بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
TT

بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)

توفي مراهق من ولاية كاليفورنيا الأميركية جرّاء جرعة مخدرات زائدة بعد أشهر من طلبه إرشادات حول تعاطي المخدرات من تطبيق «شات جي بي تي»، وفقاً لما صرّحت به والدته.

كان سام نيلسون يبلغ من العمر 18 عاماً فقط، ويستعد للالتحاق بالجامعة، عندما سأل برنامج الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي عن كمية «القرطوم» - وهو مسكن ألم نباتي غير خاضع للرقابة، يُباع عادةً في متاجر بيع التبغ ومحطات الوقود في جميع أنحاء الولايات المتحدة - التي يحتاجها للحصول على تأثير قوي، كما صرّحت والدته، ليلى تيرنر-سكوت، حسب صحيفة «نيويورك بوست».

وكتب المراهق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، حسب سجلات محادثاته: «أريد التأكد حتى لا أتناول جرعة زائدة. لا توجد معلومات كافية على الإنترنت، ولا أريد أن أتناول جرعة زائدة عن طريق الخطأ».

بعد أن زعم ​​برنامج الدردشة الآلي أنه لا يستطيع تقديم إرشادات حول تعاطي المخدرات ووجه نيلسون لطلب المساعدة من أخصائي رعاية صحية، رد نيلسون بعد 11 ثانية فقط، قائلاً: «آمل ألا أتناول جرعة زائدة إذن»، قبل أن ينهي محادثته الأولى حول جرعات المخدرات مع أداة الذكاء الاصطناعي.

استخدم نيلسون برنامج «شات جي بي تي» من «أوبن إيه آي» بانتظام للحصول على المساعدة في واجباته المدرسية والأسئلة العامة على مدار الأشهر الـ18 التالية، ولكنه كان يطرح عليه مراراً وتكراراً أسئلة حول المخدرات.

أوضحت تيرنر-سكوت أن برنامج الدردشة الآلي بدأ مع مرور الوقت بتدريب ابنها ليس فقط على تعاطي المخدرات، بل أيضاً على كيفية إدارة آثارها.

في إحدى المحادثات، كتب البرنامج: «بالتأكيد، هيا بنا إلى عالم الهلوسة!»، قبل أن ينصحه بمضاعفة جرعة شراب السعال لزيادة الهلوسة، بل واقترح عليه قائمة تشغيل موسيقية لتكون خلفية لتعاطيه المخدرات.

إلى جانب التوجيهات المتعلقة بالمخدرات، زعمت تيرنر-سكوت أن برنامج الدردشة الآلي كان يُغدق على نيلسون برسائل حنونة وتشجيع مستمر.

بعد أشهر من لجوء نيلسون إلى مساعد الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح بشأن المخدرات، أدرك أنه ساهم في إدمانه الكامل للمخدرات والكحول، فأخبر والدته بذلك في مايو (أيار) 2025.

وقالت تيرنر-سكوت إنها اصطحبته إلى عيادة لتلقي المساعدة، حيث وضع له المختصون خطة لمواصلة علاجه.

لكن في اليوم التالي، وجدته ميتاً إثر جرعة زائدة في غرفته في سان خوسيه، بعد ساعات من حديثه مع برنامج الدردشة الآلي عن تعاطيه المخدرات في وقت متأخر من الليل.

وقالت تيرنر-سكوت: «كنت أعلم أنه يستخدمه، لكن لم يخطر ببالي أبداً أنه من الممكن أن يصل الأمر إلى هذا الحد».

أفادت بأن ابنها كان طالباً في علم النفس يتمتع بشخصية هادئة، ولديه العديد من الأصدقاء، ويحب ألعاب الفيديو. لكن سجلات محادثاته عبر الذكاء الاصطناعي كشفت عن معاناته من القلق والاكتئاب.

في إحدى المحادثات، تحدث نيلسون عن تدخين الحشيش أثناء تناوله جرعة عالية من زاناكس.

وأوضح قائلاً: «لا أستطيع تدخين الحشيش بشكل طبيعي بسبب القلق»، متسائلاً عما إذا كان الجمع بين المادتين آمناً.

عندما حذره برنامج «شات جي بي تي» من أن هذا المزيج الدوائي غير آمن، غيّر نيلسون صياغته من «جرعة عالية» إلى «كمية معتدلة».

