قال الممثل الكولومبي أوبيمار ريوس غوميز، إن مشاركته في فيلم «شاعر» كانت من أكثر التجارب التي غيّرت نظرته إلى التمثيل والحياة في آن واحد، موضحاً أن الشخصية التي جسّدها «أوسكار ريستريبو» لم تكن مجرّد دور على الشاشة، بل مرآة تكشف هشاشته الداخلية كإنسان وفنان، وهو سبب حماسه الرئيسي للتجربة التي كتبها وأخرجها سيمون ميسا سوتو، لكونها تحمل بين سطورها أسئلة وجودية حول معنى الإبداع.
وعُرض الفيلم الذي اختارته كولومبيا للترشح إلى «الأوسكار» في القاهرة ضمن فعاليات «بانوراما الفيلم الأوروبي»، وسبق أن حصد جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم روائي طويل بالمسابقة الرسمية، وجائزة لجنة تحكيم مسابقة «نظرة ما» بالنسخة الماضية من «مهرجان كان» السينمائي في مايو (أيار) الماضي.
يقول أوبيمار ريوس غوميز لـ«الشرق الأوسط» إن ما جذبه في العمل هو نبرته الصادقة وبساطته الخادعة؛ إذ لا يعتمد على الحوارات الخطابية أو المشاهد الصاخبة، بل على الإيماءات الصغيرة واللحظات التي تخبئ أكثر مما تُصرّح، خصوصاً أن شخصية «أوسكار» تتأرجح بين الكبرياء والانكسار، بين شاعرٍ مهووس باللغة ورجلٍ يتوارى خلف عزلته القاسية.
وأوضح أن «طبيعة الشخصية جعلتني أتمنى أن يرى الجمهور فيها شيئاً من ذاتي؛ لأن كل إنسان يحمل بداخله شاعراً ضائعاً لم يجد طريقه للتحقق»، مشيراً إلى أن المخرج منحه مساحة واسعة للارتجال، لكنه ظلّ يوجّهه نحو الصدق، فكانت النتيجة أداء يبدو تلقائياً، لكنه مشحون بكل التفاصيل الدقيقة التي تعبّر عن الألم الداخلي للشخصية.
الممثل الكولومبي الذي يخوض تجربة التمثيل للمرة الأولى بدأ التحضير للدور قبل التصوير بأسابيع طويلة، قضى معظمها في التأمل وقراءة كتب الشعر الكولومبي القديم والحديث، سعياً منه لفهم العلاقة المعقدة بين الكلمة والروح، كما التقى بمعلمين وأدباء من مسقط رأسه في مدينة ميديلين ليستلهم من تجاربهم الواقعية ملامح شخصيته، وفق قوله.
وأضاف أنه تعامل مع الشخصية بوصفها كائناً ينهار ببطء؛ فهي «رجل يعيش على حافة الحياة، يكتب الشعر كما لو كان وسيلته الوحيدة للتنفس، فهو لم يكن يبحث عن الشهرة أو الاعتراف، بل عن معنى يمنحه مبرراً للبقاء، وهذا ما جعل الأداء مركّباً بين الانطفاء والبحث عن بصيص ضوء أخير».

ويروي الفيلم قصة «أوسكار ريستريبو»، وهو شاعر وأستاذ جامعيّ سابق يعيش في ضاحية فقيرة على أطراف مدينة ميديلين، بعد أن ترك عمله وتخلى عن أسرته، منهكاً من خيباته المتراكمة، وفي أثناء تدريسه المتطوع للأطفال يلتقي بطفلة تُدعى «يُرلادي»، تمتلك موهبة فطرية في كتابة الشعر.
هذه الطفلة تُعيد إليه شيئاً من إيمانه القديم بالكلمة، وتنشأ بينهما علاقة إنسانية شديدة الرهافة تجمع بين المعلم والتلميذة، بين الحلم الطفولي وبرودة الواقع القاسي... ومع تتابع الأحداث يجد «أوسكار» في هذه الطفلة مرآةً لنقاءٍ نسي أنه كان يوماً يسكنه، فتتحوّل القصة إلى رحلة رمزية بين الظلمة والنور، وبين الفقد والبعث من جديد.
وقال أوبيمار إن العمل كان مرهقاً نفسياً وجسدياً؛ إذ تطلّب تصويره تركيزاً شديداً وانغماساً كلياً في الحالة، خصوصاً أن أغلب المشاهد صُوّرت بكاميرا محمولة على الكتف في أماكن حقيقية وسط أحياء فقيرة، معتبراً أن «التعب والخوف من الفشل كانا جزءاً من التجربة»، لكنه آمن بأن التعب هو ما يهب الأداء صدقه الحقيقي؛ لأن الشخصية التي يجسّدها كانت متعبة من العالم ومن نفسها.
وأشار إلى أن الطفلة ريبيكا أندرايده التي أدّت دور «يُرلادي» هي مفاجأة العمل الكبرى؛ إذ تمتلك حساً فنياً نادراً رغم صغر سنها، وقال: «تعلمت منها بساطتها وصدقها أكثر مما علّمتها عن التمثيل»، مؤكداً أن العلاقة بينهما لم تكن مصطنعة أو مرسومة مسبقاً، بل وُلدت من التفاهم الإنساني الذي نما بينهما خلال التحضير والتصوير، فبدت على الشاشة حقيقية بكل تفاصيلها.

كما أكد أن الفيلم لا يتحدث عن الشعر بوصفه فناً، بل كوسيلة للنجاة الروحية، وأنه في جوهره تأمل في معنى الضعف الإنساني، وأضاف: «هذا الفيلم لا يجيب عن الأسئلة، بل يتركها تتردّد في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض»؛ لأنه يؤمن بأن «الفن الحقيقي لا يقدّم حلولاً، بل يفتح جراحاً جميلة تُذكّرنا بأننا أحياء».
وفي ختام حديثه، عبّر أوبيمار ريوس غوميز عن فخره بتمثيل كولومبيا في سباق «الأوسكار»، معتبراً أن «اختيار الفيلم لهذا الترشيح ليس مجرّد تقدير لفريق العمل، بل إشارة إلى أن السينما الكولومبية قادرة على ملامسة الوجدان الإنساني بلغة صادقة وبعيدة عن الزخارف التجارية»، وأردف: «أظن أن هذا الفيلم منحني فرصة لأن أعيش حياة أخرى، حياة رجلٍ جريحٍ يؤمن بالكلمة رغم كل شيء. وربما، في أعماقنا جميعاً، يسكن شاعر يحاول أن يكتب قصيدته الأخيرة قبل أن يصمت العالم من حوله».




