«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

الفيلم يقتبس رواية ألبير كامو ويُواجه بالصورة صمت العالم

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
TT

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

يُقدّم فيلم «الغريب» للمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون قراءة سينمائية متأنّية لرواية ألبير كامو الشهيرة، من دون أن يُحوّلها إلى إعادة تمثيل حرفية للنصّ الأدبي. ينطلق الفيلم، الذي يُعرض في بعض الصالات اللبنانية، من الرواية بوصفها مادّة أولى، لكنه يضع الصورة في الواجهة ويجعل من السينما وسيلة لطرح أسئلة الوجود والعدالة والمعنى في عالم يعجز عن تقديم إجابات شافية.

تدور الحكاية عن «مورسو» (بنجامين فوازان)، الرجل الذي يعيش على هامش الإيقاع الاجتماعي السائد... لا يُظهر مشاعره بالطريقة المُتوقّعة، ولا يُجيد التعبير عنها بلغة مقبولة اجتماعياً. في جنازة والدته، لا يبكي. بعد أيام، يعود إلى حياته اليومية من دون مظاهر حداد واضحة. هذه التفاصيل، التي تبدو عابرة في ظاهرها، تتحوّل تدريجاً عناصر إدانة، لكشفها عن اتّساع المسافة بين الفرد والمجتمع.

موت الأم يُقاس بثقل المشاعر قبل فيضها (الشرق الأوسط)

يعتمد أوزون الأبيضَ والأسودَ خياراً بصرياً أساسياً، في خطوة تُبعد الفيلم عن الإغراءات الجمالية وتضع التركيز على البنية السردية والأداء. الصورة المُجرَّدة تُسهم في تكثيف الإحساس بالبرودة والعزلة، وتُبرز وجوه الشخصيات كأنها مُحاصَرة داخل فضاء اجتماعي ضيّق. الكاميرا لا تلاحق الانفعالات ولا تُقرّب المسافات؛ لتترك الشخصية الرئيسية في مواجهة العالم من دون وساطة.

في منتصف الفيلم، يصل السرد إلى مشهد الشاطئ، وهو المشهد المفصلي الذي تنقلب عنده الحكاية. الجريمة التي يرتكبها «مورسو» تخرج من تقديمها ضمن إطار درامي تقليدي. لا صراع واضحاً، ولا دافع نفسياً مُعلَناً. ما يظهر على الشاشة هو تراكم حسّي تُجسّده حرارة الشمس وتعب الجسد وضغط الضوء. والفعل الإجرامي يأتي فجأة من دون تمهيد عاطفي، كأنه نتيجة خلل مؤقّت في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هذا المشهد هو المدخل الأساسي لفهم فلسفة العبث عند كامو كما يعكسها الفيلم. فالعبث ليس الفوضى أو اللامعقول؛ إنه إشارة إلى التناقض بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم أمام هذا التوق. جريمة «مورسو» تكتسب معناها من غياب التفسير قبل انتفاء الدافع. فالعالم لا يشرح نفسه، والحدث يقع من دون أن يُقدّم مبرّرات أخلاقية.

الشمس في «الغريب» ضغطٌ بصريّ يُربك الجسد والعقل (الشرق الأوسط)

مع انتقال السرد إلى قاعة المحكمة، تتغيَّر طبيعة الصراع. المحاكمة تنشغل بشخصية «مورسو» وسلوكه العام بدل أن تتركّز على الفعل وحده... طريقة حزنه، علاقته بأمّه، ردود الفعل منه بعد الجنازة، تتحوّل إلى أسئلة مركزية. العدالة، كما يصوّرها الفيلم، لا تكتفي بمحاكمة الجريمة، فتسعى إلى محاكمة أسلوب الحياة.

هنا تتقاطع السينما مع فلسفة كامو بشكل مباشر... «مورسو» لا يُدان لأنه قاتل؛ يُدان لأنه لم يلتزم المعايير العاطفية والاجتماعية المُتوقّعة. في هذا السياق، يحتاج المجتمع إلى سردية أخلاقية متماسكة تُبرّر أحكامه. وحين يرفض الفرد المشاركة في إنتاج هذه السردية، يتحوّل إلى عنصر مُزعج يجب إقصاؤه.