على الرغم من أن نظام الذكاء الاصطناعي كان يخبر نيلسون مراراً وتكراراً أنه لا يستطيع الإجابة على سؤاله لأسباب تتعلق بالسلامة، فإنه كان يعيد صياغة استفساراته حتى يحصل على إجابة.

تحظر بروتوكولات «أوبن إيه آي» المعلنة على «شات جي بي تي» تقديم إرشادات مفصلة حول تعاطي المخدرات غير المشروعة.

قبل وفاته، كان نيلسون يستخدم إصدار 2024 من «شات جي بي تي»، الذي كانت «أوبن إيه آي» تُحدّثه بانتظام لتحسين السلامة والأداء.

مع ذلك، أظهرت المقاييس الداخلية أن الإصدار الذي كان يستخدمه كان أداؤه ضعيفاً في الاستجابات المتعلقة بالصحة.


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يطلق تجربة جديدة لإدارة المهام المجدولة ويعزز قدراته الاستباقية

تكنولوجيا الميزة تُطرح الآن تدريجياً على الويب والجوال (ChatGPT)

«شات جي بي تي» يطلق تجربة جديدة لإدارة المهام المجدولة ويعزز قدراته الاستباقية

تهدف الخطوة إلى تحويل المساعد الذكي من أداة للإجابة عن الأسئلة إلى مساعد رقمي قادر على متابعة المهام وتنفيذها بشكل تلقائي ومنظم داخل التطبيق والويب.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)

مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

وسط التسارع غير المسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف العالمية من تداعيات هذه الطفرة على مستقبل البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا بعض نماذج اللغة الحديثة بدت بشرية بدرجة جعلت المشاركين يختارونها أحياناً على أنها الطرف الإنسان

دراسة تختبر قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد البشر في المحادثة

تظهر دراسة جديدة أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على محاكاة المحادثة البشرية وإرباك المشاركين في اختبار «تورينغ».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا بعض المستخدمين يعتقدون أن استخدام عبارات مهذبة قد يُسهم في تحسين استجابة الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

«من فضلك» و«شكراً»... هل تؤثر اللباقة على أداء الذكاء الاصطناعي؟

تشير نتائج استطلاع حديث إلى أن الطريقة التي نخاطب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر تأثيراً مما يُعتقد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» تظهر على الصفحة الرئيسية لـ«شات جي بي تي» (د.ب.أ)

ميزة جديدة في «شات جي بي تي» تُخطر المقربين عند الأزمات النفسية

أعلنت «أوبن إيه آي» عن إطلاق ميزة أمان جديدة ضمن تطبيق «شات جي بي تي»، تهدف إلى التدخل المبكر في حالات الطوارئ المرتبطة بالصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لغز لوحة رئيس خدم يُحيّر أحفاده بعد أكثر من 170 عاماً

الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)
الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)
TT

لغز لوحة رئيس خدم يُحيّر أحفاده بعد أكثر من 170 عاماً

الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)
الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)

يأمل أقارب رئيس خدم كان يعمل في قصر ريفي بمقاطعة جنوب يوركشاير، في كشف لغز فنان مجهول الهوية جسَّد ملامحه في لوحة قماشية.

ووفق «بي بي سي»، عمل ويليام دينتون رئيساً للخدم في قصر «وينتورث وودهاوس» في روذرهام، وخُلّد في لوحة زيتية خلال خمسينات القرن الـ19، قبل أن يُخزَّن هذا العمل الفنّي لاحقاً في علية القصر لعقود.

وقد ترك الفنان علامته على سدادة زجاجة نبيذ داخل اللوحة، وإنما الجهود المبذولة لتحديد هويته باءت بالفشل.

وقال دون روز، حفيد دينتون: «أخذناها إلى متحف (ويستون بارك) في شيفيلد، وأخبرونا أنها ليست ذات قيمة مادية، وربما رسمها فنان زائر. لكنها ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلينا؛ فهي جزء من تاريخ عائلتنا».

وتُشكّل لوحة دينتون جزءاً من معرض جديد في قصر «وينتورث وودهاوس» يحمل عنوان «أصداء القصر: قصص في الضوء والحركة».

وجاءت كثير من المعروضات استجابة لمناشدة وُجّهت إلى المجتمع المحلّي لتقديم مقتنيات تُسهم في الكشف عن تاريخ القصر، بما يتجاوز تفاصيل حياة سكانه الأثرياء.

