أوبيمار ريوس غوميز: «شاعر» أرهقني نفسياً وجسدياً ببساطته الخادعة

الفنان الكولومبي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن فيلمه المرشح لـ«الأوسكار»

نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)
نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)
TT

أوبيمار ريوس غوميز: «شاعر» أرهقني نفسياً وجسدياً ببساطته الخادعة

نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)
نال الفيلم إشادات نقدية عديدة (الشركة المنتجة)

قال الممثل الكولومبي أوبيمار ريوس غوميز، إن مشاركته في فيلم «شاعر» كانت من أكثر التجارب التي غيّرت نظرته إلى التمثيل والحياة في آن واحد، موضحاً أن الشخصية التي جسّدها «أوسكار ريستريبو» لم تكن مجرّد دور على الشاشة، بل مرآة تكشف هشاشته الداخلية كإنسان وفنان، وهو سبب حماسه الرئيسي للتجربة التي كتبها وأخرجها سيمون ميسا سوتو، لكونها تحمل بين سطورها أسئلة وجودية حول معنى الإبداع.

وعُرض الفيلم الذي اختارته كولومبيا للترشح إلى «الأوسكار» في القاهرة ضمن فعاليات «بانوراما الفيلم الأوروبي»، وسبق أن حصد جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم روائي طويل بالمسابقة الرسمية، وجائزة لجنة تحكيم مسابقة «نظرة ما» بالنسخة الماضية من «مهرجان كان» السينمائي في مايو (أيار) الماضي.

يقول أوبيمار ريوس غوميز لـ«الشرق الأوسط» إن ما جذبه في العمل هو نبرته الصادقة وبساطته الخادعة؛ إذ لا يعتمد على الحوارات الخطابية أو المشاهد الصاخبة، بل على الإيماءات الصغيرة واللحظات التي تخبئ أكثر مما تُصرّح، خصوصاً أن شخصية «أوسكار» تتأرجح بين الكبرياء والانكسار، بين شاعرٍ مهووس باللغة ورجلٍ يتوارى خلف عزلته القاسية.

وأوضح أن «طبيعة الشخصية جعلتني أتمنى أن يرى الجمهور فيها شيئاً من ذاتي؛ لأن كل إنسان يحمل بداخله شاعراً ضائعاً لم يجد طريقه للتحقق»، مشيراً إلى أن المخرج منحه مساحة واسعة للارتجال، لكنه ظلّ يوجّهه نحو الصدق، فكانت النتيجة أداء يبدو تلقائياً، لكنه مشحون بكل التفاصيل الدقيقة التي تعبّر عن الألم الداخلي للشخصية.

الممثل الكولومبي الذي يخوض تجربة التمثيل للمرة الأولى بدأ التحضير للدور قبل التصوير بأسابيع طويلة، قضى معظمها في التأمل وقراءة كتب الشعر الكولومبي القديم والحديث، سعياً منه لفهم العلاقة المعقدة بين الكلمة والروح، كما التقى بمعلمين وأدباء من مسقط رأسه في مدينة ميديلين ليستلهم من تجاربهم الواقعية ملامح شخصيته، وفق قوله.

وأضاف أنه تعامل مع الشخصية بوصفها كائناً ينهار ببطء؛ فهي «رجل يعيش على حافة الحياة، يكتب الشعر كما لو كان وسيلته الوحيدة للتنفس، فهو لم يكن يبحث عن الشهرة أو الاعتراف، بل عن معنى يمنحه مبرراً للبقاء، وهذا ما جعل الأداء مركّباً بين الانطفاء والبحث عن بصيص ضوء أخير».

يمثل الفيلم كولومبيا في سباق جوائز «الأوسكار» (مهرجان الجونة)

ويروي الفيلم قصة «أوسكار ريستريبو»، وهو شاعر وأستاذ جامعيّ سابق يعيش في ضاحية فقيرة على أطراف مدينة ميديلين، بعد أن ترك عمله وتخلى عن أسرته، منهكاً من خيباته المتراكمة، وفي أثناء تدريسه المتطوع للأطفال يلتقي بطفلة تُدعى «يُرلادي»، تمتلك موهبة فطرية في كتابة الشعر.

هذه الطفلة تُعيد إليه شيئاً من إيمانه القديم بالكلمة، وتنشأ بينهما علاقة إنسانية شديدة الرهافة تجمع بين المعلم والتلميذة، بين الحلم الطفولي وبرودة الواقع القاسي... ومع تتابع الأحداث يجد «أوسكار» في هذه الطفلة مرآةً لنقاءٍ نسي أنه كان يوماً يسكنه، فتتحوّل القصة إلى رحلة رمزية بين الظلمة والنور، وبين الفقد والبعث من جديد.

وقال أوبيمار إن العمل كان مرهقاً نفسياً وجسدياً؛ إذ تطلّب تصويره تركيزاً شديداً وانغماساً كلياً في الحالة، خصوصاً أن أغلب المشاهد صُوّرت بكاميرا محمولة على الكتف في أماكن حقيقية وسط أحياء فقيرة، معتبراً أن «التعب والخوف من الفشل كانا جزءاً من التجربة»، لكنه آمن بأن التعب هو ما يهب الأداء صدقه الحقيقي؛ لأن الشخصية التي يجسّدها كانت متعبة من العالم ومن نفسها.

وأشار إلى أن الطفلة ريبيكا أندرايده التي أدّت دور «يُرلادي» هي مفاجأة العمل الكبرى؛ إذ تمتلك حساً فنياً نادراً رغم صغر سنها، وقال: «تعلمت منها بساطتها وصدقها أكثر مما علّمتها عن التمثيل»، مؤكداً أن العلاقة بينهما لم تكن مصطنعة أو مرسومة مسبقاً، بل وُلدت من التفاهم الإنساني الذي نما بينهما خلال التحضير والتصوير، فبدت على الشاشة حقيقية بكل تفاصيلها.

الممثل الكولومبي حاملاً جائزة «الجونة» برفقة المنتج (إدارة المهرجان)

كما أكد أن الفيلم لا يتحدث عن الشعر بوصفه فناً، بل كوسيلة للنجاة الروحية، وأنه في جوهره تأمل في معنى الضعف الإنساني، وأضاف: «هذا الفيلم لا يجيب عن الأسئلة، بل يتركها تتردّد في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض»؛ لأنه يؤمن بأن «الفن الحقيقي لا يقدّم حلولاً، بل يفتح جراحاً جميلة تُذكّرنا بأننا أحياء».

وفي ختام حديثه، عبّر أوبيمار ريوس غوميز عن فخره بتمثيل كولومبيا في سباق «الأوسكار»، معتبراً أن «اختيار الفيلم لهذا الترشيح ليس مجرّد تقدير لفريق العمل، بل إشارة إلى أن السينما الكولومبية قادرة على ملامسة الوجدان الإنساني بلغة صادقة وبعيدة عن الزخارف التجارية»، وأردف: «أظن أن هذا الفيلم منحني فرصة لأن أعيش حياة أخرى، حياة رجلٍ جريحٍ يؤمن بالكلمة رغم كل شيء. وربما، في أعماقنا جميعاً، يسكن شاعر يحاول أن يكتب قصيدته الأخيرة قبل أن يصمت العالم من حوله».


مقالات ذات صلة

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

يوميات الشرق فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

عاد فيلم «اعترافات سفاح التجمع» لصالات العرض السينمائية في مصر بعد حصوله على الموافقات الرقابية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

حققت أفلام سينمائية مصرية تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية بصورة أكبر مما حققته عند عرضها بالصالات السينمائية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، إثر إصابته بمرض السرطان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.