أداء بنجامين فوازان شخصية «مورسو» يختزل اللااكتراث البارد... لا انفعالات زائدة ولا محاولات لاستدرار التعاطف. هذا الخيار يتماشى مع رؤية الفيلم التي ترفض تحويل الشخصية بطلاً أو ضحية. «مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية، ومن دون أن يبحث عن تبرير لسلوكه.

في خلفية هذا كلّه، تبرز فلسفة العبث بوصفها موقفاً وجودياً لا يدعو إلى العدمية. كامو لا ينفي قيمة الحياة؛ هو يرفض الأوهام التي تُفرَض عليها. الاعتراف بعبث العالم يعني العيش بوعي وحدود واضحة. يُساء فهمه بتفسيره دعوةً للاستسلام. «مورسو» في لحظاته الأخيرة لا يصل إلى خلاص ولا يكتشف حقيقة كبرى. ما يبلغه هو قبول هادئ بفكرة الموت بصفتها جزءاً من نظام كوني لا يَعِد بالعدل ولا بالمعنى.

وجهٌ محايد في عالم يُطالب بالمشاعر دليلَ إدانة (الشرق الأوسط)

ينجح فرنسوا أوزون في تقديم فيلم يحافظ على جوهر رواية «الغريب» ويُعيد طرح أسئلتها بلغة سينمائية معاصرة. عمله يضع المُشاهد أمام تجربة توقظ أسئلة مُلحَّة عن العدالة والاختلاف والحاجة الإنسانية الدائمة إلى المعنى. لا يسعى إلى تفسير كامو ولا إلى تحديثه قسراً، وفي ذلك، يظلّ وفياً لفكرة أساسية، هي أنّ أخطر ما في العبث محاولة إنكاره وليس الاعتراف به.


مقالات ذات صلة

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

يوميات الشرق استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

«متران مربعان» يستكشف طقوس الموت والانتماء لدى الجاليات المهاجرة في أوروبا من خلال رحلة نقل الجثامين، كاشفاً أزمة الانتماء بين ثقافتين وتجربة شخصية للمخرج.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق داليا البحيري تؤكد أن العملية أعادت النضارة لوجهها (الشرق الأوسط)

داليا البحيري: عملي في التمثيل دفعني لإجراء عملية تجميل بالوجه

داليا البحيري: «تشجَّعت لإجراء هذه العملية لأنها تزيل ما تغيّر في الوجه من علامات السن، وتعيد الشكل إلى ما كان عليه من دون تغيير في الملامح».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «طيور الحرب» (إدارة المهرجان)

أفلام عن قضايا عربية تحصد جوائز في «صندانس السينمائي»

حصدت أفلام تتناول قضايا عربية جوائز في مهرجان «صندانس السينمائي الدولي» 3 جوائز في ختام الدورة الـ42 التي استضافتها مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق السيدة الأولى ميلانيا ترمب تغادر المنصة بعد إلقاء كلمتها قبل العرض الأول لفيلمها «ميلانيا» في «مركز جون إف كيندي» التذكاري للفنون المسرحية (أ.ب)

بدء عرض وثائقي «ميلانيا» حول السيدة الأميركية الأولى

بدأ أمس (الجمعة) عرض الوثائقي الجديد حول السيّدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، في الصالات، وسط ردود فعل متفاوتة بين جمهور أعجب به، وإعلام لم يتوانَ عن انتقاده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية الموهوبة كاثرين أوهارا (أ.ف.ب)

وفاة كاثرين أوهارا بطلة فيلم «وحدي في المنزل» عن عمر 71 عاماً

توفيت كاثرين أوهارا، الممثلة الكوميدية الموهوبة التي لعبت دور والدة ماكولاي كولكين المتعجلة في فيلمين من أفلام «وحدي في المنزل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)

تواصل الفنانة المصرية نعمة السنهوري مشروعها الفني الذي يركز على إعادة قراءة التراث المصري والشرقي عموماً، حيث تحوَّل النسيج على مسطح اللوحات من مجرد خامة تقليدية إلى وسيط تشكيلي معاصر يفتح أبواب التأمل والحوار مع الزمن.