ووُلد ويليام دينتون عام 1801، وتدرَّج في العمل منذ مراهقته، بدءاً من تنظيف الأحذية، ليصبح في النهاية رئيساً للخدم لدى الإيرل فيتزويليام الخامس.

وبحلول عام 1857، كان ويليام يتقاضى 35 جنيهاً إسترلينياً سنوياً بصفته رئيساً للخدم، وفق صندوق الحفاظ على قصر «وينتورث وودهاوس»؛ وتوفي عام 1874.

وقال روز، البالغ 85 عاماً: «لقد ورثها والدي، هاري دينتون روز، عن والدته. لكن والدتي كانت تخاف منها؛ إذ قالت إنها كانت تشعر بأن عيني ويليام تلاحقانها في أرجاء الغرفة، وأصرَّت على وضعها في العلية».

وأضاف: «وعندما آلت اللوحة إليّ، نظّفتُها ووضعتُها في إطار، ثم علّقتها في الردهة».

ورغم أنه كان من الشائع أن تُكلّف العائلات الثريّة فنانين برسم لوحات شخصية لها، فإن رسم لوحة بورتريه لرئيس خدم كان أمراً غير مألوف.

وقالت شيريل هادفيلد، وهي من سلالة دينتون، وابنة حفيده من الجيل الثالث: «هل كان بمقدوره تحمُّل تكاليف رسم هذه اللوحة، أم أن فناناً هاوياً رسمه مجاناً لأنّ وجهه كان يحمل ملامح مثيرة للاهتمام؟».

وتابعت: «ربما لن نعرف الإجابة، لكننا سعداء جداً بامتلاكها. عندما أنظر إلى وجه ويليام، أرى شبهاً جلياً بجدي ووالدي».

ويضم المعرض الذي يُعد الأوسع نطاقاً أجهزة سينمائية قديمة، من أجهزة الزوتروب (دوّارة الحياة) إلى الفوانيس السحرية، إلى جانب تجهيزات فنية معاصرة، ويستمر حتى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.


النعناع البري حل طبيعي لطرد البعوض

جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
TT

النعناع البري حل طبيعي لطرد البعوض

جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)

نجح فريق بحثي من المملكة المتحدة وأوغندا في تطوير دهان موضعي «لوشن» منخفض التكلفة يعتمد على زيت نبات النعناع البري، وأثبتت التجارب المخبرية والميدانية أنه يوفر حماية من البعوض تضاهي فاعلية طاردات الحشرات التجارية.

وأوضح باحثون من جامعة كارديف البريطانية، بالتعاون مع جامعة ماكيريري في أوغندا، أن هذه النتائج تمهد الطريق لتطوير وسيلة محلية ومستدامة للحد من الإصابة بالملاريا في المناطق الريفية الأوغندية، وعُرضت النتائج، الثلاثاء، خلال المؤتمر السنوي لجمعية علم الأحياء التجريبي، المنعقد في مدينة فلورنسا الإيطالية.

وتُعد طاردات الحشرات التجارية من أبرز وسائل الوقاية من لسعات البعوض، إذ تعتمد معظمها على المادة الفعالة «ديت» (DEET)، التي تمنع الحشرات من الاقتراب والهبوط على جلد الإنسان، إلا أن ارتفاع أسعار هذه المنتجات في بعض الدول، ومنها أوغندا، يجعل استخدامها المنتظم أمراً صعباً على كثير من السكان، لا سيما في المناطق الريفية.

وسعى الفريق إلى تطوير طارد بعوض فعّال يعتمد على نباتات النعناع البري المزروعة محلياً، بما يسهم في خفض تكاليف الوقاية من الأمراض التي ينقلها البعوض، إلى جانب توفير فرص عمل ومصدر دخل للمجتمعات المحلية.

ويحتوي زيت النعناع البري على مركب طبيعي يُعرف باسم «نيبيتالاكتون» (Nepetalactone)، وهو المسؤول عن التأثير المعروف للنبات على القطط، لكنه يتميز أيضاً بخصائص قوية في طرد الحشرات، لا سيما البعوض الناقل للملاريا وأمراض أخرى منتشرة في أفريقيا جنوب الصحراء.

