركز في الدراما بحسب ما يُعرض عليّ، ويمثل تجربة جديدة تضيف لي إنسانةً وفنانةً؛ لأعيش عوالم كثيرة عبر أعمال مختلفة تسعد الناس وتحرك مشاعرهم».

وتكشف ركين عن مشاركتها في مسلسل «مذكرات نشال» من بطولة الفنان أحمد أمين، وإخراج حسام علي الذي يشارك في ماراثون رمضان المقبل، مؤكدة أنها تطمح أن تظلَّ مستمتعةً بما تقدمه، وأن يبقى شغفها بعملها عبر أدوار مختلفة وقصص ملهمة.


مقالات ذات صلة

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.