في معرضها الجديد «إرث»، يستضيفه غاليري «سفر خان» بالزمالك، تعرض نعمة السنهوري 25 لوحة تمثل امتداداً لتجربتها في المزج بين التراث والحس المعاصر، حيث يصبح القماش لغة بصرية قائمة بذاتها، قادرة على سرد الحكايات وإيصال المشاعر مباشرة إلى المتلقي من دون الاعتماد على الفرشاة أو الألوان التقليدية.

يعتمد المعرض، المستمر حتى 11 فبراير (شباط) الحالي، على تقنية الأقمشة المطعمة (الأبليكيه)، حيث تُبنى التكوينات الفنية عبر تجميع المنسوجات ومعالجتها بلغة تشكيلية لتصبح أشبه بـ«الرسم بالقماش».

القماش لغة بصرية قائمة بذاتها في لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

هنا تتجلى مفارقة جمالية تجمع بين حداثة الرؤية والحنين العميق إلى الماضي، في تجربة تجعل النسيج لا يكتفي بدوره التقليدي، بل يتحول إلى وسيط إبداعي حي يعزز أهمية استدعاء الإرث الثقافي والاجتماعي على السواء.

تقول نعمة السنهوري لـ«الشرق الأوسط»: «أتعامل مع القماش كما لو كان لوناً حياً، له وزنه وملمسه وذاكرته. لا أرسم عليه، بل أرسم به، وأترك للخامة أن تقودني إلى فضاء الصورة، فكل قطعة تنبض بالحياة من خلال لمسة الخامة نفسها، كأن القماش يحتضن الفكرة ويشكلها معي في الوقت نفسه».

وتضيف أن اللوحات بالنسبة لها أكثر من مجرد جمال بصري؛ فهي انعكاس لقيم ومعانٍ إنسانية أصيلة جاءت بها من تراثها. وتؤكد أن «التراث الشرقي أو العربي خصوصاً قادر على الاستمرار، وفتح مساحات للتأمل والحوار والمناقشة. ومن هنا، حين أقدمه في أعمالي، أراه من خلال هذه الرؤية، وليس مجرد زخرفة أو قطع فنية لتزيين المنازل».

ومن هذا المنطلق، يستشعر المتلقي كيف تتحول الأعمال الفنية إلى فعل واعٍ يثير التساؤل حول مسؤولية الأجيال الجديدة في حمل الموروث الثقافي إلى المستقبل.

وتتابع: «الفن قادر على أن يكون جسراً بين الأزمنة، وما يشغلني هو هذا التوازن بين سحر العالم القديم والحس المعاصر. وأنا أؤمن بأن ماضينا يجب أن يكرم ويصان إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، والفن أكثر الوسائط قدرة على تحقيق هذا الربط».

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كأرشيف ينبض بالحياة (إدارة الغاليري)

لا يقتصر المعرض على البعد الجمالي فقط؛ فكل لوحة تتجاوز ذلك إلى رموز ثقافية عميقة، إذ تنسج نعمة السنهوري عناصر من الحضارات المصرية المختلفة في نسيج واحد تتقاطع فيه الأزمنة، ويتجاور من خلاله الحضور القوي للذاكرة مع الحاضر.

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كما لو كانت أرشيفاً حياً، تتحول عبرها الأقواس والمداخل والأبواب والشبكات الزخرفية والفسيفساء إلى وثائق سردية تحكي التاريخ، بينما تتحول الحركة حول هذه العناصر إلى طقس يومي.

الفنانة المصرية نعمة السنهوري (إدارة الغاليري)

وفي حين تتنقل العين بين الطبقات المختلفة، تمتزج أنماط النسيج التقليدية مع مشاهد الحياة الحضرية الحديثة لتشكل في النهاية سرداً متداخلاً يأسر المتلقي ويغذي فكره ووجدانه.