وأشار الباحثون إلى أن الحد من الاعتماد على أدوية الملاريا أصبح ضرورة، في ظل قدرة الطفيليات المسبِّبة للمرض على تطوير مقاومة للعلاجات بمرور الوقت. وأكدوا أن طاردات البعوض تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية، لأنها تقلل من فرص اقتراب البعوض من الإنسان ولسعه.

وأضاف الباحثون أن ارتفاع تكلفة منتجات «ديت» يجعلها بعيدة عن متناول كثير من المزارعين في الريف الأوغندي، لذلك استهدفوا تطوير طارد بعوض فعّال منخفض التكلفة يُنتَج محلياً بمشاركة المجتمع، ليكون متاحاً للسكان.

وأوضح الفريق أن زيت النعناع البري يمتاز بسهولة استخلاصه، وأمان استخدامه، وإمكانية زراعة النبات على نطاق واسع في الريف الأوغندي، فضلاً عن أن رائحته أكثر قبولاً لدى المستخدمين مقارنةً بمنتجات «ديت».

ولتقييم كفاءة المستحضر، طوّر الباحثون «لوشن» لطرد الحشرات أطلقوا عليه اسم (DSK Lotion)، يحتوي على زيت النعناع البري، ثم اختبروه في تجارب مخبرية وميدانية لمقارنة فاعليته مع أنواع مختلفة من طاردات الحشرات في منع البعوض من الاقتراب من جلد الإنسان.

واعتمدت التجارب المخبرية على جهاز يقيس مدى انجذاب البعوض إلى الجلد المعالج بالطارد مقارنةً بالجلد غير المعالج، بينما استندت التجارب الميدانية إلى اختبار لقياس عدد البعوض الذي يهبط على جلد المتطوعين بعد استخدام المستحضر.

وأظهرت النتائج أن اللوشن الذي يحتوي على 6 في المائة من زيت النعناع البري حقق فاعلية تكاد تعادل منتجات «ديت»، في حين كان اللوشن الذي يحتوي على 2 في المائة من الزيت أقل فاعلية بفارق طفيف فقط.

وجرى توزيع «اللوشن» مجاناً خلال مرحلة التجارب بتمويل من جهات مانحة، فيما يعمل الفريق حالياً على توسيع نطاق الإنتاج وطرحه بسعر رمزي يضمن استدامة المشروع، ويوفر في الوقت نفسه مصدراً للدخل للعاملين فيه.


لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
TT

لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)

تدخل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» إلى المسرح من الباب الأصعب؛ من نصّ يعرف إلى أين يذهب، ويملك أدواته قبل أن تُضاء الخشبة. حين يكون البناء الدرامي مُحكَماً، يتحرَّر العرض من عبء تعويض ضعف النصّ. فالنصّ الجيّد لا يختصر العمل، لكنه يمنحه عصباً داخلياً يحميه من الترهُّل، ويمنح المُخرج والممثلين مادة قادرة على الاحتمال والتشكُّل وإنتاج المعنى. هكذا تأتي النسخة اللبنانية من «تعويذة جميلة» للكاتب الأميركي غريغ كاليراس على هيئة اختبار مسرحي لشيء أعقد التباساً من علاقة زوجية تمرّ بأزمة. إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنّ ما اعتقده ثابتاً صار قابلاً للزوال.

أخطر ما يفعله الوقت أنه يُبدّل طريقة النظر... لا الأشياء (سحر عساف)

بطلا المسرحية (مسرح «KED»- منطقة الكارنتينا البيروتية) «جاد» و«لين» زوجان أمضيا 12 عاماً معاً، يستيقظان ذات ليلة على انكسار ما كان يجمعهما. لا يحتاج النصّ إلى حدث كبير كي يُحرّك الخشبة. بجملة يتبدَّل الهواء في الغرفة. ومنها يبدأ الانهيار المخيف، حيث لا عدوّ واضحاً، ولا خيانة، ولا مأساة قابلة للتسمية. هناك شعور انسحب من مكانه وترك وراءه فراغاً لم يكن مُعلَناً قبل تلك اللحظة.

على ديكور يوحي بالسرير، تدور المسرحية كأنها داخل مساحة مفتوحة على طبقات كثيرة. السرير مسرح صغير للحياة المشتركة. أرشيف للسنوات. مكان يختزن فيه الزواج تاريخه، من البدايات إلى الشروخ. فوقه تُستعاد الآثار المُتراكمة للعلاقة. يصير السرير طاولة اعتراف تُرمَى عليها جميع الأوراق دفعة واحدة.