تحمل الأعمال أيضاً دفئاً إنسانياً؛ إذ يشعر المتأمل بأن القماش نابض بالحياة، وكأنه يحتضنه، وينبع هذا الإحساس من تنوع الرموز وحميمية الحكايات والطقوس المتوارثة التي تسعى نعمة السنهوري إلى صونها وحمايتها من النسيان.

وتؤمن الفنانة بأن «الثقافة لا تصان فقط عبر الصروح الكبرى، بل من خلال الأفعال اليومية، مثل ترميم الأشياء وحفظها وإعادة استخدامها بمواد أكثر دفئاً». وتضيف: «تستطيع المنسوجات التي أقدمها أن تعكس الهوية والانتماء، وتفتح المجال لتبادل الأفكار بين الثقافات والمجتمعات».

تستخدم الفنانة تقنية الأقمشة المطعمة «الأبليكيه» (إدارة الغاليري)

اختارت نعمة السنهوري أن تنأى بفنها عن قيود التجارب السابقة في عالم النسيج، مبتعدة عن التقليد الأعمى للرموز الشعبية أو الانغماس في الطابع الأوروبي، رغم معرفتها بالثقافة والفنون الغربية جيداً: «أهم ما يُميز عملي أنني لا أكرر ما فعله الآخرون، لا في الألوان ولا في الموضوعات. ومع تقديري للفلكلور الشعبي، أرى أن النسيج يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إنه لغة للتجديد والتأمل في التراث. ورغم دراستي في فرنسا واطلاعي على الفنون الأوروبية، لم أسمح لنفسي بأن أستنسخ الغرب، فعملي محاولة لإعادة تشكيل تراثنا بلغة معاصرة تجعل المشاهد يرى الماضي والحاضر في اللحظة نفسها، وهو شيء غير مستحيل كما يعتقد البعض».

وهكذا تعيد السنهوري، من خلال 25 لوحة يتضمنها المعرض، تعريف مفهوم «الإرث»، محوِّلة إياه إلى تجربة حية تتنفس، وتثري مكونات الذاكرة، وتجعلها أشبه بالفسيفساء الفنية.

الأكثر من ذلك أن كل قطعة داخل هذه الفسيفساء تُرمم بمحبة وعناية ودقة، لتمنح حياة جديدة داخل فضاء جديد، انطلاقاً من أن «الفن ليس مجرد صورة جميلة، بل فعل يصون الذاكرة ويحفظها».


«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)

يعرض الفيلم الوثائقي «متران مربعان» للمخرج البلجيكي من أصول تركية فولكان أوجه، للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «روتردام السينمائي الدولي»، ويتناول مقاربة إنسانية شديدة الخصوصية لسؤال الموت والانتماء في سياق تجارب الهجرة في أوروبا. يتتبَّع الفيلم مسارات الجسد بعد الوفاة، ورحلته الأخيرة التي تكشف ما أخفته سنوات الحياة.

ينطلق الفيلم من عالم متعهدي دفن الموتى، حيث يتقاطع عمل رجل تركي في بلجيكا مع نظيره في تركيا، ليقدّم صورة مركَّبة عن طقوس الوداع واختلاف التعامل مع الموت بين المجتمعات الأوروبية والجاليات المهاجرة. ففي حين تحظى الوفاة في السياق الأوروبي بالهدوء والزمن الكافي للحزن والتأمل، تتحوَّل وفاة أحد أبناء الجاليات التركية أو المغاربية إلى سباق مع الوقت، نتيجة الرغبة في التسريع بعملية الدفن، وما يفرضه ذلك من إجراءات عاجلة لنقل الجثمان إلى بلد الأصل.

يُركز الفيلم على شخصية «طيفون»، الذي يعمل في مجال نقل الموتى، ويقضي أيامه متنقلاً بين بيوت العزاء والمطارات وأقسام الشحن، حيث تنتهي غالبية الرحلات عند الطائرة، لا عند المقبرة. ومن خلال مراقبة تفاصيل عمله اليومي، تتكشف الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفيلم عن سبب استمرار دفن الأجيال الجديدة خارج البلدان التي وُلدت وعاشت فيها.

ويُعيد الفيلم فتح ملف تاريخ الهجرة العمَّالية إلى أوروبا. الجيل الأول من العمال القادمين من تركيا والمغرب في ستينات القرن الماضي كان يرى أن الإقامة مؤقتة، والعودة حتمية حتى بعد الوفاة. غير أن مرور أكثر من 6 عقود وولادة أجيال كاملة في أوروبا لم يغيّرا هذه المعادلة؛ إذ لا تزال النسبة الكبرى من أبناء هذه الجاليات تُدفن في بلدان الأصول، وهو ما يطرحه الفيلم بوصفه مؤشراً عميقاً على أزمة الانتماء والاندماج.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

يقول المخرج فولكان أوجه لـ«الشرق الأوسط» إن الفيلم نابع من تجربة شخصية؛ كونه ابن ثقافتين، حيث نشأ في بلجيكا وسط أصدقاء بلجيكيين وأتراك، ولاحظ مبكراً التناقض الحاد في طقوس الموت بين المجتمعين. ويضيف أن هذا التناقض ظل يلاحقه لسنوات، قبل أن يتحوّل إلى سؤال وجودي خلال فترة «جائحة كورونا»، حين بدأ يتساءل عن المكان الذي يرغب في أن يُدفن فيه، وما إذا كان يشعر فعلاً بأن أوروبا وطن نهائي أم مجرد محطة حياة.

ويشير أوجه إلى أن الحديث عن الموت ظل من المحرّمات داخل عائلته، إذ رفض والداه الخوض في الموضوع، وهو ما دفعه للبحث عنه سينمائياً، معداً الصمت الجماعي حول الموت يعكس أزمة أوسع يعيشها كثيرون ممن يحملون هويتين وينتمون إلى مكانين في آن واحد.

ويؤكد المخرج أن لقاءه بشخصية «طيفون» كان اللحظة الحاسمة التي حولت الفكرة من تساؤل نظري إلى مشروع سينمائي؛ نظراً لما تمتلكه الشخصية من دفء إنساني وخفة ظل سمحت بتناول موضوع ثقيل مثل الموت بروح قريبة من المتلقي. كما حرص على تتبع التحول الداخلي الذي يمر به «طيفون»، من التركيز على العمل والنجاح المادي، إلى طرح أسئلة أعمق عن العدالة والحق في الدفن داخل البلد الذي يُعدُّ موطن الحياة.

يتتبع الفيلم لحظات وداع مؤثرة (الشركة المنتجة)

ويتوقف أوجه عند الصعوبات الكبيرة التي واجهها أثناء التصوير، خصوصاً عند التعامل مع عائلات فقدت أحباءها للتو، مشيراً إلى أن سرعة إجراءات الدفن كثيراً ما حالت دون التصوير، مما اضطره في مرات عدَّة إلى التراجع احتراماً لمشاعر الحزن، مع تفهمه أن الغضب الذي واجهه أحياناً كان تعبيراً طبيعياً عن الفقد، إذ حاول الفيلم الاقتراب من هذه اللحظات بأقصى درجات الحساسية الأخلاقية.

على المستوى الشخصي، يعترف المخرج بأن العمل على الفيلم واجهه بمخاوفه العميقة من الموت، وأن التعامل اليومي مع الجثامين وأماكن الغسل والعزاء كان تحدياً قاسياً، لكنه شكَّل في الوقت نفسه رحلة ذاتية لمواجهة هذا الخوف، حتى وإن لم يتمكن من تجاوزه بالكامل.