ليس الزمن ما يسرق العلاقات... اعتيادُها أنفسها (إيلي يوسف)

في هذا الفضاء، تعرف مُخرجة المسرحية لينا أبيض أين تضع يدها وأين تترك النصّ يَجري. تظهر لمستها في ضبط الإيقاع وإبقاء الخشبة مشدودة إلى القلق الكامن بين ما يُضحك وما يُوجع. لا تنجرف نحو استعراض إخراجي يبتلع النصّ، ولا تكتفي بإدارته من بعيد. تتركه في الواجهة من دون أن يفقد العرض بصمتها.

الإضاءة تكشف عمّا تحاول الشخصيات إخفاءه. الضوء يعمل مثل ضمير بصري. يقترب حين يضيق هامش الإنكار ويمنح العتمة وظيفة نفسية. فالليل في المسرحية مجال تسقط فيه الأدوار اليومية. في النهار يمكن للعلاقة أن تختبئ خلف العادة والعمل والواجبات. في الليل، تعلو الحقيقة فوق كلّ شيء.

وحين تدخل الممثلةٌ سحر عساف (مُترجِمةُ النصّ مع طارق تميم) والممثلُ إيلي يوسف مناخَ المسرحية، يتركان للشخصيتَيْن أن تتشكّلا على مهل من دون استعجال الذروة. الأداء يقوم على التقاط الخلل الذي يُصيب الإنسان حين يفقد تعريفه المُعتاد لنفسه داخل علاقة طويلة. ينجحان في جَعْل الخوف مُضحكاً أحياناً ومكشوفاً أحياناً أخرى، من دون دفعه إلى حيِّز المُبالغة العاطفية. يُعطيان من منطقة داخلية، حيث التمثيل يخرج من رغبته في الإقناع نحو حقيقة اللحظة.

وهما يُبيّنان أنّ الخشبة ليست حكراً على الأسماء الأوسع تداولاً. هناك ممثلون يُثبتون حضورهم حين تمنحهم التجربة فرصة عادلة، وحين يمتلكون ما يكفي من الوعي بجسد الشخصية. وهذه المسرحية تختبر الممثلَيْن بعيداً عن لمعان الاسم. تضعهما في مواجهة الوقت والجمهور وشفافية الأداء، فتحتفظ العلاقة بمنطقها الإنساني حتى في أكبر لحظاتها عبثية.

لا أحد يخرج من المسرح الشخصَ نفسَه الذي دخله... ولو أنكر ذلك (الجهة المُنتِجة)

الكوميديا في العرض ليست غايته. محطّات كثيرة تُضحِك، والحوار يعرف كيف يلتقط المفارقة، لكنّ الضحك يظهر حين تعجز الشخصيات عن احتمال الحقيقة. من هذه الناحية، لا تنتمي المسرحية إلى الترفيه الخفيف، ولا تكتفي بسرد خلاف زوجيّ فوق سرير. الضحك طريق جانبية نحو ما لا يُقال مباشرة. يضحك المتلقّي، ثم يشعر أنّ الضحكة لم تكن بعيدة عن مكان مؤلم فيه.

لا تنشغل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» بسؤال بقاء الزوجين معاً. المسألة أبعد من مصير علاقة. إنها تقترب من سؤال الاعتياد حين يصير عمىً ناعماً، ومن الطريقة التي يتوقَّف بها الإنسان عن رؤية مَن يعيش بقربه. مع الوقت، لا يختفي الآخر دائماً. أحياناً يبقى في المكان نفسه، لكن العين تفقد دهشتها أمامه. تضع المسرحية يدها على جرح لا يخصُّ الزواج وحده. إنها تتحدّث عن كلّ ما نملكه ونكفُّ عن رؤيته، والأشياء التي لا نخسرها فجأة، وإنما نخسر قدرتنا على الانتباه إليها.

تستغرق المسرحية 70 دقيقة في الحديث عن علاقة بين اثنين. لكنها في عمقها تحفر في علاقة الإنسان بما يظنُّ أنه يعرفه عن نفسه. وما إن تختلّ هذه الصورة، حتى يصبح كلّ ما حوله قابلاً لإعادة القراءة. هنا يغادر العرض حكايته الخاصة ويصبح شأناً شخصياً لكلّ مَن شاهده.