ويشير أوجه إلى أن العمل على الفيلم استغرق قرابة 4 سنوات، منذ اللقاء الأول مع «طيفون» وحتى العرض الأول. ويضيف أن التمويل داخل بلجيكا لم يكن عائقاً، في حين استغرق إيجاد شركاء إنتاج في دول أخرى وقتاً أطول، حتى اكتمل المشروع عملاً أوروبياً مشتركاً، وسيُعرض لاحقاً على شاشات واسعة داخل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا بعد جولة من العرض في المهرجانات السينمائية.


جسر ميناي… أيقونة هندسية بريطانية صمدت أمام الزمن

جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
TT

جسر ميناي… أيقونة هندسية بريطانية صمدت أمام الزمن

جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)
جسر ميناي من تصميم توماس تيلفورد في ويلز بالمملكة المتحدة (شاترستوك)

على الرغم من مشكلات الصيانة، يؤكد محبو الجسر الذي صممه توماس تلفورد أنه قادر على الصمود لقرنين آخرين. وعندما افتتح جدّ «إيان إيفانز» متجراً لبيع الأدوات المعدنية في جزيرة «أنغلسي» (التي تطل على البحر الآيرلندي أقصى غرب شمال ويلز البريطانية) خلال ثلاثينات القرن الماضي، كان جسر ميناي عاملاً حاسماً في ضمان نجاح ذلك المشروع التجاري.

وكان الفولاذ عالي الشد قد حل آنذاك محل سلاسل الحديد المطاوع، التي تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، مما جعل الجسر المعلّق أكثر قوة واتساعاً. وأتاح ذلك له تحمل مرور حمولات أثقل، الأمر الذي مكّن عائلة إيفانز من طلب الغاز المعبأ من شركة «كالور غاز» التي كانت حديثة النشأة حينها، وهو ما ساهم في توسيع نطاق الحصول على الطاقة في المناطق الريفية من أنغلسي (ينيس مون).

وقال إيفانز (61 عاماً): «ذهب جدي وشقيقه لنقل الشحنة من محطة بانغور أو تربورث، على ما أعتقد، وكانت أول عملية تسليم من نوعها. وما زلنا نبيع هذا الغاز حتى اليوم».

وأضاف قائلاً: «أرى الجسر يومياً من نافذة غرفة المعيشة، ويأتي الناس من كل مكان لمشاهدته. إنهم يوقفون سياراتهم أمام منزلي ويتجولون حوله. إنه يمثل جزء كبير من مجتمعنا ومن تاريخنا».

وشهد يوم الجمعة الماضي مرور 200 عام تماماً على الافتتاح الرسمي للجسر، الذي يُعد تحفة هندسية غيّرت المشهدين الاقتصادي والاجتماعي في شمال ويلز تغييراً ثورياً، فضلاً عن إحداث نقلة نوعية في روابط النقل والاتصال بين بريطانيا وآيرلندا.

وصمّم الجسر وبناه توماس تلفورد، أول رئيس لمعهد المهندسين المدنيين، ليصبح جسر ميناي عند افتتاحه في 30 يناير (كانون الثاني) 1826 أول جسر معلّق كبير في العالم.

وقال ويليام داي، وهو مهندس شارك في أعمال صيانة كبرى للجسر عام 1999، إن عدداً من التصاميم جرى استبعادها قبل أن يتمكن تلفورد من إيجاد حل لبناء الجسر فوق المضيق الخطير، عند نقطة ضيقة تسمح في الوقت نفسه بمرور السفن الحربية الشاهقة من أسفل.

وأضاف داي قائلاً: «إنه أيقونة من أيقونات الهندسة المدنية بفضل الدقة، وضبط الجودة، والتفكير المسبق في سهولة الصيانة والاستدامة... فضلاً عن الحاجة إلى ابتكار طريقة لتشييده فوق مياه هائجة». وتابع قائلاً: «لقد قام بتعليق سلاسل الكابلات الحديدية على ضفتي النهر وصولاً إلى أطواف، ثم استخدم الحبال والبكرات على الجهة الأخرى لرفعها. لقد أرسي الأسس لكيفية تنفيذ مثل هذه المشاريع مستقبلاً، ولا تزال بعض أفكاره مستخدمة حتى اليوم».